إسلام ويب

شرح رياض الصالحين - فضل ضعفة المسلمين [1]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فضل الله عظيم وجنته واسعة، وقد كتب عنده أن رحمته سبقت غضبه، فهو يغفر للمؤمن ويضاعف له الحسنات ويمحو عنه السيئات بفضله وكرمه، وكلما استضعف المرء أمام ربه ازداد عنده رفعة.

    1.   

    أمر الله لنبيه بالصبر مع ضعفة المسلمين

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله: [ باب فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين:

    قال الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ [الكهف:28].

    وعن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره. ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر) متفق عليه.

    وعن أبي العباس سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: (مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض مثل هذا) متفق عليه.

    باب آخر من كتاب رياض الصالحين يذكر فيه الإمام النووي رحمه الله فضل ضعفة المسلمين والفقراء والخاملين.

    خلق الله عز وجل الإنسان على هيئة معينة وجعل له عقلاً، وقدر له رزقه وأجله، وعمله، ويا ترى في النهاية شقي أو سعيد؟ الله أعلم بذلك.

    الناس في الدنيا يحب أن يرى أحدهم نفسه قوياً غنياً صاحب منصب، فإذا كان على هذه الهيئة لعله ينسى غيره من الضعفاء والفقراء والخاملين، لكن ربنا سبحانه وتعالى أعلم بما في نفوس الخلق، وقد يكون هذا الإنسان الضعيف الذي يحتقره إنسان آخر أفضل عند الله عز وجل منه، وقد قال تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13]، وقال: لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ [الحجرات:11].

    إذاً: الإنسان لا ينظر لغيره بعين الاحتقار، فلعل هذا الذي تحتقره أفضل منك عند الله عز وجل.

    يقول: (فضل ضعفة المسلمين):

    المسلم الضعيف له فضل عظيم، يكفي أنه صابر على ضعفه ومرضه، وما هو فيه من أمر قدره الله عز وجل عليه، أنت أعطاك الله عز وجل القوة وهو أعطاه الضعف، وقد ينعكس الحال، فقدر نفسك مكانه، ويا ترى هل تحب أن تعاملك الناس بمثل معاملتك له؟ كل إنسان مسلم له حقه، فلا تحتقر أحداً من الناس، فإنك لا تدري ما في قلب هذا الإنسان.

    الضعفاء والفقراء من المسلمين لهم فضيلة عند الله عز وجل، وغير مطلوب من الإنسان أن يعيش فقيراً ويترك المال الذي عنده، فالغنى والفقر أقدار من الله عز وجل يقدرها على من يشاء.

    كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه من أغنياء الصحابة، وما كان يتمنى منزلة الفقراء، وكان ينفق ماله لله عز وجل، فيعوض الله أكثر منه، فعلى ذلك من جعله الله غنياً يحمد ربه ويشكره على ما هو فيه من نعمة وفضل، وله أجر.

    والفقير إذا خلقه الله عز وجل فقيراً فليصبر على ما هو فيه، وله أجر.

    والغرض ألا نحتقر أحداً لفقره، أو لضعفه، أو لخموله.

    ومعنى الخمول: عدم الشهرة، إذ ليس معنى شهرة الإنسان أنه الأفضل، فالله يعلم ما في النفوس، ولعل هذا في قلبه من الإيمان ما يجعله أعلى في الدرجات عند الله عز وجل، والإنسان المشهور لعل في قلبه من الرياء ما يجعله من أهل النار، لذلك على المسلم ألا يحتقر أحداً من المسلمين، ولا يفتخر على أحد أبداً.

    عتاب الله لنبيه عندما أعرض عن ابن أم مكتوم

    يذكر المصنف قول الله سبحانه وتعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:28].

    هنا الخطاب للنبي صلوات الله وسلامه عليه، يربيه ربه بالقرآن، فيؤدبه ويهذبه صلوات الله وسلامه عليه، فينفذ ما يقول له ربه عليه الصلاة والسلام، ولعله يكاد يفعل شيئاً ثم ينزل القرآن لينبهه فيرجع عنه، ولعله يفعل ويرى أن المصلحة في هذا الشيء ثم ينزل القرآن ويلومه ويعاتبه صلوات الله وسلامه عليه، لماذا فعلت هذا الشيء؟

    لعلنا نذكر قصة الأعمى عبد الله بن أم مكتوم الذي جاء يتعلم من النبي صلى الله عليه وسلم في وقت كان النبي صلى الله عليه وسلم فيه مشغولاً بدعوة أناس من كبار الكفار ليدخلوا في دين الله عز وجل، فألح على النبي صلى الله عليه وسلم في شيء ليعلمه إياه، فكأنه غضب صلى الله عليه وسلم منه، وأن هذا ليس وقته، فهؤلاء لو دخلوا في الإسلام سيكون في الإسلام عزة، فعبس النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه، فنزل القرآن يلومه صلى الله عليه وسلم، لماذا تعبس؟

    لماذا تقطب جبينك لهذا الإنسان؟ لاحظ أنه عبس لإنسان أعمى لا مبصر، فالمبصر سيراه أنه عبس، ولكن هذا كان أعمى ومع ذلك فإن القرآن يلومه على ذلك، ويقول له: عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى [عبس:1-4].

    فهنا يعاتب النبي صلى الله عليه وسلم في شيء لو عمله غيره لما عوتب عليه، ولكن ربنا قال له: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، وصاحب الخلق العظيم لابد أن يتربى ويتأدب على أعلى وأعظم ما يكون، فالذي لغيره مباح هو في حقه صلى الله عليه وسلم ممنوع؛ لأنه رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فربه يؤدبه بأعلى ما يكون من مكارم الأخلاق صلوات الله وسلامه عليه.

    فضل صهيب وخباب وأمثالهما على الكبراء

    في قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ [الأنعام:52] إلى قوله: فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام:52].

    جاء أن الأقرع بن حابس التميمي وعيينة بن حصن الفزاري أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجداه مع صهيب وبلال وعمار وخباب في ناس من ضعفاء المؤمنين.

    وانظروا لجلسة النبي صلى الله عليه وسلم مع هؤلاء الفقراء من المسلمين السابقين، والأقرع بن حابس سيد بني تميم، وعيينة بن حصن سيد بني فزارة قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم وكل واحد منهم يريد أن يجلس تحت قبة أو في مجلس تتكلم العرب بمثله.

    انظروا إلى الفرق بين ضعفاء المسلمين الأفاضل الذي كرمهم الله عز وجل وشرفهم بحسن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، وبالسبق في دين الله عز وجل وهم يتعلمون منه صلى الله عليه وسلم، فهذا صهيب الذي هاجر فقيراً من مكة إلى المدينة، كان له مال كثير فأخذه المشركون فتركه لهم وهاجر للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: (ربح البيع أبا يحيى ) فهذا يجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم.

    وبلال الذي كان عبداً فأعتقه أبو بكر رضي الله عنه وقد عذب عذاباً شديداً ومع ذلك هو الآن مع النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    و عمار الذي أوذي هو وأمه وأبوه رضي الله تبارك وتعالى عنهم، وقتلت أمه فكانت أول شهيدة في الإسلام.

    وخباب كان ممن عذب عذاباً شديداً.

    هؤلاء كانوا جالسين مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع ناس من ضعفاء المؤمنين، فجاء هذان الرجلان وكل منهما سيد في قومه، فكأنه لم يعجبهما أن يجلسا بين هؤلاء، فلما رأوهم حول النبي صلى الله عليه وسلم حقروهم، وقالوا له صلى الله عليه وسلم: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلساً تعرف لنا به العرب فضلنا.

    يعني: نريد أن نجلس معك جلسة بحيث يعرف الكل فضلنا، فنحن جئنا لنسلم، ونريد أن تشرفنا بمجلس منك، وينتشر خبر هذا المجلس بين الناس، وتكتب لنا كتاباً بهذا الذي تقوله؛ فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد.

    انظروا إلى الاستكبار: (هؤلاء الأعبد) جمع عبد، وهم عبيد لله تبارك وتعالى، فهم أفضل من هذين.

    لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان الأقرع بن حابس وأشباهه ممن ارتدوا ثم رجعوا إلى الإسلام بعد ذلك، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يتألف أمثال هؤلاء، لكن الصحابة الأفاضل هم الذين قاوموا أمثال هؤلاء ليثبتوا على الإسلام.

    أمر الله لنبيه بإدناء الضعفاء والصبر معهم

    المقصود أنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وقالوا له: وفدنا عليك فاجلس معنا في مجلس يعرف لنا العرب به فضلنا وشرفنا، وإذا قمنا فاقعد معهم إن شئت.

    فكأن مصلحة التأليف والدعوة التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحين هو أن يعمل لهم مجلساً لعلهم يسلمون ويصلح حالهم. هذه وجهة نظره.

    فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، وطلبوا منه أن يكتب لهم كتاباً بهذا الشيء، ليكون ملزماً بما قاله، فكاد أن يكتب كتاباً صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم على ذلك، فإذا بجبريل ينزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه، يقول راوي الحديث خباب : ونحن جلوس في ناحية المسجد، يعني: لا نعلم ما الذي يقال، فنزل جبرائيل عليه السلام بالآية: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام:52].

    فالله سبحانه وتعالى يأخذ بحق هؤلاء الضعفاء الذين احتقرهم هؤلاء، ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم: احذر، فلا تطرد هؤلاء فتكون من الظالمين.

    ثم ذكر له الأقرع وعيينة بن حصن فقال: وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [الأنعام:53]، ولعل ذلك كان وهم في مكة قبل الهجرة إلى المدينة؛ لأن هذه من سورة الأنعام، وسورة الأنعام مكية وليست مدنية.

    ثم قال تعالى يذكر خباباً وأمثاله: وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام:54]، قال خباب: فدنونا منه صلوات الله وسلامه عليه، يعني: أظهر الله لنا الفضل. قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته صلوات الله وسلامه عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله عز وجل في القرآن: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28]، يعني: ولا تجالس الأشراف تريد زينة الحياة الدنيا.

    قال سبحانه: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا [الكهف:28].

    ثم ذكر الله تبارك وتعالى أن من صفات هؤلاء أنهم يتبعون أهواءهم: وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28] أي: كان أمره هلاكاً، لو ظل على مثل هذا الشيء ثم ضرب لهم مثل رجلين ومثل الحياة الدنيا.

    قال خباب : فكنا نقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغنا الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم صلوات الله وسلامه عليه، وهذا تأدباً منه صلى الله عليه وسلم وطاعة لأمر، الله عز وجل.

    فكان يجلس لهم، ولكن الجلوس إلى الناس حتى ينفضوا بأنفسهم صعب، لكن هؤلاء الصحابة ليسوا مثل غيرهم، فقد فطنوا وفهموا أن الله أعطانا هذا كله لا لنؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، بل نحن نقوم في الوقت الذي يحب أن يقوم فيه، فالصحابة تأدبوا بأدب النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا يشفقون على النبي صلى الله عليه وسلم الذي علمهم ورباهم، وعلم ما في قلوبهم من إيمان؛ لذلك فضلهم الله وشرفهم وأنزل فيهم من القرآن ما يمدحهم به في آيات كثيرة.

    1.   

    شرح حديث: (أهل الجنة كل ضعيف متضعف)

    عن حارثة بن وهب رضي الله عنه: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره).

    ضعيف في نفسه، وضعيف عند الناس، يعني: لا يرى نفسه من أهل الأبهة ولا الدنيا ولا الرئاسة، ويرى نفسه لا يستحق مثل هذه الأشياء، فهو في نفسه مستضعف والناس ينظرون إليه أيضاً هذه النظرة، فهو قد تواضع وبلغ من تواضعه أن احتقره الناس، ونظروا إليه على أنه لا شيء.

    فهو لتواضعه كان كبيراً عند الله سبحانه، وكان له منزلة عند الله، لدرجة أنه لو قال لله عز وجل: يا رب أقسمت عليك أن تفعل كذا. يفعل الله تبارك وتعالى، تخيل أنه يصل إلى هذه الدرجة وأنه يقسم على الله تبارك وتعالى، فيفعل الله عز وجل ما يريد هذا الإنسان الضعيف؛ لمنزلته العظيمة عند الله سبحانه.

    قال: (ألا أخبركم بأهل النار؟ كل عتل جواظ مستكبر).

    هؤلاء أهل النار: (كل عتل) والعتل: هو الغليظ الجافي الذي لا يألف ولا يؤلف، فلا يحب الناس ولا يحبونه، وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره)، شر وأوحش الناس من يخاف من شره، لا يجلس جلسة إلا خربها، ولا يتكلم إلا خاف الناس من شره.

    والجواظ: هو الجموع المنوع، عنده مال لكنه جامع مانع، عنده عشيرة يمنعونه فهو مستكبر بذلك.

    وقيل فيه أيضاً: الضخم المختال في مشيته، الجامع للمال وله عشيرة، وكأنه مستكبر بهذا كله لقوته ولماله ولعشيرته.

    1.   

    شرح حديث: (هذا خير من ملك الأرض من مثل هذا)

    وفي إحدى الروايات يقول سهل بن سعد : مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لرجل عنده: ما رأيك في هذا؟

    وكان مع النبي مجموعة من الناس من ضمنهم أبو ذر رضي الله تبارك وتعالى عنه، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الرجل، وهنا قال: (فقال لرجل عنده).

    فقال: رجل من الأشراف أو من أشراف الناس، وفي رواية أخرى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (انظر إلى أرفع رجل في المسجد في عينيك)، وكأنه يقول له: من أحسن رجل في عينيك تنظره في المسجد؟

    وفي روايات أخرى: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم أموالاً بين الناس، فيقول له: انظر أرفع الناس في عينيك؟ فنظر فرأى عيينة بن حصن أو الأقرع بن حابس ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ما رأيك في هذا؟) فكان جواب أبي ذر رضي الله عنه: (رجل من أشراف الناس: هذا والله حري إن خطب أن ينكح)، لأنه كبير جداً في قومه، فهو من ملوك العرب، أو من كبراء العرب، ورئيس قبيلة من أعظم قبائل العرب فضروري إن أراد أن يتزوج أن يجد من يتمناه لابنته.

    ثم قال أبو ذر : (وإن شفع أن يشفع)، يعني: عندما يشفع عند فلان من الناس تقبل شفاعته لمنزلته في قومه.

    قال: (فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم)، وفي رواية أنه قال: (وإذا قال أن يستمع)، فذكر فيه ثلاثة أشياء: أنه ذو شرف، وكبير في قومه، ولو استشفع عند أحد قبلوا منه شفاعته، ولو ذهب يخطب من الناس سيقبل ويزوجونه، وعندما يتكلم يسكت الناس ليسمعوه لأنه كبير في قومه.

    ثم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما رأيك في هذا؟) لرجل آخر، وذكروا أن اسم هذا الرجل جعيل وكان من فقراء المسلمين رضي الله عنه.

    (قال: ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين)، أي: أن هذا لا شيء في جانب من سبقه، فهذا رجل فقير.

    (هذا حري إن خطب ألا ينكح وإن شفع ألا يشفع)، إن طلب الزواج لا يزوج، وإن شفع لا تقبل شفاعته.

    (وإن قال ألا يسمع لقوله)، عندما يتكلم لا يسمع.

    فكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا خير من ملء الأرض من هذا).

    وعندما وزع صلى الله عليه وسلم المال على هؤلاء لم يعط هذا الفقير شيئاً، وأعطى لهؤلاء الكبار أموالاً كثيرة، فإذا بـأبي ذر يتعجب من ذلك، ويسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (أفلا يعطى هذا كما يعطى الآخر؟) يعني: إن كان مثلما تقول وأنه أفضل من ملء الأرض من هذا فلم لا تعطيه مثل هذا؟

    فقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أعطي خيراً فهو أهله، وإذا صرف عنه فقد أعطي حسنة)، يعني: له الحسنة عند الله تعالى بذلك.

    وفي رواية أخرى: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لهم: (جعيل خير من ملء الأرض مثل هذا. قال: فقلت: يا رسول الله! ففلان هكذا وتصنع به ما تصنع) يعني: الفقير الذي هو خير من ملء الأرض من هذا الغني لم تعطه وأعطيت للأغنياء الكثير؟

    فقال: (إنه رأس قومه) يعني: عيينة بن حصن أو الأقرع بن حابس أتألفهم على الإسلام، والله قال في توزيع الزكوات: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ [التوبة:60]، وهؤلاء من المؤلفة قلوبهم، فكان يتألفهم ليثبتوا على الإسلام، وقومهم سيكونون على الإسلام، فإذا مات هؤلاء بقي القوم على الإسلام، فكانت المصلحة في تألف هؤلاء، فأعطاهم النبي صلوات الله وسلامه عليه الدنيا، ولكن الآخرة لهؤلاء الفقراء، وإن كان هؤلاء أسلموا ثم ارتدوا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكفر، ثم رجعوا إلى الإسلام بعد ذلك.

    الغرض: أن الإنسان لا يقيم الناس على الغنى والفقر، فإن كان فقيراً فلا قيمة له، وإن كان غنياً وله المركز والعشيرة فهو أفضل من غيره، فهذه ليست النظرة التي ينظر بها الله عز وجل لعباده، وإنما يفضل أهل الفضل بتقواهم وبسبقهم إلى دين الله عز وجل، وبدفاعهم عن دينهم وبصبرهم وثباتهم على دينهم، فلذلك كان جعيل وأمثاله خيراً من ملء الأرض من ذاك وأمثاله، وفي رواية: (من طلاع الأرض من مثل هؤلاء).

    نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.