إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. أحمد حطيبة
  4. شرح رياض الصالحين
  5. شرح رياض الصالحين - باب الإصلاح بين الناس

شرح رياض الصالحين - باب الإصلاح بين الناسللشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حث الإسلام على إصلاح ذات البين، لأنه من أفضل الأعمال الصالحة، ولفضل هذا العمل جعله النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من نوافل العبادات؛ لما فيه من تقوية المحبة ونشر الألفة بين الناس، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم توضح ذلك.

    1.   

    ما جاء في الإصلاح بين الناس

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الإمام النووي رحمه الله:

    [ باب الإصلاح بين الناس:

    قال الله تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114].

    وقال تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ [النساء:128].

    وقال: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال:1].

    وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:10].

    وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس: تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة) متفق عليه ].

    1.   

    ما جاء في فضل الإصلاح بين الناس في القرآن

    باب آخر من كتاب رياض الصالحين، وهو الباب الحادي والثلاثون من هذا الكتاب القيم العظيم، وفيه ذكر الإمام النووي رحمه الله الإصلاح بين الناس.

    والإنسان المؤمن مطلوب منه أن يصلح بين الناس قدر استطاعته، وربنا سبحانه ذكر الصلح والإصلاح في الكتاب، فذكر لنا الإمام النووي الآيات التي تفيد هذا المعنى وذكر لنا أحاديث تتعلق به أيضاً.

    منها: قوله سبحانه وتعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114].

    والنجوى: حديث السر. إنسان يتناجى مع صاحبه، يعني: يكلمه سراً.

    فأكثر كلام السر بين الناس فيه الشر والبعد عن الخير، وفيه الغيبة، وفيه النميمة، وفيه الكذب، ولكن بعض هذا الكلام يكون فيه الخير؛ ولذلك استثناه ربنا تبارك وتعالى، قال تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ [النساء:114] أي: نجوى الناس فيما بينهم لا خير فيها إلا في حالات: مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114] بشرط: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114].

    والإنسان حين يناجي صاحبه يهمس في أذنه ويكلمه في السر، وأحاديث السر غالباً ما يكون من ورائها الأذى، خاصة إذا كان اثنان يتكلمان والثالث معهما فإذا بالثالث يحزن، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك قال: (لا يتناج اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه)، فإذا كانوا ثلاثة فلا يحل لأحدهم أن يقول للآخر: تعال أكلمك، حتى لا يظن الثالث أنهما يتكلمان عليه.

    علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الحكمة من وراء منع تناجي الاثنين في حضرة الثالث أن ذلك يحزن هذا الإنسان، وقد يدفعه لأن يسيء الظن فيك وفي صاحبك، فلذلك لا تفعل ولا تحاول أن تتكلم في السر إلا في حالات محددة، كما قال الله عز وجل: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114]:

    الحالة الأولى: (أمر بصدقة) يعني: إنسان وجد إنساناً فقيراً محتاجاً ونزلت به كارثة فأراد أن يساعده، فيقول لصاحبه سراً: تعال نساعد فلاناً بكذا، فهذا خير التناجي.

    الحالة الثانية: (أو أمر بمعروف) يعني: يسر له أنه أخطأ في الشرع مثلاً فينصحه من غير فضيحة ومن غير كلام كثير ومن غير إزعاج له أو لغيره، ولكن يكلمه بصورة النصيحة الطيبة التي تدفعه لأن يعمل خيراً ويتجنب الشر، فيكون هنا قد أمر بمعروف في التناجي على وجه السر حتى لا يؤذيه ولا يفضحه.

    الحالة الثالثة: (أو إصلاح بين الناس) اثنان بينهما شر وكلٌ منهما يعرض عن صاحبه، فيجوز لك أن تقول لأحدهما: إن أخاك يحبك في الله، اتق الله وسلم على أخيك، ويكلم الآخر في السر يقول: إن أخاك يحبك، سلم عليه، خيركم الذي يبدأ بالسلام، فهذا يصلح بين الناس بهذا الكلام الطيب، ويجعل الاثنين يقبل بعضهم على بعض.

    أما غير ذلك فلا خير في النجوى، والتناجي -أي: كلام السر- مزعج ومؤذ، والذي يتعود على هذا الشيء يعتاد على إيذاء الغير.

    قال تعالى: لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [النساء:114] والقيد قوله تعالى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ [النساء:114] أي: يأمر بالمعروف، ويأمر بالصدقة، ويصلح بين الناس ابتغاء وجه الله سبحانه، فهذا له الفوز العظيم والأجر الكبير من الله عز وجل، قال تعالى: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114].

    أيضاً قال الله سبحانه وتعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ [الأنفال:1] يعني: الشيء الموجود فيما بينكم، تقول: خذ ذا إنائك، يعني: ما هو داخل إنائك وهو الشراب.

    وذات البين، يعني: الشيء الذي هو داخل بينك وبين صاحبك، والمعنى: الخصومة التي بينكم، والشيء المنكر الذي بينكم، أصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

    وقال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10].

    وأخوة الإيمان أعظم بكثير من أخوة النسب، فإن اجتمعا كان هذا خيراً عظيماً، فالأخ يحب أخاه ويحب له الخير، وينفعه حياً وميتاً، ينفعه في الحياة بالمعونة وبالنصيحة، وينفعه بعد الموت بالدعاء، ويوم القيامة بالشفاعة إذا كان هذا في الجنة وذاك في النار، فيشفع له فيخرجه ويأخذ بيده من النار ويدخله الجنة.

    فهنا نفع عظيم جداً في الأخوة بين المؤمنين إذا تآخوا ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى، فلذلك يذكرنا ربنا بذلك: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ [الحجرات:10] أي: ليسوا أعداء، ليسوا متباعدين.

    1.   

    شرح حديث: (كل سلامى من الناس عليه صدقة)

    أما الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم فكثيرة، منها: الحديث الذي يذكره الإمام النووي يقول:

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى) أي: مفصل، أو العظام التي بين المفصلين، وكأنه عظم في آخره مفصل.

    وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان فيه ثلاثمائة وستون مفصلاً، فأنت تتصدق بصدقة عن كل مفصل، يعني: كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة تخرجها لله سبحانه وتعالى شاكراً له، حامداً على ما أخذت من النعم، وتعرف النعم حين ترى المريض، أو ترى رجلاً يده مشلولة، لا يعرف كيف يحركها، أو لا يستطيع أن يرفع اللقمة إلى فيه، وبذلك تعرف نعمة الله عز وجل عليك، وأن كل عضو من الأعضاء وكل عظمة من العظام وكل مفصل من المفاصل فيه خير لك وفيه من الله عز وجل فضل ونعمة عليك، فيفترض عليك أن تشكر الله على كل مفصل.

    لكن يصعب على الإنسان أن يتصدق عن كل مفصل على حدة، ولذلك علمنا النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أسهل من ذلك، وهو أنك تعرف هذه النعمة ثم تؤدي الحق مجملاً، قال صلى الله عليه وسلم: (تعدل بين اثنين صدقة) يعني: حين تصلح بين الاثنين بالعدل فهذا من الصدقة، وهذا هو الشاهد من هذا الحديث أنك تصلح بين إخوانك.

    وعلمنا أشياء كثيرة في ذلك، قال: (تعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة) حين تعين الإنسان في حمل متاعه على دابته، لك في ذلك أجر ولك في ذلك صدقة.

    (والكلمة الطيبة صدقة)، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن منكر صدقة، وتدل الرجل على طريقه وتهديه صدقة، وتعين الأعمى وتدله على الطريق صدقة، وتعين الأخرق الذي لا يقدر على صنع الشيء الذي في يده صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وعندما تقول: سبحان الله، الحمد لله، أو تصلي على النبي صلوات الله وسلامه عليه صدقة.

    وإذا كان يصعب هذا كله فإن ركعتين من الضحى تجزئ عن ذلك كله، فكن دائماً موصولاً بربك سبحانه، بذكرك، وبأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر.

    الشاهد من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن العدل بين الاثنين، أي: تصلح بين اثنين على وجه العدل صدقة.

    1.   

    شرح حديث: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس..)

    أما الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم فكثيرة، منها: الحديث الذي يذكره الإمام النووي يقول:

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى) أي: مفصل، أو العظام التي بين المفصلين، وكأنه عظم في آخره مفصل.

    وجاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان فيه ثلاثمائة وستون مفصلاً، فأنت تتصدق بصدقة عن كل مفصل، يعني: كل يوم ثلاثمائة وستون صدقة تخرجها لله سبحانه وتعالى شاكراً له، حامداً على ما أخذت من النعم، وتعرف النعم حين ترى المريض، أو ترى رجلاً يده مشلولة، لا يعرف كيف يحركها، أو لا يستطيع أن يرفع اللقمة إلى فيه، وبذلك تعرف نعمة الله عز وجل عليك، وأن كل عضو من الأعضاء وكل عظمة من العظام وكل مفصل من المفاصل فيه خير لك وفيه من الله عز وجل فضل ونعمة عليك، فيفترض عليك أن تشكر الله على كل مفصل.

    لكن يصعب على الإنسان أن يتصدق عن كل مفصل على حدة، ولذلك علمنا النبي صلى الله عليه وسلم ما هو أسهل من ذلك، وهو أنك تعرف هذه النعمة ثم تؤدي الحق مجملاً، قال صلى الله عليه وسلم: (تعدل بين اثنين صدقة) يعني: حين تصلح بين الاثنين بالعدل فهذا من الصدقة، وهذا هو الشاهد من هذا الحديث أنك تصلح بين إخوانك.

    وعلمنا أشياء كثيرة في ذلك، قال: (تعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة) حين تعين الإنسان في حمل متاعه على دابته، لك في ذلك أجر ولك في ذلك صدقة.

    (والكلمة الطيبة صدقة)، وتبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن منكر صدقة، وتدل الرجل على طريقه وتهديه صدقة، وتعين الأعمى وتدله على الطريق صدقة، وتعين الأخرق الذي لا يقدر على صنع الشيء الذي في يده صدقة، وكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وعندما تقول: سبحان الله، الحمد لله، أو تصلي على النبي صلوات الله وسلامه عليه صدقة.

    وإذا كان يصعب هذا كله فإن ركعتين من الضحى تجزئ عن ذلك كله، فكن دائماً موصولاً بربك سبحانه، بذكرك، وبأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر.

    الشاهد من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن العدل بين الاثنين، أي: تصلح بين اثنين على وجه العدل صدقة.

    جواز الكذب لدفع الشر

    ومن الأحاديث التي جاءت حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيراً أو يقول خيراً).

    هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم حديث عظيم، يعلمنا أنك قد تسمع كلمة شر من إنسان في إنسان آخر فيأتي من ينقل إليه ذلك فإذا به يأتي ويسألك، فهنا يمكنك أن تجيبه بالتعريض في الكلام، فإن استطعت ذلك كان خيراً، وإن لم تستطع أن تعرض فقل: لم أسمعه أو لم أكن موجوداً، فعندها لا يكون هذا كذباً؛ لأنك إنما تصلح بين الناس، ولأنك تخبئ الشر وتظهر الخير، فتقول: هذا إنسان فيه خير، هذا فلان يحبك يا أخي، هذا يتكلم عنك كلاماً طيباً.

    فعلمك النبي صلى الله عليه وسلم أن تقول الخير، وتنمي الخير، إذا سمعت كلمة فيها خير تبلغها، أو سمعت كلمة فيها شر تسترها، وبينك وبين الإنسان مُرْ بالمعروف وانه عن المنكر بقدر استطاعتك.

    وذكر لنا ثلاث أحوال يجوز فيها للإنسان أن يعرض في الكلام، فإذا ضاق بك الأمر، أو أردت أن تصلح بين الناس، فلك في هذه الحالة أن تعرض في الكلام.

    سأل مسيلمة رجلاً: تؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. قال: تشهد أني رسول الله؟ قال: لا. فقتله.

    وجاء بالثاني ثم قال له: تشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. قال: تشهد أني رسول الله؟ قال: لا أسمع. فهو حاول أنه يعرض قدر المستطاع وقال هذه الكلمة: لا أسمع، وكأنه يقصد: لا أسمع مثل هذا الكلام، يعني: لا يدخل عقلي مثل هذا الكلام، ولا يدخل قلبي مثل هذا الكلام، ولكن قال هذه الكلمة.

    وروي عن سويد بن حنظلة قال: (خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر ، فأخذه عدو له، فتحرج قوم أن يحلفوا، وحلفت أنه أخي، فخلي عنه).

    فهو صحابي أقسم بالله أنه أخوه، ولم يكن أخاه من النسب، ولكن هذا عدو أخذه فأراد قتله، فلذلك قال هذا الصحابي: هو أخي، وأقسم بالله على ذلك.

    فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم أخبره وقال: إني حلفت بالله إنه أخي، فطمأنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (أنت أبرهم وأصدقهم؛ المسلم أخو المسلم) أي: إنما المؤمنون إخوة، ففعلاً هو أخوك، وأنت حلفت على صدق، وليس على كذب ولا غيره، أنت صادق في كلامك، والمؤمنون إخوة.

    فالصحابي هذا يا ترى وهو يحلف كان يريد التعريض أم لا؟ لو كان يريد أن يعرض لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ولا تحرج أصلاً، ولكن كان قد حضر في هذا الشيء فأقسم بالله إنه أخوه؛ من أجل أن ينجيه من العدو الذي سيقتله، فالنبي صلى الله عليه وسلم اعتبره أبرهم.

    الحالات التي يجوز فيها الكذب

    وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث أنه في ثلاثة أحوال يجوز للإنسان أن يعرض أو يكذب في الكلام وأخبر أن هذا ليس من الكذب:

    الصورة الأولى: في الحرب:

    فلو أن الكفار جاءوا يسألون عن مسلمين موجودين في هذا المكان من أجل قتلهم، فأنت تقول لهم: لا، بل تقسم أنه لا يوجد أحد من المسلمين، فهذا الكذب خير من أن يخبر الكفار عن مكان المسلمين فيقتلوهم، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه في حال القتال والحرب يرخص له مثل هذا التعريض أو الكذب.

    والصورة الثانية: في الإصلاح بين الناس:

    والصورة الثالثة: في كلام الرجل مع امرأته:

    يعني: المرأة تحب من زوجها أن يمدحها ويلاطفها، فإذا قال لها: أنت أجمل النساء، وهي ليست كذلك، فهذا جائز له.

    فهي لا تقول له: لا، أنت تكذب علي، وليس من اللائق أن يقول هو: أنا أكذب عليك فأنت لست أجمل النساء، فالكلمة الطيبة مع الزوجة مطلوبة.

    لكن حين يسأل الرجل زوجته عما فعلت في الماضي، ويسألها أسئلة سخيفة عما ارتكبته من آثام في الماضي، فإنه لا يجوز لها شرعاً أن تصدق معه، ولا يلزمها ذلك أصلاً، تقول له: والله مشيت مع فلان، أو عملت كذا، عملت كذا؛ لأنه من تاب تاب الله عز وجل عليه، ولا يحل أن تصنع مثل هذا مع زوجتك.

    فهنا الغرض: المرأة في كلامها مع زوجها، والزوج في كلامه مع زوجته، لا ينبغي أن يكون فيه شيء من الكلام عن الماضي؛ لأن الماضي انتهى، وأنت الآن متزوج فلا دخل لك في ما كان قبل ذلك، والحياة بين الرجل والمرأة فيها الألفة والعشرة بالمعروف وإن كان الأمر فيه شيء من التعريض، حتى تمشي الحياة الزوجية من غير أن يكون فيها مشاكل أو يكون بينهما نوع من الخصومات.

    1.   

    شرح حديث: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ...)

    ومن الأحاديث العظيمة الجميلة التي جاءت في هذا المعنى حديث رواه الإمام أبو داود من حديث أبي الدرداء قال:

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ فقالوا: بلى يا رسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إصلاح ذات البين) يعني: تصلحون ما بينكم من خصومات.

    وفي رواية قال: (وفساد ذات البين الحالقة).

    وفي رواية الترمذي لهذا الحديث قال: (فإن فساد ذات البين هي الحالقة).

    فإصلاح ذات البين درجة أعظم من درجة الصلاة ودرجة الصيام ودرجة الصدقة، كأنه يقصد النافلة، فأفضل من أن تصلي نافلة تصلح بين الناس، وأفضل من أن تصوم نافلة تصلح بين الناس، فهو لا يقصد الفريضة، فالصلاة عظيمة جداً، ولكن صلاة النافلة عبادة قاصرة، فإذا خيرت بين أن تصلي النافلة أو تصلح بين الناس، فإن الحديث يخبرك أنك إذا أصلحت بين فلان وفلان فهو أعظم من صلاة النافلة التي تصليها.

    إن إصلاح ذات البين ترفع درجاتك، فأنت عندما تصلح بين اثنين كأنك وجهت الاثنين إلى أن يصليا بخشوع، ويصوما بإخلاص، وأخذت منهم شواغل الشيطان.

    هنا الحديث أطلق وقال: (الصلاة)، وما قال نافلة ولا فريضة؟ نقول: قد يكون إصلاح ذات البين أفضل من صلاة الفريضة، لو فرضنا أن إنساناً أراد أن يصلي الظهر، ورأى اثنين خارج المسجد، كل منهما يحمل سكيناً على صاحبه ليقتله، فهنا لا يصلي بل يخلصهما مع قدرته على ذلك بدلاً من أن يسقط واحد منهما قتيلاً، حتى لو خرج وقت الصلاة وأنت تمنع جريمة قتل تقع بين هؤلاء فتصلح يكون خيراً لك، والصلاة تدرك، أما الموت فلا يدرك، فلذلك قد يكون في حالة من الأحوال أفضل من صلاة الفريضة، وصلاة الفريضة قد تجمع مع غيرها في السفر، وقد تجمع مع غيرها في علة المطر، وقد تجمع مع غيرها في علة من العلل.

    1.   

    الصلح في المسامحة ببعض الدين

    من الأحاديث التي ذكرها لنا الإمام النووي : عن عائشة رضي الله عنها قالت: (سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت خصوم بالباب عالية أصواتهما وإذا أحدهما يستوضع الآخر ويسترفقه في شيء).

    الحديث ذكره ابن حبان وفيه: أن امرأة وابنها يستوضعان الرجل ويسترفقانه، يعني: ارفق بنا، حط عنا من الثمن قليلاً، فحلف الرجل أنه لن يفعل.

    وجاء في رواية للحديث نفسه: أن المرأة وابنها كانا يستوضعان الرجل، يعني: يطلبان منه أن يضع شيئاً من هذا المال، وقالت المرأة: إن هذا الطعام الذي أخذناه ما نقص إلا قدر ما أكلناه فقط، فحط عنا، كأنها تريد أن ترجع له أشياء اشترتها قد أكلا بعضاً منها، والرجل يقول: أكلتم منها، لن أرجعها، فلا هو الذي رضي أن يرجع السلعة، ولا هو الذي حط عنهما الثمن، وحلف لهم: والله لن أفعل.

    وسمع النبي صلى الله عليه وسلم فخرج يسأل، فالمرأة -في رواية ابن حبان - قالت: إني ابتعت أنا وابني من فلان تمراً، أي: اشترينا تمراً من هذا فأحصيناه، لا والذي أكرمك بالحق ما أحصينا منه إلا ما نأكله في بطوننا أو نطعمه مسكيناً. يعني: التمر الذي أخذناه أكلنا منه وأطعمنا منه المساكين وجئنا نستوضعه.

    يعني: اشتريا منه بدين، فطلبا منه أن يحط عنهما قليلاً أو ينظرهما إلى وقت آخر، فرفض أن يضع عنهما أو ينظرهما، فلما تكرر منه هذا الشيء فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (أين هذا المتألي على الله ألا يفعل الخير)، والرواية هنا: (أين المتألي على الله لا يفعل المعروف) أي: من هذا الذي يحلف على الله إنه لن يفعل المعروف؟

    فالكلمة شديدة، إذ إن الرجل موجود لعله يخجل، وفعلاً خجل من نفسه، فلم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: احك لي حكايتك، لأنه هنا ليس حكماً، وإنما هو إصلاح، فلذلك لم يرد أن يسمع من الرجل، ولكن قال كلمة أوجعت الرجل: (أين المتألي) أي: هذا الذي يحلف أنه لن يفعل الخير؟

    والإيلاء: حلف اليمين، قال: (آلى ألا يصنع خيراً، آلى ألا يصنع خيرا، ثلاث مرات، فقال الرجل صاحب التمر للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت وضعت ما نقصوا، وإن شئت من رأس المال) أي: أفعل ما تريد.

    ففي الحديث هنا: أن الرجل سمع النصيحة من النبي صلى الله عليه وسلم: (أين المتألي على الله لا يفعل الخير؟ قال: أنا يا رسول الله، فله أي ذلك أحب) والغرض هنا: نوع من الإصلاح، أصلح النبي صلى الله عليه وسلم بين الرجل وبين الآخرين.

    ويمكن أن نذكر قصة كعب بن مالك مع ابن أبي حدرد : تقاضى كعب بن مالك ابن أبي حدرد مالاً في المسجد فقال له: ما معي. وارتفعت الأصوات في المسجد، فالنبي صلوات الله وسلامه عليه خرج على الاثنين، وقد ارتفعت أصواتهما، فعرف أن كعباً يطلب من الآخر ماله، لكن لا ينبغي أن يكون هذا في المسجد، وعلى كلٍ لصاحب الحق مقال.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لـكعب : (يا كعب ، ضع الشطر) وقوله صلى الله عليه وسلم هنا ليس على سبيل الوجوب ولكنه يشفع بكلمة طيبة، أي: لا تأخذ الدين كاملاً وخذ نصفه فقط، فقال: (أفعل يا رسول الله، وقال للآخر: قم فاقضه. قال: نعم يا رسول الله).

    ففعله صلى الله عليه وسلم هنا ليس حكماً؛ لأنه عند الحكم لا بد أن يسمع من هذا ويسمع من هذا ثم يقضي بينهما، ثم يكون ملزماً أن يدفعه كاملاً، أو نظرة إلى ميسرة، ولكن كان هذا إصلاحاً منه صلى الله عليه وسلم، فنتعلم من ذلك كيف نصلح بين الناس، قال تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ [الحجرات:10].

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى النصح وعلى الانتفاع به، وأن ينصر الإسلام والمسلمين.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.