إسلام ويب

تفسير سورة الزمر [73 - 75]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من منن الله على عباده المؤمنين وكمال إحسانه وتفضله عليهم أن جازاهم بأعمالهم الصالحة جنات تجري من تحتها الأنهار، فأدخلهم ربهم فيها جماعة تلو جماعة، وجعل ملائكته وخزنة جنته مستقبلة لهم على أبوابها، فتسلم عليهم، وتهنئهم، وتبشرهم بالخلود الدائم في جنة الرضوان، ثم جعل حياتهم فيها هنيئة رغيدة، لا بؤس فيها ولا شقاء، فهم فيها لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يتمخطون، آنيتهم الذهب، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، فهم في نعيم دائم بفضل ربهم وكرمه وإحسانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في آخر سورة الزمر:

    وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:73-75].

    هذه الآيات الجميلة العظيمة يختم بها الله عز وجل هذه السورة الكريمة سورة الزمر، بذكر الجنة وأهلها، وكيف يدخلونها، وكيف يستبشرون فيها، وكيف يحمدون ربهم سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا [الزمر:73]، ذكر ربنا قبل ذلك أهل النار وكيف أنهم يساقون إلى النار فيدعون إليها دعاً، ساخراً منهم بقوله: هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [يس:63]، وقوله: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [الطور:14]، فهذه النار سيق أهلها إليها، فأخذوا وأدخلوا فيها، وأقحموا فيها، ودفعوا فيها دفعاً.

    ثم قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا [الزمر:73] هذا السياق غير السياق السابق، فأهل الجنة على مراتب، وتقودهم الملائكة وتسوق نجائبهم فيدخلون الجنة، وتنادي عليهم أبواب الجنة: ادخلوا من هنا، فمنهم من ينادى من باب، ومنهم من بابين، ومنهم من ثمانية أبواب، فأبواب الجنة ثمانية كما جاء في حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأبواب النار سبعة أبواب كما ذكر ذلك الله سبحانه وتعالى في كتابه.

    وقوله: (زُمَرًا) أي: جماعات.

    قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ [الزمر:73].

    قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا): أي: وصلوا إلى أبواب الجنة.

    معنى الواو في قوله تعالى: (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها)

    قوله تعالى: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) وكأنها فتحت قبل أن يصلوا، ولا تفتح الجنة إلا أن تفتح لنبينا صلوات الله وسلامه عليه، فهو أول من يدخل الجنة عليه الصلاة والسلام، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا أول من تفتح له الجنة) وهو أول من يدخلها، قال: (آخذ بحلقة الجنة فيقال: من؟ فأقول: محمد صلى الله عليه وسلم، فتقول الجنة: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك) فاستفتح ففتحت له فأول من يدخلها نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا معه.

    قوله تعالى: (وَفُتِحَتْ) أي: أن الجنة تظل مفتوحة دائماً.

    أما النار فإنهم إذا جاءوها فتحت فدخلوا فيها ثم أغلقت عليهم، وإذا جاء فوج آخر فتحت فيدخلونها ثم تغلق عليهم، فإن أبوابها مؤصدة، أما الجنة إذا فتحت فأبوابها مفتحة، ولذلك فرقت (الواو) هنا عن هناك، حيث قال في أهل النار: حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا [الزمر:71] أي: كل ما جاءها فوج تفتح فيدخلون فتغلق عليهم، ويأتي الفوج الآخر فتفتح ويدخلون، أما الجنة إذا فتحت فإنها تظل مفتوحة أبداً لا تغلق، فيأتي أهل الجنة ويجدون الأبواب مفتحة فيزدحمون على أبوابها، وليأتين عليها يوم وهي كظيظ من زحام أهل الجنة.

    فهذا هو الفرق بين ذكر أهل النار بقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ)، وذكر أهل الجنة بقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) يعني: وكانت مفتحة قبل ذلك.

    وهناك قراءتان في هذه الكلمة:

    فتقرأ: (فُتِحت) و(فتّحت)، وكذلك في النار: (فتِحت) و(فتّحت)، فقراءة: (فتِحت): هي قراءة الكوفيين عاصم وحمزة والكسائي وخلف .

    وقراءة: (فتّحت): هي قراءة باقي القراء نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب وابن عامر .

    وقال بعضهم: الواو في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) مضمر فيها معاني، فكأنه قال: حتى إذا جاءوها وفعل بهم وفعل بهم وفعل بهم وفتحت أبوابها، فهنا محذوف دلت عليه الواو هنا، وهذا من بلاغة القرآن حيث يعبر بحرف واحد عن جمل كثيرة قبلها.

    ويمكن أن يكون المراد: حتى إذا جاءوها ونقوا من مظالم كانت بينهم، وصفيت نفوسهم، وهذبوا، وطيبوا، وأخرج ما فيهم من مرض وكدر وغل وحقد، فتحت أبوابها، فأهل الجنة يمرون على الصراط فإذا وصلوا إلى الجنة حبس منهم -بعضهم أو كثير منهم- حتى يتقاصوا المظالم فيما بينهم، فيؤخذ من حسنات الظالم للمظلوم حتى يستوفي حقه، فإذا هذبت النفوس مما كان فيها دخلوا الجنة بعد ذلك.

    ومن المعاني التي فيها قول بعضهم: الواو هذه واو الثمانية، وعادة العرب أنهم إذا ذكروا أعداداً فعدوا من واحد إلى سبعة قالوا: واحد.. اثنان.. ثلاثة.. أربعة.. فإذا وصلوا إلى الثمانية قالوا: وثمانية، فهنا أبواب الجنة ثمانية، فذكرت الواو هنا دليل عليها، أو إشارة إلى ثمانية أبواب الجنة، ولقد جاء مثل هذا في القرآن في مواطن، منها ما جاء في سورة براءة قوله تعالى: التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ [التوبة:112].

    وفي سورة أخرى قال تعالى: عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا [التحريم:5]، فقالوا: هذه الواو واو الثمانية، يعني: ذكر الشيء الثامن يسبقه الواو، فهذه ثلاثة مواضع في الواو التي ذكرت هنا مع أهل الجنة.

    استقبال الملائكة للمؤمنين وتبشيرهم بالخلود

    قال تعالى: وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ [الزمر:73] أي: أهل الجنة يدخلون الجنة بالتحية والإكرام، فخزنة الجنة يقولون لأهل الجنة: سلام عليكم، وهنا التسليم من الملائكة بقولهم: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ)، يتلقاهم ربنا سبحانه وتعالى في جنته بالخير والسلام من أول أبواب الجنة، حيث تنادي عليهم الملائكة بقولهم: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ)، فتحيتهم فيما بينهم سلام، والجنة هي دار السلام.

    وقوله تعالى: (طِبْتُمْ) أي: في الدنيا بتوحيدكم الله سبحانه وتعالى، فطبتم وطابت أعمالكم فكانت خالصة لله صالحة موافقة لكتاب الله ولهدي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. والإنسان المؤمن طيب القلب كريم، ألف مألوف، طاب في الدنيا فاستحق أن يكون في الجنة.

    كذلك قوله: (طِبْتُمْ) أي: طهرتم الآن قبل دخولكم الجنة، فلا تدخلون وفيكم أخباث أو أنجاس، ولا تدخلون الجنة وفيكم بول أو غائط، إذ لا يوجد شيء من هذا، بل قد انتهى أمر ما كان في الدنيا من بول وغائط ومخاط وحيض ونفاس، فقد طابوا ونقوا وهذبوا ثم أدخلوا الجنة.

    قوله تعالى: (فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) أي: ادخلوا الجنة خالدين فيها ولا تموتون أبد الآبدين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده ...)

    قال الله عن أهل الجنة: وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [الزمر:74] أي: لما خلصوا من الدنيا، وخلصوا من الموقف العظيم، ومروا على الصراط، واستقروا في النعيم المقيم؛ حمدوا الله سبحانه وتعالى فقالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ [الزمر:74] أي: الذي وعدنا في الدنيا على العمل الصالح بهذه الجنة العظيمة الكريمة، فصدق الله وعده، إذ أعطانا ما وعدنا سبحانه وتعالى، والله لا يخلف الميعاد سبحانه.

    قال الله تعالى: وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ [الزمر:74].

    قوله: (أَوْرَثَنَا الأَرْضَ) أي: الدنيا، حيث توارثها أهلها، فذهب سلف وجاء خلف، فلم يزالوا يتوارثونها، هؤلاء يصلحون وأولئك يفسدون، وهؤلاء يعملون صالحاً، وأولئك يعملون الخبائث، فأهل الإيمان ورثوا الأرض فعملوا لطاعة الله عز وجل فيها، فعملهم هذا بوأهم أي: نزلهم من الجنة منازل عظيمة عالية، فقالوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وأورثنا قبل ذلك الأرض بعد آبائنا حيث سكنا عليها فعملنا الأعمال الصالحة.

    وقوله تعالى: (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ) أي: ثواب هذه الأعمال أن بوأنا أي: أنزلنا الله سبحانه وتعالى الجنة.

    قوله: (حَيْثُ نَشَاءُ) أي: لا يصدون عن شيء فيها، فهؤلاء في الجنة في درجة معينة، وأولئك أعلى منهم، وكل إنسان في الجنة التي جعله الله من أهلها مفتحة أبوابها، يسير فيها، ويلعب فيها، ويلهو بما يشاء، لا شيء يمنع عنه، طالما أنه دخل الجنة، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أهلها.

    1.   

    القصاص في الآخرة

    جاء في الحديث الذي رواه الإمام البخاري من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار).

    فقوله: (يخلص المؤمنون من النار) يعني: بالمرور على الصراط، وهذا قول الله عز وجل: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا [مريم:71] أي: لابد أن يمر الجميع فوق الصراط، فمنهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالبرق، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا هكذا، ومنهم من يمر كلمح البرق، وكلمح الطرف والبصر، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يجري كأسرع الناس، ومنهم من يمشي، ومنهم من يمشي مرة ويكبو مرة وتلسعه النار أخرى، حتى يمروا من فوقه، وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث.

    قوله: (فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار) أي: بعد أن يخلص المؤمنون من النار، ويمروا على الصراط يحبسون على قنطرة قبل أن يصلوا إلى الجنة.

    قال: (فيقص لبعضهم البعض) أي: لابد من القصاص بين الخلق حتى ولو خرجوا من النار أو اجتازوا الصراط، بل لابد من الوقوف على القنطرة؛ ليحصل القصاص بينهم في ذاك المكان.

    قال: (مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة) ولذلك فعلى المؤمن ألا يستهين بمعصية أبداً، ولا يستهين بمظلمة يظلمها أحداً أبداً، ولا يقول: أعمالي الصالحة كثيرة، أو أنا أعمل خيراً كثيراً، فإن ذلك لن ينفعه، حتى ولو كان من أهل الجنة؛ لأنه سيحبس عن الجنة حتى يقتص منه، وقد يكون الحبس يوماً أو أقل أو أكثر، فإن حبس نصف يوم عن الجنة فهو: خمسمائة عام، ومن حبس يوماً عن الجنة، فهو ألف سنة مما تعدون، وهذا شيء فظيع وطويل جداً! فلذلك على المؤمن أن يسارع ويعطي الحقوق لأصحابها، وألا يظلم أحداً، حتى يكون ممن يسرع بهم إلى الجنة.

    ويحكي النبي صلى الله عليه وسلم حال المؤمنين حين يدخلون الجنة فيقول: (فوالذي نفس محمد بيده! لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا!) فالجنة واسعة وعظيمة جداً، وعندما ينزل المرء في الدنيا إلى بلد لا يعرف فيها أحداً، فإنه يحتاج لدليل يدله على المكان، والجنة واسعة جداً، وهناك الملايين من البشر الذين يدخلون هذه الجنة العظيمة، فكيف سيعرف الإنسان منزله؟ وهل يحتاج إلى دليل يدله على منزله؟ الجواب: لا، فإنك كما تعرف بيتك في الدنيا فإنك تعرف بيتك في الجنة أكثر مما كنت تعرف بيتك الذي في الدنيا.

    1.   

    صفات المؤمنين وأحوالهم في الجنة

    روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أول زمرة تلج الجنة) وأهل الجنة يدخلون الجنة على شكل جماعات وزمر لا دفعة واحدة، كما قال تعالى: وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا [الزمر:73]، زمرة بعدها زمرة، وأول من يدخلون -نسأل الله عز وجل أن يجعلنا منهم وفيهم- من الزمر صورهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر) فأجمل ما يكون هؤلاء الداخلون.

    قال: (لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون) فليس فيها مما كان في الدنيا من القاذورات.

    وفي رواية أخرى قال: (لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون) أي: كلما كان من خبائث في الإنسان في الدنيا فإنه لن يوجد في الجنة منها شيء.

    يقول صلى الله عليه وسلم: (آنيتهم فيها) أي: الأطباق التي يأكلون فيها.

    قال: (آنيتهم فيها الذهب، وأمشاطهم من الذهب والفضة) أي: يمشطون شعرهم بمشط من الذهب والفضة.

    قال: (ومجامرهم الألوة) والمجامر: هي المباخر، فالمبخرة التي يتبخرون بها في الجنة هي الألوة، وهي نوع من أنواع البخور طيب الريح، ليس يشبهه في الدنيا شيء، وما في الدنيا يشبهه بالاسم فقط، وذاك أعظم منه بكثير.

    قال: (ورشحهم المسك) أي: إذا أكلوا أو شربوا خرجت منهم الفضلات على هيئة العرق رائحته المسك.

    قال صلى الله عليه وسلم: (ولكل واحد منهم زوجتان) أي: في الجنة. (يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن) مخ الشيء: أصل الشيء الذي بداخله، وكأن المعنى أن لحم الحور العين ولحم أهل الجنة غاية في الصفاء والنقاء والبياض، وغاية في الجمال وهو مثل المرآة يرى ما بداخلها!

    قال صلى الله عليه وسلم: (لا اختلاف بينهم) أي: لا يختلفون في الجنة؛ لأنهم قد نقوا من ذلك، وأيضاً في جمالهم، فلا يقال: إن فلاناً جميل وفلاناً أجمل منه، بل الكل غاية في الجمال.

    قال: (ولا تباغض) أي: ولا يتباغضون.

    قال: (قلوبهم قلب واحد) أي: على قلب رجل واحد، فهم مؤتلفون في الجنة فلا تناكر ولا اختلاف.

    قال: (يسبحون الله بكرة وعشياً).

    وفي رواية للحديث قال صلى الله عليه وسلم: (وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد).

    ففي الدنيا يختلف الناس في أشكالهم، فهناك النحيف والسمين، وهناك الطويل والقصير، وهناك الأحمر والأبيض والأسود، أما في الجنة فكلهم على هيئة واحدة غاية في الجمال، الطول مثل آدم في الهيئة التي خلقه الله عز وجل عليها، قال صلى الله عليه وسلم وهذا لفظ البخاري : (على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء) فهذا هو طول آدم حين خلقه الله، وكذلك يكون أهل الجنة على هذا الطول.

    يقول الله عز وجل في الآية: فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ [الزمر:74] أي: أنعم به من أجر لمن عمل لله، ولمن وحد الله واتقاه، ولمن اجتنب المعاصي وعمل بالطاعات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وترى الملائكة حافين من حول العرش ...)

    قال تعالى: وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ [الزمر:75] أي: في ذلك اليوم العظيم ترى الملائكة في الجنة تنظر إلى ربها سبحانه وتعالى وهناك لا يظلم أحد.

    ولقد جاء في الحديث: (ولا تضامون) أي: حين تنظرون إلى ربكم سبحانه وتعالى في الجنة لا يوجد أحد سينضم ويزاحم الناس لكي يرى ربه، بل الأمر كما تنظر إلى القمر، فكل أهل الأرض ينظرون إلى القمر وهو في مكانه، وكذلك -ولله عز وجل المثل الأعلى- لا يزدحم أحد ليرى ربه، بل كل إنسان مكانه، يطلع عليهم ربهم اطلاعاً فينظرون إليه، فهذا أعظم ما يستمتع به أهل الجنة، أن ينظروا إلى وجه ربهم، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أكثر من ينظر إلى وجه ربه يوم القيامة سبحانه.

    وقوله تعالى: (حافين) أي: محدقين محيطين حول عرش الرحمن سبحانه وتعالى، منعمين بذلك حيث أكرمهم الله بذلك سبحانه وتعالى.

    قوله تعالى: يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الزمر:75].

    أي: يتلذذون بعبادته وتسبيحه، وكذلك أهل الجنة يتلذذون بالتسبيح لربهم سبحانه، ففي الدنيا يسبح الإنسان ربه ليأخذ على ذلك الأجر، أما في الجنة فيسبح ربه ليستمتع كما يستمتع في الدنيا بالنفس، فعندما يذهب المرء إلى مكان فيه هواء طلق فيأخذ نفساً عميقاً، ويملأ صدره به، مستمتعاً بذلك الهواء، فكذلك تملأ صدرك تستمتع في الجنة بتسبيح الله سبحانه وتعالى.

    وقوله: (بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) أي: وبحمد ربهم، يسبحون وبتسبيحهم يحمدون ربهم سبحانه.

    قوله تعالى: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ [الزمر:75] أي: بين النبيين وبين أممهم، وبين الخلق فيما بينهم بالحق.

    قوله تعالى: وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:75]، فكان نعم الختام لهذه الآيات ولهذه السورة، ونعم ما يقوله أهل الجنة، ونعم ما يختم به الله عز وجل للمؤمنين من الصالحات: الحمد لله رب العالمين، فبدأ خلقه بالحمد فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1].

    وأنهى الأمر بالحمد فقال: وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الزمر:75] فيستحب للإنسان أن يبدأ عمله بحمد الله وأن ينهيه بحمد الله، فالحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.