إسلام ويب

تفسير سورة غافر [10 - 15]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه الآيات بيان ما سيكون عليه الكفار يوم القيامة من الاعتراف بذنبهم وكفرهم وعدم استجابتهم لشرع الله، ثم بعد ذلك يمقتون أنفسهم ويكرهونها؛ وذلك جزاءً وفاقاً، فقد كانوا في الدنيا يزهون بها ويترفعون بها على الحق وأهل الحق، وفي ذلك اليوم حين يحق الله الحق يبغضونها. وفيها أيضاً بيان ما عليه الكفار والمنافقون من الاستئناس بالباطل والنفور من الحق، بخلاف أهل الإيمان والتقوى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم ..)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة غافر: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ * فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ [غافر:10-15].

    يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن حال الكفار يوم القيامة حين يعذبهم الله عز وجل، ويدخلهم النار، ويعلمون أن هذا الجزاء الصعب الذي عاينوه هو بسبب من أنفسهم، فيبغضون ويكرهون أنفسهم في ذلك الوقت حين يعذبهم الله سبحانه.

    فإذا مقتوا وأبغضوا أنفسهم نادتهم الملائكة: إن الله يبغضكم أشد من بغضكم لأنفسكم، يقول الله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ أي: تناديهم الملائكة، لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [غافر:10]، والمقت: هو أشد البغض والكره، وقد مقتهم الله حين كذبوا رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وحين عارضوا ربهم، وجحدوا آياته، ففي هذا الحين استحقوا غضب الله ومقته وبغضه سبحانه، فلما جاءوا يوم القيامة أبغضوا أنفسهم حين رأوا العذاب، وعلموا أنه بسبب تكذيبهم، وبسبب إعراضهم، وبسبب قلة عقولهم، فأبغضوا أنفسهم فنادتهم الملائكة بذلك.

    يقول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ [غافر:10] أي: أشد، مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ [غافر:10] أي: حالة وحين تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ [غافر:10] أي: مقتم الله في الدنيا في حال أن دعتكم أنبياء الله إلى الإيمان بالله فأعرضتم وكذبتم، فاستحققتم مقت الله سبحانه، إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ [غافر:10] يعني: في حال دعتكم رسل الله إلى الإيمان فكفرتم وكذبتم مقتكم الله عز وجل أشد المقت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ..)

    قال تعالى: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [غافر:11].

    فانظر إليهم في الدنيا وانظر إليهم في الآخرة، ففي الآخرة يتواضعون حين يرون العذاب، وفي الدنيا كانوا مستكبرين يتعالون على ربهم سبحانه، وعلى أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، فلا يصدقون ولا يؤمنون، فيتضرعون وهم في النار في الآخرة يقولون: (ربنا)، فهذا ربهم الذي جحدوه قبل ذلك وكذبوه، وكانوا إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم، وإذا دعي غير الله سبحانه وأشرك به إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ [الزمر:45]، فهذا في الدنيا، فلما عاينوا العذاب، ورأوا هلاكهم قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [غافر:11]، فعرفوا قدرة الله العظيمة يوم القيامة، وفي الدنيا أعرضوا، وكذبوا، وجحدوا، واستكبروا، وفي الآخرة قالوا: يا ربنا! أنت على كل شيء قدير، فأنت الذي أوجدتنا من عدم، فقد كنا نطفاً في آبائنا أمواتاً فأحييتنا، وأوجدتنا في أرحام أمهاتنا، وخلقتنا هذا الخلق الذي خلقتنا عليه، فكنا في هذه الدنيا أحياء فكذبنا وأعرضنا، ثم قدرت علينا الموت فقبضت أرواحنا، ثم أحييتنا بالبعث والنشور، فهنا إماتتان وإحياءان، فالأولى حين لم يكونوا شيئاً، أو كانوا نطفاً لا حياة فيها بالمعنى المعروف للحياة، ثم كانت هذه النطف أجساداً في بطون الأمهات ونفخت فيها الأرواح، فهذه الحياة الأولى، ثم أماتهم فأقبروا، وهذه الموتة الثانية، ثم بعثهم فنشروا، وهذه الحياة الثانية، قال تعالى: أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ [غافر:11]، والمعنى: أنك يا ربنا على كل شيء قدير، فكما قدرت على الإماتة وعلى الإحياء فإنك تقدر على إرجاعنا إلى الدنيا مرة ثانية، فَارْجِعْنَا [السجدة:12]، أي: يتوسلون إلى الله سبحانه بصفاته وبقدرته سبحانه العظيمة، فأنت على كل شيء قدير فأعدنا مرة ثانية إلى الدنيا حتى نعبدك.

    والله سبحانه أعلم أن هؤلاء لا ينفع معهم ذلك، قال تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام:28]، أي: لو ردوا إلى الدنيا لعادوا لما نهاهم الله عز وجل عنه من الكفر والشرك بالله، ولأعرضوا عن ربهم، ولكفروا وكذبوا مرة ثانية، فالله يعلم أنهم لا يستحقون إلا النار.

    قال الله سبحانه عن هؤلاء: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [غافر:11]، فهل هناك أي صورة أو وسيلة للخروج من النار؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم ..)

    يقول لهم سبحانه: ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:12]، وهنا حذف يدل عليه الكلام، يقول الله عز وجل: (ذَلِكُمْ) أي: هذا العذاب الذي تعاينونه، وتتعرضون له، وكأنه يقول: إنكم تستحقون هذا العذاب، والجواب: لا، ليس إلى الخروج سبيل والعياذ بالله.

    أي: لا سبيل إلى الخروج؛ وذلك لأنكم تستحقون ذلك، فقد كذبتم قبل ذلك العذاب الذي تدخلونه وتعاينونه، وكنتم (إِذَا دُعِيَ اللَّهُ) أي: كنتم قبل ذلك إذا وجدتم من يوحد الله سبحانه ويعبده تشمئزون وتكفرون، ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا [غافر:12]، وكان إيمانهم كما قال تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف:106]، فيقولون: الله هو الخالق، لكن إذا قيل لهم: اعبدوه، قالوا: إنها تقربنا إلى الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، ومع ذلك فهم يعبدون غير الله سبحانه، فلا يصدقون بالله إلا وهم يشركون بعبادته سبحانه.

    قال سبحانه: وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:12]، فالحكم له وحده سبحانه، فهو الذي يحكم فيكم بهذا العذاب، وهو العلي سبحانه لا شيء أعلى منه سبحانه، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه سبحانه، ولا غالب لأمره، فهو الذي يعلو سبحانه وتعالى فوق كل شيء، فحكمه أعلى وفوق كل حكم، فالحكم لله العلي، فله علو الذات سبحانه، وله علو الشأن سبحانه، وله علو القهر سبحانه، فهو فوق كل شيء، وأكبر من كل شيء، ويحكم على كل شيء، ولا معقب لحكمه سبحانه.

    يقول محمد بن كعب القرظي : إن أهل النار لما يئسوا مما عند الخزنة وقال لهم مالك : إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77] قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء! إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما قد ترون فهلم فلنصبر، فصبروا، فطال صبرهم، ثم جزعوا فقالوا: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21]، فلا ينفع الصبر في النار، وسواء صبروا أو جزعوا فما لهم من مهرب ولا مخرج ولا مخلص منها، فقالوا: سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [إبراهيم:21-22].

    فقد تبرأ الشيطان منهم في هذا الوقت، وهو الذي دعاهم في الدنيا إلى عبادة غير الله فاتبعوه، فلما جاءوا يوم القيامة نظروا فلم يجدوا لهم مهرباً، ولم يجدوا لهم سبيلاً للخروج من النار، وتبرأ منهم الشيطان، وقال: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ [إبراهيم:22]، فقد كنت أوسوس لكم فقط وأنتم الذين ضللتم واتبعتم الهوى، فتستحقون ما أنتم فيه من العذاب.

    يقول: إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22]، أي: بما كنتم تعبدونني من دون الله، فقد كنتم تعبدون الأصنام التي أمرتكم بعبادتها، وقد كنت أعلم أن الله سبحانه واحد، وهو المستحق للعبادة وحده دون غيره، إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22].

    فلما سمعوا ذلك -وكانوا قد صبروا وطال صبرهم- جزعوا فصرخوا، ووجدوا الشيطان يتبرأ منهم، فهنا في هذا الوقت إذا بهم ينادون وقد مقتوا أنفسهم: ضيعنا وفرطنا، واتبعنا هذا الذي كان لا يملك لنا شيئاً، وأخذنا من الدنيا ما أخذنا فاستحققنا العذاب، فأبغضوا وكرهوا أنفسهم، ونادوا على أنفسهم: نحن نمقت ونكره أنفسنا، فإذا بهم يُنادَون: (لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ)، أي: أشد (مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ)، فحكم وفصل بين عباده، وأحق الحق، وأبطل الباطل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقاً..)

    قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ [غافر:13].

    قوله: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ) أي: هو الله سبحانه الذي يريكم أدلة توحيده، وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد سبحانه، فقد أراكم الآيات، وأنزل عليكم الكتب، وأرسل لكم الرسل، وأوضح لكم ما أشكل عليكم، فأصررتم على ما أنتم فيه من الكفر والإعراض.

    هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً [غافر:13]، وَيُنَزِّلُ قراءة الجمهور بالتثقيل، وقراءة ابن كثير ، وأبي عمرو ، ويعقوب بالتخفيف: (وينزل).

    فقوله: وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا [غافر:13] يمن الله عز وجل على عباده بأن رزقكم جاءكم من السماء وأنتم تشاهدون ذلك، وإذا منع عنكم الغيث عطشتم ومتم عطشاً، وإذا منع عنكم المطر لم يخرج النبات من الأرض، فرزقكم جاء من السماء.

    قوله: وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ [غافر:13] أي: وما يتعظ فينتفع بهذه الموعظة إلا الذي ينيب، أي: يرجع، فيعمل عقله ويقول: الله الذي رزقني، والله الذي خلقني، والله الذي أعطاني، فهو وحده الذي يستحق أن يعبد سبحانه، فالذي يتذكر هو الذي ينيب ويرجع إلى توحيد وعبادة الله وحده لا شريك له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فادعوا الله مخلصين له الدين ..)

    قال تعالى: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [غافر:14] يأمر الله عز وجل عباده بتوحيده، وحسن عبادته، قال تعالى: فَادْعُوا اللَّهَ [غافر:14]، أي: وحدوه واعبدوه وحده لا شريك له، فلا تدعوا معه أحداً غيره، ولا تتقربوا إلا إليه، ولتكن حياتكم ومماتكم له وحده لا شريك له.

    مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [غافر:14] الدين هو العبادة والطاعة، ويأتي الدين بمعنى: الجزاء، وهنا المقصود به الطاعة والعبادة، فأخلصوا ونقوا العبادة واجعلوها له وحده، فلا تدخلوا في عبادتكم أي شوائب من شوائب الشيطان، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [غافر:14] أي: ولو كره الكافرون ذلك منكم، فأخلصوا لله، واستقيموا على طريق الله سبحانه وتعالى، واصبروا على طاعة الله؛ فلكم الجزاء من الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره ..)

    قال تعالى: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِي [غافر:15].

    قوله: رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ [غافر:15] أي: فادعوا الله رفيع الدرجات سبحانه وتعالى.

    وقوله: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) لها معان وكلها صحيحة، فهو المستحق لأعلى درجات الثناء، وهو المستحق لأعظم المدح، وهو العالي المتعالي سبحانه، فهو العلي العظيم الذي استوى على عرشه، وعرشه فوق كل شيء سبحانه وتعالى.

    فهو: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) أي: فوق السماوات، وفوق العرش سبحانه تبارك وتعالى، وهو المتعالي العلي سبحانه، ذو الدرجات العظيمة، فالله فوق سماواته فهو رفيع الدرجات سبحانه، والله مستحق لأعظم وأعلى وأجمل وأجل المدح والثناء، والله صاحب الدرجات العظيمة في جنات الخلود التي يرفع إليها أنبياءه وأولياءه، فهو رفيع الدرجات سبحانه وتعالى، وهو الذي خلق السماوات بعضها فوق بعض عالية جداً، فبين السماء والسماء خمسمائة عام، وسمك السماء خمسمائة عام، فهو رفيع الدرجات.

    قوله: (ذُو الْعَرْشِ) أي: صاحب العرش العظيم، فعرشه بهذه العظمة التي يذكرها لنا ربنا، ويذكرها لنا النبي صلى الله عليه وسلم، فهو عرش عظيم، وعرش كريم، فكيف بصاحب العرش سبحانه الذي خلق العرش؟! قال تعالى: (يلقي الروح)، فهو ينزل الوحي سبحانه وتعالى: (مِنْ أَمْرِهِ) أي: من قضائه وقدره بما قضاه وشرعه سبحانه، (عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، فـ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ [الشورى:13] أي: يصطفي إليه من يشاء، وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ [الشورى:13]، فينزل الملك بالوحي من السماء على من يشاء من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ [غافر:15] أي: يوم القيامة.

    فقد جاءت الأنبياء لتبين للناس أنه لا يستحق العبادة إلا الله، وأنهم راجعون إلى يَوْمَ التَّلاقِ [غافر:15]، يوم تلتقي أوائل الأمم مع أواخرها، ويلقون ربهم سبحانه وتعالى، فيقفون بين يديه، فهذا هو يوم التلاق.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.