إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكين

شرح رياض الصالحين - ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفة والمساكينللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حث الإسلام على الرحمة بالمساكين والفقراء واليتامى والأرامل، والعطف عليهم وملاطفتهم، وجعل منزلة كافل اليتيم قريبة من منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة.

    1.   

    ذكر ما جاء في ملاطفة اليتيم والفقراء والمساكين والضعفاء والبنات

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفاء والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم، والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.

    قال الله تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:88].

    وقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28].

    وقال تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى:9-10].

    وقال تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الماعون:1-3].

    عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52]) رواه مسلم ].

    يذكر لنا الإمام النووي رحمه الله أدباً من الآداب، وخلقاً من الأخلاق الكريمة، وهو خلق ملاطفة اليتيم والبنات والضعفاء والمساكين، والفقراء، والإحسان إلى هؤلاء والشفقة عليهم والتواضع معهم.

    إن الإنسان المؤمن في معاملته يحرص على ما ينفعه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال: (احرص على ما ينفعك)، فيحرص المؤمن على النفع الأخروي في معاملاته مع الناس.

    وهنا يحث الإسلام على ملاطفة الأقرباء وغيرهم من أيتام ومن بنات ومن ضعفة ومساكين، وكذلك إذا كانوا غرباء، فعليه أن يحسن إليهم، ويرجو بإحسانه إليهم الدرجة العالية في الجنة.

    1.   

    معاني الآيات الواردة في ملاطفة الضعيف واليتيم ونحوهما

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفاء والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم، والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.

    قال الله تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:88].

    وقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28].

    وقال تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى:9-10].

    وقال تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الماعون:1-3].

    عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52]) رواه مسلم ].

    يذكر لنا الإمام النووي رحمه الله أدباً من الآداب، وخلقاً من الأخلاق الكريمة، وهو خلق ملاطفة اليتيم والبنات والضعفاء والمساكين، والفقراء، والإحسان إلى هؤلاء والشفقة عليهم والتواضع معهم.

    إن الإنسان المؤمن في معاملته يحرص على ما ينفعه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال: (احرص على ما ينفعك)، فيحرص المؤمن على النفع الأخروي في معاملاته مع الناس.

    وهنا يحث الإسلام على ملاطفة الأقرباء وغيرهم من أيتام ومن بنات ومن ضعفة ومساكين، وكذلك إذا كانوا غرباء، فعليه أن يحسن إليهم، ويرجو بإحسانه إليهم الدرجة العالية في الجنة.

    معنى قوله تعالى: (واخفض جناحك للمؤمنين)

    والآيات التي جاءت في ذلك كثيرة، كقوله سبحانه وتعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:88].

    وخفض الجناح: التواضع، وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم مع كمال خلقه العظيم الذي شهد له به القرآن، قال سبحانه: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، ومع ذلك يقول له: اخفض جناحك، أي: ازدد تواضعاً فوق تواضعك، وفي الآية الأخرى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الشعراء:215].

    وقال الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [الكهف:28] فبعض الناس لفقره يكون فيه شيء من الثقل، ويثقل على صاحبه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يصبر على هؤلاء؛ لأنه بعث معلماً لهؤلاء، ومربياً لهم، فليصبر مع هؤلاء الذين يدعون ربهم، وقد كان هؤلاء يطلبون العلم الشرعي فكانوا يجتمعون حول النبي صلى الله عليه وسلم فيعلمهم ويتلو عليهم القرآن فأمره الله أن يصبر مع هؤلاء معلماً ومربياً، رءوفاً رحيماً بهم، صلوات الله وسلامه عليه.

    معنى قوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر)

    وقال سبحانه: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى:9-10]، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى [الضحى:6-8]، فالله أحسن إلى نبيه صلوات الله وسلامه عليه إحساناً عظيماً وجعله يتيماً، والإنسان ينظر كيف كان صلى الله عليه وسلم في أهله، وكيف كان في عشيرته.

    كان يتيماً فقيراً، فأبوه مات قبل مولده صلى الله عليه وسلم، وأمه ماتت وله ست سنوات صلوات الله وسلامه عليه أو نحوها، فيرعاه جده، ثم يموت جده، ويرعاه عمه، وينتقل من إنسان لإنسان، فالذي يموت عنه أبوه ثم جده ثم عمه الغالب أن يزهد في مثله، ويكون لا مال له، ولكن الله عز وجل كفله وهو ينتقل من إنسان إلى إنسان، قال سبحانه: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى [الضحى:6]، هو الذي آواك، وهو الذي رعاك، وهو الذي جعلهم يحنون عليك ويعطفون عليك، فإذا كان الأمر كذلك فكن مع مثل من كان في حالتك، كن كما كنا معك، أحسن يحسن الله عز وجل إليك، أشفق على اليتيم واعطف عليه، فكان كذلك صلوات الله وسلامه عليه.

    قال له سبحانه بعدما من عليه بهذه النعم: أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:6-7]، أي: لا تعرف شيئاً عن الشرائع، فالله عز وجل ينزل عليه هذا الكتاب العظيم، المعجزة التي جاءت من السماء، إذ يتحدى به الخلق كلهم صلوات الله وسلامه عليه.

    وَوَجَدَكَ ضَالًّا [الضحى:7] أي: غافلاً عن الدين، فإذا به سبحانه يجتبيه ويجعله سيد المرسلين.

    وقال تعالى: وَوَجَدَكَ عَائِلًا [الضحى:8] أي: فقيراً عائلاً، فأعطاك الله سبحانه وتعالى المال بفضله وبرحمته، وبإحسانه إليك، فإذا كان كذلك فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ [الضحى:9]، أي: بما أننا ربيناك فلا تقهر يتيماً، ولكن أحسن إلى الأيتام واعطف عليهم.

    وَأَمَّا السَّائِلَ [الضحى:10] أي: الذي يسألك علماً شرعياً أو حاجة يحتاجها لفقره ومسكنته فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ [الضحى:10-11]، والنعم كلها من الله سبحانه وتعالى، هو الذي من عليك وأعطاك.

    فالله سبحانه علمه وأدبه ومن عليه وأمره أن يتحدث بنعم الله عز وجل عليه، فكان يتحدث غير مفتخر بهذه النعم وإنما كما أمر، فيقول: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)؛ أي: لأن ربي أخبرني بذلك وأمرني أن أتحدث بنعمته علي.

    ويأتي السائلون ويسألون النبي صلى الله عليه وسلم فيعطيهم صلوات الله وسلامه عليه، حتى إن أحدهم ليقول: يا قوم أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر! فكان لا يمسك شيئاً ويعطي مما أعطاه الله سبحانه وتعالى.

    معنى قوله تعالى: (فذلك الذي يدع اليتيم)

    قال سبحانه: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الماعون:1-3].

    إنه من علامات التكذيب بالدين وبالجزاء وبالحساب، دعُّ اليتيم والمسكين؛ لأنه في اعتقاده وظنه أنه لا حساب ولا جزاء، فيظن أنه خلق للدنيا ويموت ولا يرجع، فإذا به يكذب بالجزاء والحساب ويدع اليتيم، ولو آمن بيوم القيامة لما نهر يتيماً ولا مسكيناً أبداً.

    وفي حديث سعد بن أبي وقاص : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر، فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترءون علينا.

    ذكرنا هذه القصة وكيف أن المشركين يحبون التعالي، فطلبوا من النبي أن يعلمهم لوحدهم، والضعفاء لوحدهم، ومن هؤلاء الذين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن الفزاري ، والأقرع بن حابس ، وكانوا سادة في قومهم، فطلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون لهم يوم لوحدهم، حتى لا تتحدث العرب أنهم قعدوا مع الفقراء والمساكين.

    يقول: (فحدث نفسه صلى الله عليه وسلم)، يعني: بأن يجعل لهم يوماً، ولهؤلاء يوماً آخر، فإنهم إن أسلموا سيتعلمون التواضع ويتعلمون العلم الشرعي، فنزلت آية تحذر النبي صلوات الله وسلامه عليه من ذلك، قال تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام:52]، أي: تظلم نفسك بطرد هؤلاء، فإذا به يأبى صلوات الله وسلامه عليه إلا أن يطيع ربه في هؤلاء الفقراء والمساكين.

    1.   

    شرح أحاديث ملاطفة الضعفاء والأيتام

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ ملاطفة اليتيم والبنات وسائر الضعفاء والمساكين والمنكسرين والإحسان إليهم والشفقة عليهم، والتواضع معهم وخفض الجناح لهم.

    قال الله تعالى: وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر:88].

    وقال تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28].

    وقال تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحى:9-10].

    وقال تعالى: أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [الماعون:1-3].

    عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ستة نفر فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا، وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال، ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ [الأنعام:52]) رواه مسلم ].

    يذكر لنا الإمام النووي رحمه الله أدباً من الآداب، وخلقاً من الأخلاق الكريمة، وهو خلق ملاطفة اليتيم والبنات والضعفاء والمساكين، والفقراء، والإحسان إلى هؤلاء والشفقة عليهم والتواضع معهم.

    إن الإنسان المؤمن في معاملته يحرص على ما ينفعه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال: (احرص على ما ينفعك)، فيحرص المؤمن على النفع الأخروي في معاملاته مع الناس.

    وهنا يحث الإسلام على ملاطفة الأقرباء وغيرهم من أيتام ومن بنات ومن ضعفة ومساكين، وكذلك إذا كانوا غرباء، فعليه أن يحسن إليهم، ويرجو بإحسانه إليهم الدرجة العالية في الجنة.

    شرح حديث: (لئن أغضبتهم لقد أغضبت ربك)

    من الأحاديث: حديث لـأبي هبيرة واسمه عائد بن عمرو المزني وهو من أهل بيعة الرضوان، بايع النبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية بيعة الرضوان، فبايع بعضهم على الموت، وبعضهم على الجهاد في سبيل الله سبحانه.

    فهذا يخبر أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال ، وغيرهم من فقراء المهاجرين الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك بعد الحديبية.

    ففي أثناء فترة الهدنة التي ما بين سنة ست وسنة ثمان جاء أبو سفيان فقابل هؤلاء من المسلمين، وكان أبو سفيان كافراً لم يسلم بعد، فجاء ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فقابل هؤلاء المسلمين سلمان وصهيباً وبلالاً ، أما صهيب وبلال فكانا يؤذيان في مكة، وصهيب خرج مهاجراً ولحقوه فأعطاهم كل ماله، وخرج إلى المدينة من غير شيء، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ربح البيع أبا يحيى).

    وبلال كان عبداً فأعتقه أبو بكر .

    هؤلاء الفقراء رأوا أبا سفيان وهو آت ولم يسلم بعد فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدو الله مأخذها.

    فغضب أبو بكر ، وكانت نظرة سيدنا أبي بكر رضي الله عنه نظرة مصلحة؛ لأنه يمكن أن يسلم، ولا يريد تنفيره عن الدين، فقال: أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟

    فأتى النبي صلى الله عليه وسلم غاضباً، فشكا أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما قاله سلمان وصهيب وبلال لـأبي سفيان ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا أبا بكر لعلك أغضبتهم)، أي: بمجاملته أبا سفيان على حساب هؤلاء، والنتيجة إن أغضبهم قال: (لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك).

    فأتاهم أبو بكر مسرعاً وقال: يا إخوتاه، آغضبتكم؟ فقالوا: لا، يغفر الله لك يا أُخيَّ.

    يا أُخَيَّ تصغير أَخِي، والتصغير يكون أحياناً للتدليل، فقد يصغر الاسم على وجه المحبة والتلطف.

    هذا أبو بكر الصديق الذي لو وزن إيمان الأمة ليس فيها النبي صلى الله عليه وسلم لوزنهم، ولكن مع ذلك أمره النبي أن يحسن إلى هؤلاء وله بذلك القدر العظيم عند الله؛ لذلك ذهب إليهم واسترضاهم فقالوا: لا، يغفر الله لك يا أخي.

    نتعلم من هذا الحديث أن الإنسان المسلم لا يغضب الفقير لكونه فقيراً، والإنسان المسلم يحب الفقير ولا يتمنى الفقر، ولكن الفقر قد يكون نعمة لإنسان، وقد يكون نقمة على إنسان آخر، ولذلك يكفي الفقير أنه يسبق إلى الجنة بنصف يوم من أيام القيامة، أي: خمسمائة عام، فلا تعاد الفقير أبداً، لعله يكون ولياً لله عز وجل.

    وفي الحديث أن الله سبحانه وتعالى يقول: (من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب)، فإذا أردت أن تبتعد عن محاربة الله سبحانه وتعالى، فابتعد عن مؤذاة الفقراء والمساكين، الذين هم أهل التواضع وأهل حب الله سبحانه وتعالى.

    فهنا أبو بكر الصديق يصالح هؤلاء الأفاضل، ومنهم بلال الذي عذب وأعتقه أبو بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه، ولكنه ما أعتقه إلا لله، فهو بإغضابه لهؤلاء يغضب ربه سبحانه، فذهب يصالحهم رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    شرح حديث: (أنا وكافل اليتيم في الجنة)

    عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما)، رواه البخاري .

    يكفل اليتيم: يقوم بأمر اليتيم، وينفق عليه، ويربيه وفي رواية قال: (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره ).

    واليتيم: الإنسان الذي مات أبوه، ويتجوز فيها أحياناً، فيطلق على من مات أحد أبويه، ولذلك يدخل الفقهاء فيها الرجل الذي ينفق على عياله ويقوم بأمرهم إذا أمهم ماتت، والفقهاء يقولون: إن الإنسان الذي يموت أبوه فيقوم جده أو عمه أو أخوه الكبير بالنفقة عليه والإحسان والتربية، أو يكون أبو المولود قد مات، فتقوم أمه مقامه بأن تنفق على عيالها ورفضت أن تتزوج، فإن لها فضلاً كبيراً عند الله سبحانه وتعالى.

    والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين) بأن يكون جاره يتيماً، أبوه مات وليس هناك أحد يرعاه، فيقوم برعايته وتأديبه وتربيته والإنفاق عليه والإحسان إليه، فهو داخل تحت هذا الحديث الذي رواه البزار من حديث أبي هريرة : (من كفل يتيماً ذا قرابة أو لا قرابة له).

    إذاً: كافل اليتيم قد يكون قريباً أو غريباً، وقد يكون رجلاً أو امرأة، وقد تكون المرأة أم هذا الإنسان اليتيم، وقد يكون الرجل أباً لهذا الذي توفيت أمه، فقال لنا النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين).

    ومعنى (كهاتين): أنه قريب من النبي صلى الله عليه وسلم في دخول الجنة سريعاً.

    أيضاً قريب في علو المنزلة، والنبي صلى الله عليه وسلم في أعلى المنازل، يليه كافل اليتيم رجلاً كان أو امرأة، ويوضحه ما جاء في مسند أبي يعلى من حديث أبي هريرة يقول صلى الله عليه وسلم: (أنا أول من يفتح له باب الجنة إلا أنه تأتي امرأة تبادرني فأقول لها: مالك وما أنت؟ فتقول: أنا امرأة تأيمت على أيتام لي).

    والأيم: التي لا زوج لها، يعني: صارت أرملة، مات زوجها وهي حفظت نفسها لعيالها، ورفضت أن تتزوج وقامت بأمر عيالها حتى كبروا واستغنوا عنها، فهي ممن يدخل الجنة سريعاً مع النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وفي حديث آخر عند أبي داود من حديث عوف بن مالك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا وامرأة سفعاء الخدين، كهاتين يوم القيامة)، والسفع في الخد بمعنى: سواد في الخد، وكأنه الناشئ عن تعب ومشقة وعدم اهتمام بالنفس.

    والمرأة قد تكون جميلة أو نسيبة وشريفة؛ ولكن بسبب هموم تربية العيال وموت الزوج والاحتياج تكدح وتتعب حتى ينتفخ خداها، فقوله صلى الله عليه وسلم: (أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين يوم القيامة)، يعني: كأصبع السبابة والإبهام يوم القيامة.

    وسفعاء الخدين هذه قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: (امرأة ذات منصب وجمال)، يعني: ليست سفعاء الخدين، بل هي ذات منصب وجمال، قال: (حبست نفسها على يتاماها حتى ماتوا أو بانوا)، يعني: توفي زوجها، ورفضت أن تتزوج وقامت بأمر هؤلاء الأيتام حتى ماتوا أو كبروا وانصرفوا وتزوج كل واحد منهم واستغنوا عن أمهم بعد ذلك، فيخبر صلى الله عليه وسلم أن هذه المرأة بصبرها على تربية هؤلاء اليتامى تكون يوم القيامة قريبة من منزلته صلوات الله وسلامه عليه.

    شرح حديث: جابر (مم أضرب يتيمي...)

    جاء في حديث لـجابر بن عبد الله رواه الطبراني يقول: (قلت: يا رسول الله! مم أضرب يتيمي؟).

    وتربية كافل اليتيم لليتيم كتربيته للأولاد، فلا يقسو عليه ولا يغلظ له في الكلام، فمثلما يكون حازماً مع أطفاله يكون حازماً مع اليتيم، ومثلما يدلل أطفاله يدلل اليتيم.

    فلما قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (مم أضرب يتيمي قال له: مما كنت ضارباً منه ولدك).

    أي: فإذا كنت تربي أولادك بحديث: (مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر)، كذلك اليتيم الذي تربيه، تأمره بالصلاة لسبع وتضربه لتركها لعشر، وتربيه مثلما تربي ولدك.

    فمن الناس من قد يتوفى أخوه، فيقوم هو بتربية عيال أخيه، وقد يكون عيال أخيه وارثين من أبيهم مالاً كثيراً، فيحاول من يقوم برعايتهم وقاية ماله بمالهم، فيأكل معهم ويشرب معهم، فالله يحذر من ذلك: إن كنت تريد الدرجة العظيمة يوم القيامة في الجنة، فلا تق مالك بمال يتيمك.

    يقولون: إن كافل اليتيم شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لكون النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى قوم لا يعقلون الدين، فرباهم وعلمهم صلى الله عليه وسلم حتى عقلوا هذا الدين.

    كذلك الإنسان مع اليتيم إذ يربي اليتيم حتى يفهم ويتعلم الدين، فالمسألة ليست صرف المال على اليتيم فقط، ولكن يربي هذا اليتيم، وينشئه إنساناً صالحاً يعبد الله سبحانه وتعالى، فيكون له الأجر العظيم على ذلك.

    شرح حديث: (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان...)

    ومن الأحاديث التي جاءت عنه صلى الله عليه وسلم: (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان، ولا اللقمة واللقمتان، إنما المسكين الذي يتعفف).

    إن النبي صلى الله عليه وسلم يحدد لنا المسكين، وقد قال الله سبحانه وتعالى في القرآن: تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا [البقرة:273].

    والنبي صلى الله عليه وسلم يذكر من هو هذا المسكين، فهناك أشخاص يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم ويسألونه، وهناك من هو رث الهيئة أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فيسأله الناس عن حاله فيجيب: الحمد لله أعطاني الله من كل النعم، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أنعم على أحدكم فلير أثر نعمته عليه).

    فقوله صلى الله عليه وسلم: (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان)، المعنى: المسكين ليس الذي يسأل الناس دائماً، إنما المسكين ذلك الإنسان الذي يتعفف، ولا يسأل وهو محتاج، يبيت جائعاً ولا يطلب من أحد أن يعطيه شيئاً، فهذا هو المسكين الذي يحسن إليه، ويبحث عن مثله؛ لأنه ينفعك في الدنيا ويدعو لك، ويوم القيامة قد يشفع لك.

    وفي رواية أخرى لهذا الحديث: (لكن المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس)، هذا المسكين ليس له غنى يغنيه، وعمله لا يكفيه لينفق على أهله وعلى عياله، ولا يفطن له، فهذا هو المسكين الذي تعطيه المال.

    فليس كل إنسان يطلب من الناس هو الذي مدحه النبي صلى الله عليه وسلم، وكم من إنسان يسأل الناس ويمد يده للناس وهو أغنى من الذي يطلب منه.

    ومن السائلين من يقف أمام باب المسجد أو في المسجد ويشكو أمراضاً وأسقاماً وآلاماً وهموماً ثم يفضحه الله عز وجل وينكشف أمره بأنه أغنى ممن هم في المسجد، فمثل هؤلاء لا يستحقون الصدقة، ولا يجوز لك أن تنهر المسكين، ولكن لا يجوز لك أن تشجعه كذلك.

    شرح حديث: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله)

    وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله).

    يسعى عليها يعني: ينفق عليها، ويقضي لها حوائجها، ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى، هذا كالمجاهد في سبيل الله.

    وفي رواية قال: (كالقائم الذي لا يفتر، وكالصائم الذي لا يفطر).

    إن فضل السعي على الفقراء والمساكين عظيم جداً، فالذي يسأل عن فقير أو مسكين أو أرملة، ويقضي لهم حوائجهم، ويحسن إليهم، ويتابعهم سنين طويلة، هذا هو الذي يعنيه النبي صلى الله عليه وسلم، فعمله هذا في البحث عن الفقير والمسكين ومتابعة أحوالهم وحوائجهم يجعله كالصائم الذي لا يفطر، والقائم الذي لا يفتر، مع أنه لا يقوم بالليل ولا يصوم نافلة، لكن عمله ألحقه بهؤلاء.

    والمسلم يعطي من يستحق، لا من لا يستحق.

    نسأل الله عز وجل أن يهدينا سواء السبيل.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.