إسلام ويب

تفسير سورة الزمر [60 - 64]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله سبحانه هو الحكم العدل فقد جعل النار مثوى المكذبين، وجعل الجنة دار المتقين، وقد بين الله سبحانه أنه هو الذي بيده مفاتيح الخزائن، فكيف يعبد معه غيره، وكيف يشكر معه سواه؟! ولذلك فقد سمى الله عز وجل من يعبد غيره جاهلاً، وإن علم من علوم الدنيا ما علم، فالعلم الحقيقي هو العلم بالله، والجهل الحقيقي هو الجهل به سبحانه.

    1.   

    الإخلاص والمتابعة

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الزمر: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ [الزمر:63-66].

    في هذه الآيات وما قبلها يدعو الله عز وجل عباده إلى التوبة والاستغفار والرجوع إليه، وأن لا يقنطوا من رحمته سبحانه؛ فإن رحمته واسعة عظيمة، قال الله تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53]، وأمرهم بالإنابة إليه فقال: وَأَنِيبُوا [الزمر:54] أي: ارجعوا إلى ربكم، وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر:54] أي: أسلموا نفوسكم ووجهوا وجوهكم وأخلصوا لله وحده لا شريك له، وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ [الزمر:54-55] فأسلموا: أخلصوا لله عز وجل، والإخلاص وحده لا ينفع حتى تتبعوا ما نزل من عند الله سبحانه وتعالى، ولذلك فإن العبادة مبناها على ركنين: ركن الإخلاص لله سبحانه، والركن الآخر: المتابعة لدين الله سبحانه، فلا يخترع الإنسان عبادة يعبد الله عز وجل بها، فالله سبحانه قد كفانا بهذا الدين العظيم بالكتاب والسنة، فعلينا أن نتعبد لله سبحانه بما شرع، وبما أنزل.

    1.   

    المبادرة بالتوبة قبل الندم

    قال الله تعالى: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر:55] أي: حتى لا تندموا يوم القيامة، أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر:56] فإذا سخر الإنسان في الدنيا وضحك ولعب فإنما يسخر من نفسه، ويوم القيامة يعرف عقوبة ذلك وعاقبته، فلذلك يقول الله لنا: احذروا أن تقول نفس يوم القيامة: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ [الزمر:56] أي: كنت أسخر من نفسي وأضحك عليها، لقد خدعتها وغبنتها، يقول الله سبحانه: ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن:9] أي: يوم القيامة.

    قال الله تعالى: أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [الزمر:57] (لو) في الدنيا تفتح عمل الشيطان، وفي الآخرة كلمة الحسرة يوم القيامة، فيفكر الإنسان كيف يخرج من النار؟ ويتمنى أنه عمل الصالحات، ويتحسر على ما فرط في هذه الدنيا، والدنيا مرة واحدة فقط، لن تكرر مرة أخرى.

    فالإنسان الذي جعله الله عز وجل يعمر هذا الكون أخبره أن الدنيا حياة واحدة، وأن الحياة الأخرى يوم القيامة، والخلود إما في الجنة وإما في النار، فالإنسان لما يجد ما قدمه حسنات يفرح ويقول: هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ [الحاقة:19-20] أي: أنا علمت في الدنيا أن الله سيحاسبني يوم القيامة فقدمت وعملت لهذا اليوم.

    قال الله عز وجل: فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:21-24] فالمؤمن يوم القيامة يخلد في الجنة فلا يموت، قال الله تعالى: لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62] والفاجر والكافر إذا وجد كتابه أخذه بيده الشمال من وراء ظهره، قال الله تعالى: وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ [الحاقة:25-26]، وهنا يذكر الله عز وجل أنه يقول: أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:58] أي: ياليتني أرجع مرةً أخرى إلى الدنيا، فأحسن أفضل الإحسان، فهذا ما يتمناه العبد يوم القيامة، وفي وقت يقال للناس: لا رجوع لكم، فقد عمرناكم في الدنيا فلم تعملوا ولم تستجيبوا، فالله يخبرنا عن هذا الموقف الذي يكون يوم القيامة، وما يكون فيه من الكافرين والعصاة حين يتحسرون ويبكون على أنفسهم في وقت لا ينفع فيه الندم، ويطلبون الاستدراك في وقت العدم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة...)

    قال الله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر:60] سود الله عز وجل وجوههم فهي سوداء، وأعينهم زرقاء، ويحشرون عمياً إلى النار والعياذ بالله.

    ومعنى: كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ [الزمر:60] أي: افتروا على الله سبحانه، وكذبوا بآياته، وقالوا: ما أنزل الله من كتاب، وما أنزل من سلطان، وما أرسل من رسول، فافتروا عليه سبحانه، ولم يؤمنوا ولم يصدقوا، فهؤلاء تكون وجوههم مسودة يوم القيامة.

    يقول الله سبحانه: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ [الزمر:60] أي: أليس فيها مكان يؤويهم ويسكنون فيه، وينزلون به، فيقيمون إقامةً دائمة مستقرة في النار؟

    قال الله تعالى: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ واسمها جهنم فهي نار بعيد قعرها تلقى الصخرة العظيمة من فوقها فلا تصل إلى قعرها إلا بعد سبعين سنة.

    وكلمة جهنم معناها: البعيدة القعر، وهي مأخوذة من قولهم: هذا بئر جهنام قعره بعيد فكذلك النار، فهي عميقة وبعيدة القعر، وأسماؤها كثيرة في القرآن، تعبر عما فيها وعن معانيها، فهي جهنم، وهي الحطمة التي يحطم بعضها بعضاً، وهي نار السعير المستعرة المشتعلة الملتهبة، والسعار من الجنون، فكأنها نار لا تبقي ولا تذر أمامها شيئاً، فأسماؤها تدل على ما يكون فيها لأصحابها.

    فقوله تعالى: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ أي: مثوى للمتكبر، فالمتكبر علا في الدنيا وارتفع على الخلق، وظن نفسه أعلى منهم، فأبى الله إلا أن يذله، ويضعه ويخفضه، فإذا به في دركات جهنم البعيدة القعر، يهوي بها هذا الإنسان المتكبر الذي تعالى على خلق الله، وتعالى على رسل الله عليهم الصلاة والسلام.

    أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ والجواب: بلى، في جهنم مثوى للمتكبرين، يحشرهم الله سبحانه وتعالى في هيئته الذر، كأمثال النمل يوم القيامة إلى النار كما جاء في سنن الترمذي قال صلى الله عليه وسلم: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صورة الرجال).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم...)

    يقول الله سبحانه: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [الزمر:61] .

    إن الله عز وجل يهلك الكفرة والمستكبرين الذين تكبروا على آيات الله سبحانه وتعالى، وعلى رسله عليهم الصلاة والسلام، فتهوي بهم النار إلى قعرها جزاءً وفاقاً، ولكن المؤمنين ينجيهم الله سبحانه وتعالى، وكأنهم لما عاينوا وخافوا في الموقف يوم القيامة، ومروا فوق الصراط حصل لهم رعب وخوف، فنجاهم الله سبحانه وتعالى من ذلك.

    وقوله تعالى: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا هذه قراءة الجمهور، وقراءة روح عن يعقوب : وَيُنْجِي اللَّهُ بسكون النون، وقوله: (بمفازتهم) هذه قراءة الجمهور، وقرأها شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي ، وخلف : بِمَفَازَاتِهِمْ على الجمع، والمفازة مصدر بمعنى: الفوز يعني: بفوزهم، وبما كتب الله عز وجل لهم من سعادة يوم القيامة بفضله وبكرمه عليهم سبحانه وتعالى فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) .

    فالجنة ثمنها غال لا يقدر العبد على دفعه، ولكن السبب إليها يسير، فإذا قيل لك: ادفع ثمن الجنة وأنت في الدنيا فلن ترض، ولن تقدر، فإذا عبدت ربك وخدمت دينك فلك الجنة التي لا تقدر على دفع ثمنها، حصلت عليها بالأخذ بالأسباب، وإذا نويت الخير وفعلته حصلت على ثوابه، وإذا لم تفعله أجرت على نيتك، فالمطلوب هو الأخذ بالأسباب، والنتيجة على الله سبحانه تبارك وتعالى، وعملك سبب لدخول الجنة، أما أن تدفع ثمن الجنة فهذا مستحيل، فالجنة العالية العظيمة الغالية تدخلها بفضل الله وبرحمته سبحانه وتعالى، وعملك لو وزن مع نعم الله عز وجل عليك فلا تكافؤ، قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا [إبراهيم:34]، وإذا عددت عملك سوف تحصيه، وإذا عددت نعم ربك العظيمة عليك فلن تحصيها، ففكر في نفسك، وما الذي فيك من أعضاء، وانظر إلى جلدك وكيف أنعم الله عليك به، وانظر إلى العين واللسان والشفتين، وإلى السلاميات والمفاصل، وإلى كل أعضائك، فهذه كلها من النعم التي أنعم الله بها عليك، ومهما عملت في الدنيا لتؤدي شكرها فلن تستطيع، إنما تؤدي شكر بعضها، أما كلها فلن تحصيها، قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:18] ، إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34]، فالله يغفر ويرحم سبحانه، والإنسان يغبن نفسه وغيره، ويجحد نعم الله عز وجل عليه.

    فيوم القيامة ينجي الله عز وجل المؤمنين بما كتب لهم من رحمته، وبسعادتهم التي سبقت عنده؛ لأن أهل السعادة ييسرون لعمل أهل السعادة، فيدخلهم الله عز وجل الجنة فائزين بفضله وبرحمته سبحانه.

    وقوله تعالى: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ أي: بما نجاهم الله عز وجل فيه من رحماته العظيمة الواسعة، وما أعطاهم من فوز يوم القيامة.

    وقوله: لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ أي: لا ينالهم ولو شيء قليل من السوء، فعبر بالمس، ولم يعبر بالاحتراق؛ ليدل على أنه لا يمسهم شيء يسوؤهم طالما أن الله كتب لهم النجاة من النار.

    قال الله تعالى: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185] وهذا الفوز العظيم عند الله سبحانه، وفي قوله تعالى: لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أنهم لا يحزنون على ماض، فهم يحمدون الله أن خرجوا من الدنيا دار الفتن والمحن، ودخلوا الوطن الحقيقي للإنسان، وهو جنة الله سبحانه تبارك وتعالى، فلا يحزنون على شيء فاتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ...)

    قال الله تعالى: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:62] أي: خالق الدنيا والآخرة، وخالق الجنة والنار، وخالق الإنسان وعمله سبحانه وتعالى، فكل شيء أوجده الله سبحانه وخلقه، أما الإنسان فلم يخلق شيئاً، وإنما يكتسب الأفعال الصالحة أو الأفعال السيئة.

    وقوله تعالى: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ فيه ما عليه سبحانه من العلو والقدرة، وأنه رقيب شهيد على أعمال العباد، وأن عليهم أن يخافوا منه سبحانه.

    فالله يرينا استعلاءه بقدرته علينا في الحفظ، والوكيل هو من يحفظ الأعمال ويحصيها تبارك وتعالى حتى يجازينا عليها يوم القيامة، فهو الوكيل الحفيظ سبحانه، الشهيد الرقيب على عباده، الذي قام كل شيء به سبحانه وتعالى، فعلى الإنسان أن يتوكل عليه ويفوض أمره إليه، ويظهر عجزه أمامه، فلا قدرة ولا حول ولا قوة لهذا الإنسان إلا به سبحانه، فهو الذي يقدر على كل شيء، وهو الوكيل القادر الذي قام به كل شيء، وهو الحي القيوم القائم على كل شيء، والذي قام كل شيء به سبحانه وتعالى، ولا شيء يقدر عليه الإنسان إلا أن يقدره الله سبحانه وتعالى عليه، فهو الوكيل الحفيظ الشهيد الرقيب سبحانه الذي دبر أمور السماوات والأرض.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (له مقاليد السماوات والأرض...)

    قال الله تعالى: لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الزمر:63] المقاليد: الخزائن، وهي مفاتيح خزائن السموات والأرض، فكل شيء له يملكه، وكل شيء تحت تصرفه سبحانه وتعالى، يأمر بقوله: كن فيكون، فالمطر يأمره سبحانه وتعالى: انزل في المكان الفلاني، فينزل في ذلك المكان، وخزائن الأرض من كنوز وغيرها يأمر بخروجها فتخرج لمن يشاء من خلقه سبحانه وتعالى وهذه الخزائن ملأى لا تغيظها نفقة، فإذا أراد الإنسان الرزق فليسأل الله سبحانه تبارك وتعالى، وسوف يعطيه رزقه، فلا أحد يقدر أن يقدم أو يؤخر من أرزاق العباد شيئاً، ولكن الله الذي يفعل ذلك، فعلى العبد أن يقطع علائقه بالخلق، فلا يتعلق قلبه بأحد من الناس، فالله سبحانه تبارك وتعالى هو الذي سيعطيه ويرزقه، وإنما عليه أن يأخذ بالأسباب، وأن يثق بالله سبحانه وتعالى، فهو الرزاق الكريم، وهو على كل شيء وكيل.

    لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ، إن الكافر طماع لا يثق بالله سبحانه ولا برسالاته، إنما يريد أن يرى أمامه الجنة وينظر إليها، فإذا رآها آمن بها، وإلا فإنه يكفر ويكذب مهما جاءته من الآيات، قال الله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24] طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون، ولا يتبعون رسل الله عليهم الصلاة والسلام، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ [الزمر:63] الذين خسروا الدنيا والآخرة مهما جمعوا من الدنيا لا بد وأن يتركوها يوماً من الأيام، فإذا جاءوا يوم القيامة وقد ضاعت منهم الدنيا كان مصيرهم إلى النار، فهذا هو الخسران المبين، الذي يبين ويفصح عن نفسه أنه الخسران الحقيقي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون)

    قال الله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ [الزمر:64]، يقول الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: قل لهؤلاء الكفرة المجرمين: أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ يخاطبهم بلهجة شديدة: أيها الجهلة! أيها الحمقاء والمغفلون! أتأمرونني أعبد غير الله؟! من إله غير الله يرزقكم من السماء والأرض؟! أأله مع الله يستحق العبادة، وهو الذي خلق ورزق، وأقررتم وأيقنتم بأنه كذلك؟ أأعبد غير الله؟ أين عقولكم أيها الجاهلون؟!

    وقوله تعالى: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي بالمد والتسكين وتسكين الياء هذه قراءة الكوفيين، وقراءة البصريين أبي عمرو ويعقوب ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف ي تَأْمُرُونِيْ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ بالياء الساكنة على قراءتهم في المد والقصر فيه، ويقرؤها نافع وأبو جعفر المدنيان: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِيَ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ، بالتخفيف وفتح الياء، وطالما فتحت الياء فلا مد فيها.

    ويقرؤها ابن كثير بفتح الياء والتثقيل: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تأمرونِّيَ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ويقرءوها ابن عامر بخلف عن ابن ذكوان : قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونني أَعْبُدُ ويمد فيها بحسب ما يمد هشام وابن ذكوان.

    وهناك قراءة ثانية لـابن ذكوان : قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ بالمد الطويل فيها، فهذه خمس قراءات في هذه الكلمة.

    وإذا وقف يعقوب على كلمة (الجاهلون) يقرؤها بهاء السكت، يقول: أَيُّهَا الْجَاهِلُونَه ، أو يقرأ: أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ .

    فهنا الخطاب للكفرة أنهم جهلوا، وإن كانوا قد علموا أشياء، كما قال الله سبحانه وتعالى: يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الروم:7] فهذا علم الكفار، يعلمون من علوم الدنيا، كعلم الطب والفلك والبحار، فيعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا أما الغيبيات فلا يريدون أن يعرفوها، ولا يريدون أن يعرفوا مصيرهم بعد الموت، وهذا هو الجهل الحقيقي، فعلمهم لا يتجاوز هذه الدنيا التي يعيشون فيها فترة وجيزة، ويتغافلون عن الحياة الأبدية في الآخرة، فالجاهل حقيقة هو الذي ترك أخراه وطلب دنياه، وضيع العلم الحقيقي، وأخذ ظاهراً من الحياة الدنيا.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.