إسلام ويب

تفسير سورة غافر [26 - 28]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه وتعالى إذا طمس بصيرة العبد فإنه يصبح لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، بل يدعو على نفسه بالهلاك بدلاً من اتباع الحق المبين، وذلك كفراً وعناداً، وفي هذه الحالة على المؤمن التقي الالتجاء والرجوع إلى ربه سبحانه، وعليه أن يقيم الحجة على خصمه بالتي هي أحسن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه ... لا يؤمن بيوم الحساب)

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة غافر: وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ * وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [غافر:26-33] .

    ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أن فرعون قال: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ [غافر:26]، وكان هذا حين أرسل الله عز وجل موسى عليه الصلاة والسلام بالآيات البينات إلى فرعون يدعوه إلى عبادة الله سبحانه، وترك ما هو فيه من كفر وضلال، وعلو واستكبار على الخلق، فقال فرعون: ذروني، أي: دعوني أقتل موسى، (وليدع ربه)، وكأنهم خوفوه من دعاء موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

    وقد رأى قبل ذلك كيف دعا عليهم موسى عليه السلام فابتلاهم الله سبحانه بالسنين ونقص من الثمرات وغير ذلك من الآيات، فخوفه قومه من دعاء موسى فقال: وليدع ربه، فتهور فرعون في هذا الأمر، وهذه سمة من سمات الكفار: التهور في أمر الدعاء، والتهور مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والتهور مع ربهم سبحانه وتعالى، يتبجحون ويتهورون ويطلبون ما فيه هلاكهم.

    وقد جربوا مع موسى عليه السلام مرات كثيرة كيف أنه دعا عليهم فاستجاب الله عز وجل دعاءه، فكأنهم خوفوا فرعون من ذلك، لكن الرياسة والملك كانت أهم عند فرعون من أن الناس يخوفونه من دعاء موسى، وأهم عنده من الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، ولذلك قال: (وليدع ربه)، وبين لهم السبب فقال: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ [غافر:26] ودينهم هو عبادة فرعون، يعبدونه من دون الله، فإنه قد استخف قومه فأطاعوه، استخفهم فأوهمهم أنه إله، وأنه ربهم، وأن له ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحته، وهم قد كانوا ضعاف العقول، فاستخفهم بطيشه، وبغبائهم، وحماقتهم صدقوه فيما يقول إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [الزخرف:54]، منسلخين عن دين الله سبحانه، خارجين عن طاعة الله سبحانه وتعالى.

    يضحك عليهم فرعون ويخدعهم بكلام باطل ويقول لهم: يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51]، انظر إلى خداعه وكذبه، وانظر إلى غباء هؤلاء الذين معه، فهم تركوا التفكر في الآيات التي جاء بها موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وصدقوا فرعون فيما قال لهم، مع أنه لا أحد منهم يعتقد أن فرعون هذا رب، ولا أنه يستحق العبادة، ولكن فرعون قوي، وهو من منطق القوة يكلمهم: أليس لي ملك مصر؟ من ينازعني؟ هذه الأنهار تجري من تحتي، أليس أنا الذي عملت هذه الأنهار؟ إذاً أنا ربكم الأعلى، فيصدقونه، ويقول: اعبدوني، فيعبدونه من دون الله، فقد كانوا ضعاف العقول، أغبياء، وصفهم الله عز وجل بذلك: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزخرف:54]، أطاعوه في غضب الله، وفي معصية الله سبحانه وتعالى، إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ [الزخرف:54].

    وكذلك كل قوم يتابعون الأقوى حتى ولو لم تكن معه حجة فهم قوم فاسقون، الذين لا يعملون عقولهم، ولا يفكرون في آيات الله، ولا في شرع الله، ولا في دين الله، وإنما ينظرون من القوي فيقولون: نحن مع الأقوى، نخاف على أنفسنا ونخاف على عيالنا ونخاف على بيوتنا، ولذلك نمشي مع الأقوى حتى ولو كان على حساب الدين، وعلى حساب توحيد الله سبحانه وتعالى.

    فهذا فرعون قال: ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ [غافر:26]، فلا يهمه الدعاء، فاستدعى على نفسه غضب الله سبحانه، واستعجل هلاكه، وكذلك فعل كفار قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم حين دعوا على أنفسهم، فقد قال أبو جهل وأمثاله: اللهم إن كان هذا - يعني الدين الذي مع النبي صلى الله عليه وسلم- اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، بدلاً من أن يطلبوا من الله الهداية إلى هذا الدين؛ طلبوا العذاب والمطر من السماء الذي يكون فيه هلاكهم، فالكافر يستدعي على نفسه غضب الجبار سبحانه وتعالى، ويقرب نفسه من عذاب النار والعياذ بالله، هؤلاء هم الكفار وهؤلاء أسلافهم من قوم فرعون، وأبو جهل كان فرعون هذه الأمة، وهذا فرعون موسى، فهذا طلب الهلاك وذاك طلب الهلاك، وقال: (وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم)، هذا الدين الذي يدعيه فرعون قال: أخاف أن يبدل دينكم فتطيعون موسى وتطيعون الله سبحانه، (أو أن يظهر في الأرض الفساد)، أي: يظهر موسى في الأرض الفساد، وهو يقصد بذلك دين الله سبحانه وتعالى.

    وكذلك الكفار في كل زمان ومكان، ينظرون إلى دين الله سبحانه فينفرون الناس عنه، ويقولون عن أهل الإيمان: هؤلاء هم المخرفون، هؤلاء هم المفسدون، هؤلاء هم الإرهابيون، هؤلاء أصحاب الكتب الصفراء، يرمون أهل الحق بالضلالات وبالباطل، فيقولون عنهم: إنهم أهل الفساد، وقد قالوها عن موسى، وقالوها عن النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ [الأحقاف:11]، أي: لو كان هذا الدين خيراً ما سبقونا إليه، فصدقهم الجهال وضعفاء العقول، وقالوا: هذا صحيح، فإن فينا فلاناً وفلاناً، كما قال الله تعالى عنهم: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31]، أي: لو أن القرآن نزل على واحد عظيم من قريش، على أبي جهل مثلاً، أو على عروة بن مسعود الثقفي، لماذا نزل القرآن على محمد؟! هذه نظرتهم الغبية، ولم ينظروا إلى هذا القرآن، وما فيه من إعجاز ومن تحد، فإنه قد تحداهم فلم يقدروا على مثله، فهم لم ينظروا إلى ذلك، وإنما نظروا إلى من الذي نزل عليه هذا القرآن؟ كما نظرت اليهود من الملك الذي ينزل من السماء إلى الأرض بهذا القرآن؟ فإذا كان جبريل فهذا عدونا، ونحن لا نريده وإنما نريد ملكاً آخر.. أين عقول هؤلاء؟! لم يتفكروا في هذا القرآن، وإنما نظروا بكفرهم وبغبائهم ورأوا أنهم على ملة لا يريدون تركها، فلم يتفكروا فيما جاء من عند رب العالمين سبحانه وتعالى.

    حينما قال موسى متعوذاً بربه سبحانه، لاجئاً إليه، معتصماً به: (إني عذت)، أي: لجأت إلى الله سبحانه وتعالى، واعتصمت به سبحانه، واحتميت به: إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ [غافر:27]، متكبر أي: متعظم في نفسه، لا يؤمن بيوم الحساب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ...)

    قال تعالى: وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28]، والمفسرون اختلفوا في هذا الرجل المؤمن: هل هو من آل فرعون، أي: من قوم فرعون، من أقباط مصر، أم أنه رجل من بني إسرائيل مع موسى؟ وهذا الرجل يكتم إيمانه من فرعون، أي: كأن في الجملة تقديماً وتأخيراً على هذا القول، فيكون المعنى: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون، والأول أصوب، وهو أنه رجل من قوم فرعون، من آل فرعون، أي: رجل من أهل مصر؛ لأنه يخاطب قومه بعد ذلك ويقول: يا قومي، يا قومي: وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ [غافر:41]، فدل على أنه منهم، ولكنه كان مؤمناً رضي الله عنه.

    وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ [غافر:28] فهو لم يقل: أنا مسلم مع موسى عليه الصلاة والسلام، ولكن كتم إيمانه وجادل فرعون وقومه بالحجج، ودعاهم أن يعملوا عقولهم، فما دام أن هذا الرجل جاء لكم ببينة فلماذا لا تنظرون في البينة التي جاء بها؟ لماذا لا تناقشونه فيما جاء به؟ فلعله يكون صادقاً فيصيبكم بصدقه بعض الذي يعدكم، وإن كان كاذباً فالله لا يهدي المسرف الكذاب، فتعالوا نفكر فيما جاء به موسى عليه الصلاة والسلام بدلاً من رده، وبدلاً من توبيخه وإرادة قتله.

    فقال هذا الرجل المؤمن: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ [غافر:28] يعني: ما جريمته؟ هل أجرم معكم؟ هذا الرجل يتكلم فلماذا لا تناقشونه بالحجة وبالعقل بدلاً من قتله؟ هل لأنه يدعوكم إلى الله تقتلونه؟ قال: وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ [غافر:28] إذاً: له عذره، فقد أتاكم ببينات، ففكروا في هذه البينات، وانظروا في هذه الآيات، وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ [غافر:28]، وبدأ بتقديم الكذب على الصدق لأنه هو منهم ويكتم أنه مؤمن فقال: إن يكن موسى هذا كاذباً فعليه كذبه، وربه سيعاقبه؛ لأنه يكذب عليه، وإن كان صادقاً فاتباعه فيه الفلاح والنجاة لنا جميعاً.

    وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ [غافر:28]، مسرف، أي: على نفسه في المعاصي، وكذاب: يكذب على الخلق ويكذب على الخالق سبحانه وتعالى.

    هذا قول الرجل المؤمن من آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، وقد ناقش الموضوع بكلام طيب، حيث انتقل من شيء إلى شيء، حتى إنهم في النهاية علموا أن هذا مؤمن مع موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    أبو بكر الصديق ومؤمن آل فرعون

    هذا الرجل العظيم كان مثله في أمتنا سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، حيث يذكره علي رضي الله عنه ويقول: أبو بكر الصديق خير من مؤمن آل فرعون، مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه وأبو بكر الصديق كان يظهر إيمانه رضي الله عنهما.

    وهناك قصة ذكرها الإمام البخاري مختصرة، وساقها الإمام أحمد مطولة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه حيث سأله عروة بن الزبير فقال له: ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، أي: عند الكعبة في الحجر، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط! سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم! يذكرون هذا بنوع من التغيظ على النبي صلى الله عليه وسلم، وبنوع من إيقاد الشر عليه عليه الصلاة والسلام، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، أي: أراد أن يطوف بالكعبة عليه الصلاة والسلام، ثم مر بهم طائفاً وهم عند الحجر فغمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، أي: شتموا النبي صلى الله عليه وسلم، فعرف عبد الله بن عمرو بن العاص ذلك في وجهه، أي: رأى وجه النبي صلى الله عليه وسلم تغير وغضب صلى الله عليه وسلم لما قالوا، ولكن صبر صلى الله عليه وسلم ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، قال: فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى، فلما مر بهم الثالثة غمزوه بمثلها، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (أتسمعون يا معشر قريش؟! أتسمعون يا معشر قريش؟! أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح)، أي: بهذه الشريعة التي فيها استئصال الكفار الذين يظهرون العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم ولدين الله سبحانه وتعالى.

    قال عبد الله بن عمرو : فأخذت القوم كلمته عليه الصلاة والسلام، فكأنهم فزعوا مما قاله صلى الله عليه وسلم، وأسكتهم الله فلم يقدروا على الرد والجواب، قال: حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم على النبي صلى الله عليه وسلم قال له: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولاً، يعني: اتركنا في حالنا، فانصرف النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر، قال عبد الله بن عمرو: وأنا معهم، أي: كان ما زال كافراً، قال: فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منه، وما بلغكم عنه، حتى إذا بدأكم بما تكرهون تركتموه، أي: بدأ بعضهم يحرض بعضاً على النبي صلى الله عليه وسلم، فبينما هم كذلك إذ طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد يريدون أن يضربوه، ويريدون قتله عليه الصلاة والسلام.

    قال: فأحاطوا به يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ مما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم، يقولون: أنت تشتم آلهتنا، وتشتم ديننا، قال: فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم أنا الذي أقول ذلك، فقد كان شجاعاً صلوات الله وسلامه عليه، فلا يهمه أمرهم، مع أنهم قاموا له قومة رجل واحد، ولا أحد يوجد ليدافع عنه صلى الله عليه وسلم إلا حين بلغ ذلك أبا بكر رضي الله تعالى عنه، يقول عبد الله بن عمرو : فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه، فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه وقال: ذروه، أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله؟! ثم انصرفوا عنه.

    هذا في رواية الإمام أحمد ، وفي رواية الإمام البخاري قال: فجاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فهجموا عليه وهو يصلي صلى الله عليه وسلم فوضع أحدهم رداءه في عنقه، وهو المجرم الملعون عقبة بن أبي معيط لعنة الله عليه وعلى أمثاله، فوضع رداء النبي صلى الله عليه وسلم في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر رضي الله عنه فدفعه عنه وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله وقد جاءكم بالبينات؟! فهجموا على أبي بكر رضي الله عنه، وضربوا أبا بكر ضرباً شديداً، فرجع أبو بكر رضي الله عنه، فجعل لا يمس شيئاً من شعره إلا جاء معه وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام.

    أبو بكر الصديق أظهر إيمانه ودافع عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ونصر الله عز وجل به هذه الأمة في حرب الردة لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد عن دين الله عز وجل، فقام أبو بكر وحده وثبطه كثيرون، فأبى إلا أن يقوم لينصر دين الله سبحانه وتعالى، وقال: لأقاتلن حتى تنفرد سالفتي، أي: أقاتل هؤلاء المرتدين حتى أكون وحدي لا أحد معي، أقاتل حتى تنفرد سالفتي، يعني: حتى أقتل، فيكون معه عذر عند الله، فأيد الله عز وجل به هذا الدين، وقام الناس معه، ورجع دين الله إلى ما كان، ونشر الله هذا الدين بفضله سبحانه وتعالى ثم بما صنعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فهذه مقولته وهذه مقولة مؤمن آل فرعون قبله: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ هذا دافع عن موسى وذاك دافع عن نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه.

    نسأل الله عز وجل أن ينصر دينه، وأن يثبت المؤمنين في كل زمان ومكان.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.