إسلام ويب

تفسير سورة غافر [13 - 20]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكرنا الله عز وجل بيوم هوله عصيب، وأمره عجيب، إنه يوم القيامة، يوم أن يبرز الناس فيه مصطفين ينتظرون الحساب، فيجزي الله كل نفس بما كسبت، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فالملك كله يوم القيامة لله تعالى، وينفرد به سبحانه فلا يستطيع أحد منازعته؛ ولذا كان على العبد أن يعبد الله مخلصاً في عبادته، صابراً على أذى المشركين، فإن هذا هو سبيل النجاة من العقاب، والفوز بالجنة في يوم الحساب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هو الذي يريكك آياته وينزل لكم من السماء زرقاً... )

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة غافر: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ * فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر:13-17].

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات وما يأتي بعدها عن قدرته العظيمة في خلقه للعباد، وفي إنزاله الرزق عليهم من السماء، وأيضاً في بعثهم يوم القيامة، وحسابهم، ولا تخفى عنه سبحانه وتعالى خافية من عباده، وغير ذلك من مظاهر قدرته العظيمة سبحانه.

    يقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا) أي: أن رزقكم من عند الله سبحانه وتعالى، فهو الذي خلق الإنسان فسواه فعدله، وهو الذي رزقه وأطعمه وسقاه، وهو الذي أعطى ومنح عباده في الدنيا، وهو الذي يجازيهم يوم القيامة.

    ومعنى: (يُرِيكُمْ آيَاتِهِ) أي: دلائل قدرته، وعلامات إعجازه سبحانه وتعالى، (وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا) أي: ينزل من السماء أرزاق العباد المقسومة بتقديره سبحانه وتعالى، فينزل ما يشاء على من يشاء، ويرسل الرياح فتثير سحاباً، فساقه الله إلى بلد ميت، فأنزل به الماء، ثم أخرج به من كل الثمرات، والله على كل شيء قدير.

    قوله تعالى: (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) أي: ما يتعظ بآيات الله سبحانه مما يقرأ في القرآن، ومما يراه أمامه من آيات خلق الله عز وجل ويتذكر فلا ينسى، ويتعظ فيعمل ولا يشقى إلا من ينيب إلى الله، ويرجع إليه بالعبادة والطاعة، وبالتفكر في إلهيته وربوبيته سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فادعوا الله مخلصين له الدين ...)

    قال الله تعالى: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [غافر:14] أي: ادعوه ووحدوه، والجئوا إليه سبحانه، واعبدوه وحده لا شريك له، وادعوه تضرعاً وخفية وخيفة، بالليل والنهار، فإنه لا يعجزه شيء سبحانه.

    فقوله: (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) فيه أن الإخلاص شرط من شروط العبادة، والعبادة لها شرطان: الإخلاص، والمتابعة، والمتابعة: هي أن تتابع النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند ربه من وحي الكتاب أو من السنة، والمتابعة وحدها لا تنفع إلا مع الإخلاص، فلا بد من ركنين للعبادة: أن تعبد ربك سبحانه بما جاء في الكتاب والسنة، وأن تكون مخلصاً لله عز وجل في عبادتك، فمعنى (مخلصين) أي: موجهين العبادة له وحده، حتى تكون خالصةً من شوائب الشرك بالله سبحانه وتعالى.

    وقوله: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) أي: حتى ولو كره الكافرون منكم ذلك، ولو أبغضوكم على ذلك، وحاربوكم وجاهدوكم على أن تشركوا بالله فلا تشركوا به شيئاً، فأخبر الله الإنسان أنه حتى إذا جاهده والداه على الشرك فلا يطعهما، وإنما يصاحبهما في الدنيا معروفاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره ...)

    قال تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ [غافر:15] أي: أن الله رفيع الدرجات سبحانه وتعالى، له الثناء والمجد والمدح العظيم كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه.

    و(رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) بمعنى: أنه على العرش استوى، وأنه فوق عرشه وسماواته، وقد أحاط بكل شيء، وعلا فوق كل شيء سبحانه، فهو رفيع الدرجات: ذو الدرجات العظيمة الرفيعة سبحانه وتعالى، المستحق للكمال وحده، والمستحق للثناء والمدح وحده، صاحب كل خير سبحانه.

    وهو الذي يملك أن يرفع عباده إلى درجات عنده، فجعل الجنة درجات عالية، فهو صاحب هذه الدرجات، يرفع من يشاء من عباده إليها.

    ورفيع الدرجات: صفة من صفات الله، وهي صفة دالة على سعة ملكه وقدرته سبحانه وتعالى، فيرفع درجات من يشاء، ويخفض من يشاء سبحانه، (ذُو الْعَرْشِ) أي: صاحب العرش وخالقه، وفي الدنيا يقال: الملك فلان له عرش، وهو سرير الملك الذي يكون عليه، ولله عز وجل المثل الأعلى، فله العرش العظيم سبحانه وتعالى، وهو فوق السماوات وفوق كل شيء، وأحاط بكل شيء، وهو الرحمن فوق عرشه استوى عليه سبحانه.

    قال تعالى: (يُلْقِي الرُّوحَ) الروح: الوحي، أو النبوة، حيث ينزل الملك جبريل وهو روح الله وروح القدس، أي: روح مقدسة خلقها الله سبحانه وتعالى، فينزل على من يشاء الله من عباده.

    والروح: القرآن، قال الله تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ [الشورى:52] إذاً: فالروح: الوحي، والنبوة، والقرآن الذي ينزل من عند الله سبحانه وتعالى، فهو يلقي الروح أي: ينزل الروح بأمره، وفيه أمر الله وقضاء الله سبحانه، وفيه إحياء لقلوب الخلق، فالقلوب الميتة بالكفر يحييها وحي الله سبحانه، والنبوة والقرآن، فكما ينزل الغيث من السماء ليحيي به الأبدان، كذلك ينزل من السماء القرآن ليحيي به الإنسان.

    وقوله: (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) أي: أن الله يصطفي إليه من يشاء، ويجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب، فالنبوة والرسالة ليست كسباً من الخلق، وليس لأحد من الخلق أن يقول: سوف أعبد الله وأتقرب إليه حتى يجعلني نبياً أو رسولاً، فهي هبة من الله سبحانه ومنحة يمنحها من يشاء من عباده، فيجعله نبياً أو رسولاً.

    (لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ) أي: يوم القيامة، يوم يلتقي أوائل العباد مع أواخرهم من لدن آدم إلى آخر من تقوم عليه الساعة، ويلتقي فيها الظالم مع المظلوم، والقاتل مع المقتول ليحكم الله بينهم، وليقتص كل واحد من الآخر.

    وكلمة: (التلاق) يقف عليها الجمهور بالسكون، ويقف عليها بالياء ابن كثير ويعقوب ؛ فإذا وقف قال: (يوم التلاقي)، وإذا وصل قال: (يوم التلاقي) كذلك، فيقف بالياء في الوصل وفي الوقف، وورش وقالون بخلفه وابن وردان يقرءونها في الوقف: (يوم التلاق)، وفي الوصل: (يوم التلاقي).

    إذاً: وصلاً فقط بالياء لـورش وقالون بخلفه وابن وردان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء ...)

    قال الله تعالى: يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16] أي: خرجوا من قبورهم وبرزوا وظهروا، فلا يستخفي منهم أحد، ولا يوجد مكان يختفي فيه، قال الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا [طه:105-107] أي: لا ارتفاعاً ولا انخفاضاً في الأرض، فهي مستوية بيضاء نقية، كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث، فليس هناك جبل يختفي فيه الإنسان، ولا حفرة ينزل بداخلها، فالأرض (لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا)، والكل بارزون أمام رب العالمين سبحانه ليجازي كل نفس بما كسبت.

    قال تعالى: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) (شيء): نكرة في سياق النفي، وهي تعم، فلا يخفى على الله شيء ولو كان دقيقاً، فهؤلاء الأعداد الغفيرة الكثيرة لا يخفون على الله، فهو يرى جميع الخلق، وسوف يحاسبهم في يوم القيامة.

    يقول سبحانه: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) في يوم القيامة يقبض الله عز وجل الخلائق ويطوي السماوات بيمينه ويقبض الأرض ويقول: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ فلا أحد يقدر على أن يقول: أنا كنت ملكاً في الدنيا، وإنما الذي يجيب هو الله، فيجيب على نفسه ويقول: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).

    والملك هو ملك السماوات والأرض، فلا يدعي أحد أنه يملك في هذا اليوم، فالله هو المالك سبحانه وتعالى، وقوله: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ) أي: له وحده لا شريك له، (الْقَهَّارِ) الذي قهر وغلب وأذل كل شيء، وأذعن له وخضع كل شيء، فله الملك وحده سبحانه، وقد قال في كتابه: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:1-2]، فالله مالك الملك، وملك الملوك سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت... )

    يقول الله تعالى: الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ [غافر:17].

    قوله: (اليوم) أي: يوم القيامة، (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) ففي يوم القيامة يحاسب الله كل إنسان بمفرده، فلا يظن الإنسان أنه بإمكانه أن يختفي في ذلك اليوم.

    وقوله تعالى: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) فيه أن الجزاء على كسب العباد، والله خالق العباد، وخالق أفعالهم، والعبد يكتسب فعله، وحين يفعل الفعل يشعر أنه قادر على فعله وقادر على تركه، فإن أراد أن يفعله فعله، والله عز وجل يجازيه على إرادته، وإن كنا نؤمن أن كل شيء بقضاء الله وقدره ومشيئته، ولكنه سوف يجازي العبد على ما فعله ورضي فعله، فإن عصى الله جازاه على معصيته، ولا يمكن أن يقول: يا رب! أنت قدرت علي هذا الشيء؛ لأنه وهو يكسب المعصية يرى نفسه قادراً على فعلها، وقادراً على تركها، فيكون فعله هذا اختياراً منه.

    فلا ينبغي للإنسان أن يتعلل بالقدر، فالله عز وجل أمره بالإيمان بالقضاء والقدر، لا أن يتعلل به.

    إذاً: فالإنسان حين يرتكب المعصية أو يفعل الخير يعلم أن الله قد قدر كل شيء، وعلم كل شيء سبحانه، ولكن كسبه هذا كان اختياراً منه، فالله عز وجل يشكر له الخير، ويجازيه على الشر، أو يعفو سبحانه، فإذا حاسب الله العباد فلا يقدر أحد أن ينكر ويقول: يا رب! لقد كان ذلك قضاء وقدراً؛ لأنه كان قادراً على الفعل وعلى الترك، ولم يكن مجبراً.

    وقوله تعالى: (لا ظُلْمَ الْيَوْمَ) أي: لا يظلم ربك أحداً، ولا ينسى شيئاً، بل يجزي كل إنسان على مثقال الذرة، كما قال تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8].

    قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) فالله سبحانه سيحاسب الخلق يوم القيامة، وهو يوم طويل من أيام الآخرة كما قال تعالى: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج:4]، وهذا اليوم يطيله الله عز وجل على من يشاء، ويخففه على من يشاء، نسأل الله التخفيف والعفو والعافية في يوم عظيم يقضي فيه الله بين جميع العباد.

    وقوله: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) أي: سريع المحاسبة، ليس كمحاكم الدنيا التي تؤجل فيها بعض القضايا لسنة أو سنتين، فيوم القيامة يوم واحد، يجزي الله فيه كل إنسان بمفرده على ما صنع، فلا يخفى عليه من عباده شيء، لا يشغله القضاء بين عبد وآخر عن القضاء بين ثالث ورابع، وإنما يقضي بين الجميع كما يشاء، لا يشغله شيء عن شيء سبحانه وتعالى (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ...)

    يقول الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18] وهذا كقوله تعالى: أَزِفَتِ الآزِفَةُ [النجم:57] أي: اقتربت الساعة، وهي القيامة، وأزف الشيء بمعنى: قرب، والقيامة قريبة، قال الله تعالى: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب:63] والساعة آتية، وكل شيء وعد الله سبحانه أنه سيأتي لا بد وأن يأتي، وطالما أنه سيأتي فهو قريب، فسماها الله عز وجل: آزفة، أي: قريبة، فقوله: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ) أي: يوم القيامة الذي سيكون قريباً.

    (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) وهذه حالة لا تكون في الدنيا أبداً، فالإنسان قد يفزع في الدنيا، ويحس أن قلبه سوف يطلع من مكانه، لكنه لا يطلع من مكانه، أما في يوم القيامة فإنه يطلع من مكانه، ويصل إلى الحنجرة، فالقلوب تثب من مكانها إلى الحناجر من شدة الهلع والخوف والجزع والرعب.

    والحنجرة: هي العظمة الموجودة في الجزء البارز في الرقبة الذي نسميه: تفاحة آدم، ففي يوم القيامة يثب القلب من مكانه يريد أن يخرج حتى يموت هذا الإنسان من رعبه.

    وقوله: (كَاظِمِينَ) أي: كاتمين على أنفسهم، فأرواحهم تريد أن تطلع، وقلوبهم تكاد أن تخرج من أفواههم، ولا قدرة لهم على إرجاعها، وهذا مشهد صعب شديد!

    قال الله تعالى: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ) في الدنيا قد يجد الظالم لنفسه أعواناً، فيظلم ويأتي بالرجال ليعينوه، أما يوم القيامة فلا يوجد من يعينه، (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ)والحميم: هو الصديق والقريب والمحب، وفلان حميم لفلان أي: بينهم علاقة حميمة وصداقة عظيمة.

    فلا يوجد في ذلك اليوم للظالمين من يشفق عليهم أو يشفع لهم أو يدافع عنهم كما كانوا في الدنيا، ففي يوم القيامة لا أحد يقف بجوار الآخر فيشفع له، إلا حين يفتح الله عز وجل باب الشفاعة، وأول من يبدأ بها نبينا صلى الله عليه وسلم يشفع عند ربه ليقضي بين العباد.

    فقوله تعالى: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ) أي: ليس للظالم حميم ينفعه، ولا شفيع يطاع فيسمع كلامه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ...)

    قال الله عز وجل: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]، خائنة الأعين أي: العين الخائنة، فالإنسان قد يخون بعينه، وقد يمشي ويراه الناظر أنه غاض البصر، ولكن إذا لم ير أحداً ينظر إليه نظر إلى ما حرم الله عز وجل، فهذه هي النظرة الخائنة التي يختلسها الإنسان إلى شيء حرمه الله سبحانه وتعالى، وكأن يغمز إنسان لآخر بعينه أن يفعل أي شيء فهذا لا يجوز.

    وقد جاء في الحديث أنه لما جيء بـعبد الله بن أبي السرح إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد فعل أشياء في كفره، ثم أسلم، ثم ارتد عن الإسلام، ونافق، وآذى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فجاء به عثمان رضي الله عنه ليشفع فيه يوم فتح مكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعفو عنه، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم استكثر ما صنعه هذا الرجل في كفره، وفي ردته، وفي نفاقه، فأبى أن يقبل منه صلى الله عليه وسلم وسكت، ولم يعطه عهداً ولا أماناً، ومن أدب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم معه أن مكثوا ينتظرون ماذا سيقول فيه، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأطال سكوته، وفي النهاية أمنه صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال لأصحابه بعد ذلك: (أما كان منكم من رجل رشيد يقوم لهذا فيضرب عنقه؟) أي: هذا الرجل الذي آذى الله ورسوله، الذي ارتد عن الإسلام، وآذى المسلمين، وقد رفضت أن أعطيه أماناً، أما كان منكم رجل رشيد يقوم إليه فيقطع رقبته؟ فقالوا: هلا أشرت لنا؟ أي: لو غمزت لنا بعينك لكنا قتلناه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين) فلا يليق بنبي أن يغمز لأحد ليعمل شيئاً من وراء آخر.

    فالمقصود: أن الله عز وجل يعلم خائنة العين، وما يكون من تلصص وتجسس وتحسس، وما يكون منها من نظر إلى ما حرم الله سبحانه وتعالى من غير أن يدري الناس، وما يكون منها من إشارة وغمز إلى إنسان بتهكم أو بسخرية، أو بغير ذلك.

    وقوله: (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) أي: ما يكنه الإنسان في صدره من نية سوء أو غيرها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء ...)

    قال تعالى: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر:20].

    قوله: (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ ) أي: يجازي ويفصل بالحق.

    وقوله: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) أي: من الأصنام التي تعبد من دون الله، والآلهة التي اتخذوها من دون الله، (لا يقضون بشيء)، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    وقوله: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) أي: يسمع ويرى كل شيء، ويقضي بين عباده بالحق.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.