إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - فضل ضعفة المسلمين [2]

شرح رياض الصالحين - فضل ضعفة المسلمين [2]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إنما يعظم في القلوب ما عظم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك الضعفاء، وكفى بابن مسعود رضى الله عنه مثلاً، فمع ضعفه وخفة وزنه لكنه عند الله عظيم ثقيل، وكم من ضعيف مستضعف لو أقسم عى الله لأبره.

    1.   

    أكثر أهل الجنة من الضعفاء

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين:

    قال الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ [الكهف:28] .

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة) متفق عليه.

    وعنه: (أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شاباً، ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها أو عنه فقالوا: مات. قال: أفلا كنتم آذنتموني؟ فكأنهم صغروا أمرها أو أمره. فقال: دلوني على قبره. فدلوه فصلى عليها، ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم) متفق عليه ].

    ذكرنا هذا الباب في حديث سابق وهو: فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين، وذكرنا أن المرء في الدنيا يحب أن يصاحب الأقوياء، ويحب أن يصاحب الأغنياء، ويحب أن يصاحب من هو مثله، فجاء القرآن وجاءت السنة لتبين لنا الإيمان الحقيقي لمن تصحبه وتحبه وتحافظ على صداقته وإخوته.

    فذكر لنا هنا فضل الضعفاء من المسلمين، والمقصود بالضعيف هنا من لا يؤبه له، وقد يكون عند الله عز وجل عظيماً، قد لا يعرفه أهل الأرض وتعرفه ملائكة السماء، فعلى ذلك لا ينظر إليه ضعيفاً أو مريضاً أو فقيراً أو إنساناً خاملاً في الناس، والمصنف هنا يذكر فضل هؤلاء الضعفة والفقراء من المسلمين والخاملين، والخامل هو من ليس مشهوراً، ولا يبتغي الشهرة عند الناس.

    وسبق أن ذكرنا أن من الصحابة من كانوا على هذا الحال رضي الله تبارك وتعالى عنهم جميعاً، ومنهم صهيب وبلال وعمار وخباب ، والبعض من العرب كانوا يريدون أن يدخلوا في هذا الدين ولكنهم استكبروا أن يجلسوا في مجلس واحد مع هؤلاء الفقراء الضعفاء الذين يدنيهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، فمن هؤلاء الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وكانا كبراء قومهما، فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28] ، يعني: لا تبتعد وتعد عينيك عن هؤلاء الضعفاء والفقراء والزمهم فهم أولى بك؛ لأنهم يريدون الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه.

    أما هؤلاء الجبارون والمتكبرون والكبراء في قومهم إذا كانوا لم يتوبوا إلى الله عز وجل، ولم يعرفوا حقيقة الدنيا وأن الغنى ليس شيئاً، فالله فوقهم وهو الغني الحميد سبحانه وتعالى؛ وقوة الإنسان لا تفيد شيئاً، والله القوي فوق كل قوي، والقهار الجبار فوق كل إنسان فيه جبروت وقوة، فلو لم يعرف الإنسان ذلك فلا يستحق أن يصاحب.

    ومن يتق الله فله منزلة عظيمة عند الله عز وجل، وليس معنى ذلك أن الإنسان يطلب الفقر مثلاً، أو يسأل ربه أنه يجعله فقيراً، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله من الفقر، ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر لا إله إلا أنت).

    فإذا كان الله أغنى إنساناً فليحمد ربه على ذلك ولا يطلب الفقر، وإذا أفقره الله عز وجل فعليه أن يأخذ بأسباب الغنى والرزق، ويحمد ربه على ما هو فيه، قد يفقره ويعطيه صحة، وقد يفقره يمنعه الصحة ويعطيه قوة الإيمان، فالله عز وجل حكيم في جميع أفعاله سبحانه وتعالى.

    انظروا إلى احتجاج الجنة والنار، فكل واحدة تذكر نصيبها من الناس، فالنار تقول: في الجبارون والمتكبرون.

    وهذا مناسب لها، فهي قوية جبارة تقهر من فيها، فناسب أن يجعل الله فيها الجبارين والمتكبرين في الدنيا.

    والجنة قالت: في ضعفاء الناس ومساكينهم.

    فقال تبارك وتعالى للجنة: (إنك رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: إنك عذابي أعذب بك من أشاء).

    إذاً: ربنا خلق هذه ليرحم بها من يشاء، وخلق هذه ليعذب فيها من يشاء.

    إذاً أهل الجنة هم ضعفاء الناس ومساكينهم، هذا في الغالب، وقد يكون فيها الأغنياء مثل عبد الرحمن بن عوف والزبير بن العوام رضي الله تبارك وتعالى عنهم، هؤلاء من مياسير الصحابة، والله تعالى أنعم عليهم بنعم في الدنيا، وشهد النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالجنة.

    1.   

    وزن المتكبرين والضعفاء يوم القيامة

    جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه ليأتي الرجل السمين العظيم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة).

    خذ جناح الذبابة وانظر كم سيزن؟ لا شيء، فيأتي هذا الرجل الذي كان متعاظماً في الدنيا مستكبراً فيها، وكان لا يلقي للناس بالاً، وإذا جلسوا أمامه يسخر منهم ويستهزئ بهم، ويغمز بعينه عليهم؛ يجيء هذا الإنسان المتطاول يوم القيامة ولا قيمة له، ولا يزن عند الله جناح بعوضة فأمر الدنيا شيء وأمر الآخرة شيء آخر.

    صعد عبد الله بن مسعود مرة على شجرة من شجر الأراك يجني من ثمارها، فضحكوا عليه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مم تضحكون؟ فقالوا: نعجب من دقة ساقيه، وكان سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قصيراً نحيفاً ولما اعتلى صدر أبي جهل ليقطع رقبته اضطر أن يجلس فوق صدره ليقطعها، وكان من فقهاء الصحابة يحتاجون إلى علمه، فلما ضحكوا منه إذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يذكر لهم المفهوم الصحيح، وبين لهم أن ساقيه هذه عند الله يوم القيامة أثقل من جبل أحد، أي: فلا تضحكوا على من هذا فضله عند الله وهذا ميزانه يوم القيامة.

    أما الكافر الفاجر المستكبر فيأتي يوم القيامة ولا يزن عند الله شيئاً وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23] ، لا هو ولا ماله ولا أعماله، وجعلنا كل الذي عمله هباء منثوراً.

    إذاً: الوضع يوم القيامة: من كان في الدنيا يساوي عند الناس شيئاً وهو من المؤمنين إذ به له وضع عظيم، وقد يشفع في أمم كثيرة من الخلق يوم القيامة.

    1.   

    منزلة من يقم المساجد

    وعن أبي هريرة : (أن امرأة سوداء أو شاباً كانت أو كان يقم المسجد).

    ومن سيتزوج المرأة السوداء؟ وكانت هذه المرأة تكنس مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد هذا كان مفروشاً بالحصير، فكانت تأخذ الحصير تنظفه وتتعب في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فما كان أحد يأبه لها، فمرة سأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ماتت في ليلة من الليالي، وكرهنا أن نخبرك بخبرها، فلم يكن لها ذلك القدر العظيم.

    فلما قالوا ذلك قال: (أفلا كنتم آذنتموني؟ فكأنهم صغروا أمرها، فقال: دلوني على قبره أو قبرها، فدلوه على قبره أو قبرها؛ فصلى عليه صلاة الجنازة).

    إذا: كانت لهاً منزلة كبيرة عند النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهو لا ينطق عن الهوى، ولا يفعل شيئاً من عند نفسه، لابد أن ذلك كان بوحي من الله تبارك وتعالى، فصلى عليها عند قبرها، ثم قال لأصحابه: (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها) ، نسأل الله عز وجل العفو والعافية، وأن يجيرنا من ظلمة القبور وعذابها، بل شكل القبور من الخارج مفزع فما بالك بداخلها، إذاً: ستكون ظلمة على أهلها الذين بداخلها، ولكنه صلى الله عليه وسلم يصلي على أهلها وينورها الله عز وجل لهم بصلاته صلوات الله وسلامه عليه، قال: (وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم).

    وهذه المرأة أو هذا الشاب ما كانوا يطلبون من الناس شيئاً، بل يقمون مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ابتغاء مرضاة الله، فهم عند الناس ما كانت لهم قيمة، لكن عند الله عز وجل وعند رسوله صلى الله عليه وسلم لهم القدر العظيم، الذي يجعل النبي صلى الله عليه وسلم يذهب فيصلي على هذه المرأة في قبرها.

    1.   

    قصة جريج العابد

    من الأحاديث التي جاءت حديث طويل عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة)، الحديث طويل، والغرض منه آخر الحديث، وفيه قصة جميلة، يقول: إن ثلاثة فقط تكلموا وهم في حال الرضاعة، وهم: عيسى بن مريم، وصاحب جريج ، وسيأتي ذكره، والظاهر أيضاً أن هناك رابعاً لهؤلاء الثلاثة وهو من أصحاب الأخدود وقال: يا أمة الله! اصبري، فهؤلاء أربعة.

    ذكر منهم هنا ثلاثة، أولهم: عيسى بن مريم نطق وقال:إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا [مريم:30]، فكان نطقه آية ومعجزة.

    الثاني: صاحب جريج ، وجريج هذا كان رجلاً عابداً اتخذ صومعة، فأتته أمه وهو يصلي، فقالت: يا جريج ! فقال: يا رب! أمي وصلاتي، فأقبل على صلاته، وفي رواية: أنه كان تاجراً يزيد مرة وينقص مرة، يعني: يربح مرة ويخسر مرة، ثم ملَّ من التجارة وقال: إني سأنظر لي تجارة مع الله تبارك وتعالى أفضل من ذلك.

    في هذه الرواية يقول: كان رجل في بني إسرائيل تاجراً، وكان ينقص مرة ويزيد مرة، فقال: ليس هذه تجارة فيها خير، لألتمسن تجارة هي خير من هذه، فبنى صومعة وترهب فيها، وكان يقال له: جريج .

    يعني: كأنه في البداية كان تاجراً ثم اعتزل وترهب، والرهبانية كانت في بني إسرائيل، ولم يفرضها الله عليهم ولكنهم ابتدعوها، قال تعالى: وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ [الحديد:27]، (إلا) هنا استثناء منقطع، أي: نحن ما كتبناها عليهم ولكن هم فعلوا ذلك -فإلا بمعنى لكن- وفعلوها ابتغاء مرضاة الله، وعندما أتوا بها ما رعوها حق رعايتها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا أنه لا رهبانية في الإسلام.

    في الحديث: أن هذا الرجل بنى صومعة يعبد فيها ربه تبارك وتعالى، فجاءته أمه فقالت: يا جريج ! وفي بعض الروايات: أنها جاءت له ثلاثة أيام، وفي كل مرة تناديه، ثم يتركها ويقبل على صلاته.

    وفي رواية يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (لو كان جريج فقيهاً لترك صلاته وأجابها) فهو يصلي صلاة نافلة، ولو كان فقيهاً لترك الصلاة ورد على أمه، ولكنه كان عابداً.

    فالرجل وهو يصلي تناديه أمه: يا جريج ! فلم يرد عليها، وقال: يا رب! أمي وصلاتي، يعني: ماذا أعمل؟ هل أرد على أمي أم أكمل صلاتي؟ فآثر صلاته، وهكذا صنع ثانياً وثالثاً، لكن أمه تعبت منه فدعت عليه وقالت: اللهم لا تمته حتى ينظر إلى وجوه البغايا.

    والمرأة أيضاً كانت حنونة عليه في الدعاء، فما قالت: اللهم لا تمته حتى يزني، أو يقع في الفاحشة، ولكن دعت عليه أن ينظر في وجوه المومسات.

    ثم تذاكر بنو إسرائيل جريجاً وعبادته، وقد كان مشهوراً عندهم، حتى إن ملك بني إسرائيل يعرف جريجاً ويعرف عبادته، وكان امرأة بغياً يتمثل بحسنها من ضمن ذلك المجلس، وكانت امرأة فاجرة عاهرة في غاية الجمال، فقالت لبني إسرائيل تتحداهم: إن شئتم لأفتننه، وفي مسند الإمام أحمد قالت: لئن شئتم لأصبين منه، يعني: سألد لكم منه، وهم يعلمون أن جريجاً لا يمكن أن يفعل هذا الشيء.

    ذهبت إليه الفاجرة فلم يرد عليها، ثم مرة ثانية وثالثة، ورأت أنها ستخسر المراهنة مع بني إسرائيل، وكان هناك راع يأوي إلى صومعته، فإذا بالمرأة تمكن هذا الراعي من نفسها حتى يزني بها العياذ بالله، فلما زنى بها حملت ثم وضعت غلاماً، وافترت على جريج أنه أبو هذا الغلام، فذهب بنو إسرائيل إلى جريج ليعلموا منه من أبو هذا الغلام، وكيف تفعل هذه المصيبة؟

    ذهبوا إليه ومعهم فئوسهم ومساحيهم فنادوه فلم يجبهم، والذي حصل مع أمه حصل مع هؤلاء فلم يكلمهم، لكن أمه كانت حنونة فسكتت، أما هؤلاء فلم يسكتوا، فبدءوا بهدم الصومعة عليه، فلما فعلوا ذلك نزل إليهم فقال: ما أمركم؟

    وفي رواية: أنهم أخذوه وأخذوها وربطوهما بحبال في أعناقهما وأخذوا يطوفون بهما في الناس، فيسألهم ما الأمر؟ فيقولون: سل هذه!

    وفي رواية: أنهم وصلوا به إلى بيت الزواني، فلما وصل إلى هنالك خرجن ينظرن إليه، فضحك، فتعجبوا منه كيف يضحك عندما جاء إلى باب الزواني؟ فأخذوه وذهبوا به إلى الملك فقالوا: هذا جريج الذي يذكر من عباداته ما يذكر.

    فإذا بالملك يقول لـجريج : أنت الذي يذكر من عبادتك كذا وكذا؟ ويحك يا جريج ! كنا نراك خير الناس فأحبلت هذه، اذهبوا به فاصلبوه، فلما ذهبوا به ليصلبوه طلب منهم الإنظار فتركوه.

    وفي رواية: أنه صلى لله عز وجل، وكأنه نام فرأى في منامه أن افعل كذا، وفي هذه الرواية أنه قال: أين الغلام؟ فأتوا به فطعن بأصبعه في بطنه، وفي رواية: أنه أخذ غصناً من شجرة وطعن به في بطنه، وقال: من أبوك؟ فنطق الغلام وقال: أبي فلان الراعي، فبرأ الله عز وجل جريجاً .

    فقاموا يقبلون يديه ورجليه ويتعلقون به ويقولون له: سنبني لك الصومعة من ذهب، فقال: لا إلا كما كانت من طين.

    هذه قصة جريج وصنيع الناس معه، وهي قصة عجيبة جداً فيها بيان ثقة جريج بالله سبحانه وتعالى، حيث أخذوه ليصلبوه فقال لهم: اتركوني أصلي وأدعو ربي سبحانه، وإذا بالله عز وجل يبرئه وينجيه.

    ثم سألوه عن سبب ضحكه لما أتى بيت الزواني، فقال: تذكرت دعوة أمي علي!

    لولا لطف الله عز وجل به، وأنه من أولياء الله سبحانه لضل، ولكن الله لا يضيع عليه صلاته، صحيح أنه لم يجب أمه، ولكنه أيضاً له عبادة ومنزلة عند الله عز وجل، فلم يتركه الله سبحانه وتعالى في الموقف الذي كان فيه.

    1.   

    قصة الراضع من ثدي أمه

    في آخر الحديث يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: (وبينما صبي يرضع من أمه، فمر رجل راكب على دابة فارهة وشارة حسنة).

    يذكر النبي صلى الله عليه وسلم من ضمن المتكلمين في المهد طفلاً كان يرضع من ثدي أمه، فمر رجل على دابة عظيمة كبيرة -جبار من الجبابرة- له شارة حسنة، والأم عادة تريد أن يكون ابنها في أعلى المنازل في نظرها، فلو رأت وزيراً مثلاً تمنت أن يكون مثله، ولا تعلم أنه إنسان مستكبر نهايته أن يكون من أهل النار، فقالت: (اللهم اجعل ابني مثل هذا، فقال الغلام: اللهم لا تجعلني مثله! قال: فأقبل على ثديها فجعل يرضع، ثم مروا بجارية يضربونها ويقولون: زنيت .. سرقت، وهي تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فقالت أمه: اللهم لا تجعل ابني مثل هذه) الدعوة هنا معناها: يا رب لا تجعله يتعذب مثل هذه، أو بائساً مثلها، وإذا المعجزة الثانية يقول: إنه ترك ثديها وقال: (اللهم اجعلني مثلها).

    فتراجعا الحديث فقال الولد لأمه: إن ذلك الرجل الذي مر كان جباراً، آخرته إلى النار، وأنا لا أريد أن أكون من أهل النار، فقلت: اللهم لا تجعلني مثله، أي: لا أريد أن أكون جباراً مثله، وإن هذه يقولون لها: زنيت ولم تزن، وسرقت ولم تسرق، فقلت: اللهم اجعلني مثلها؛ لأنها تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، فهي على التوحيد، وهي مظلومة، وآخرتها إلى الجنة، فأنا أريد أن أكون من أهل الجنة مثل هذه المرأة.

    الغرض: أنه كم من إنسان ينظر إليه الناس على أنه ضعيف بائس سيئ ثم يكون أفضل منهم.

    1.   

    ليس كل ضعيف من أهل الجنة

    هل يا ترى كل إنسان ضعيف ستكون له هذه المرتبة العالية، أم أنه يشترط أن يكون إنساناً تقياً، يأتي بالفرائض، ويجتنب ما حرم الله سبحانه؟

    لا بد أن يكون على هذا، ولذلك جاء في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال).

    ثلاثة من أهل الجنة: إنسان ذو سلطان، ولكنه على عدالة، مقسط يعطي الحقوق، ويأمر بما أمر الله عز وجل به، وينهى عما نهى الله عز وجل عنه، ولا يفرق بين الناس.

    والثاني: (ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم).

    والثالث: (عفيف متعفف ذو عيال)، أي فقير ولكنه عفيف، عنده عيال ومحتاج ولكنه لا يسأل الناس شيئاً، فهذا من أهل الجنة.

    أما أهل النار فهم خمسة، قال: (الضعيف الذي لا زبر له، الذين هم فيكم تبعاً لا يبتغون أهلاً ولا مالاً)، أي: إنسان ضعيف، ولكنه إمعة منافق يسير وراء أصحاب الرياسة ليأخذ منهم، فهو ضعيف لكن ليس عنده عقل يأمره بالصحيح، ولا يحاول أن يفكر مثل الناس، لو أساء الناس قلدهم، أو كانوا مجرمين فهو مثلهم، أو طيبين قلدهم، فهو يقلد الناس فحسب ليعطوا له حسنة، هذا الإنسان من أهل النار مع أنه ضعيف، سبحان الله! بؤس في الدنيا وبؤس في الآخرة، فهو من شر الخلق، لا الدنيا انتفع فيها بشيء، وحتى يوم القيامة يضيع هذا الضعيف الذي لا عقل له، (الذين هم فيكم تبعاً لا يبتغون أهلاً ولا مالاً) يعني: يعيش في الدنيا لا يريد أي شيء، عاش نكرة ومات نكرة، ويوم القيامة يحشر مع هؤلاء الذي كان يتبعهم في الدنيا.

    الثاني: (والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه).

    (يخفى) بمعنى: يظهر، يعني: أي مطمع يظهر له يأخذه من حلال أو من حرام، فهذا من أهل النار، أي: الذي لا يبالي هل يأكل من حلال أو حرام، يأخذ الشيء من حله أو من حرمته، ولا يهمه.

    الثالث: (ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك).

    الذي يقدر عليه يأخذه منك ويضحك عليك به سواء من أهلك أو من مالك.

    الرابع: (البخل والكذب) أي: الإنسان البخيل أو الكذاب.

    الخامس: (الشنظير الفحاش) يعني: بذيء اللسان.

    وهؤلاء كلهم من أهل النار، إذاً ليس أي ضعيف من أهل الجنة، بل الإنسان المؤمن الذي خلقه الله ضعيفاً، يأخذ بالأسباب ولكن لا حيلة له، فهذا ضعفه الله في الدنيا ولكن قواه يوم القيامة، أفقره في الدنيا وأغناه يوم القيامة، جعله في الدنيا لا يؤبه له وجعل الناس ينظرون إلى منزلته يوم القيامة.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أوليائه وعباده الصالحين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.