إسلام ويب

تفسير سورة الزمر [53 - 55]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله عز وجل بعباده أن دعاهم إلى التوبة والرجوع إليه، ففتح لهم أبواب رحمته، وناداهم بألطف النداء، ونسبهم وأضافهم إليه سبحانه ليقبلوا عليه، وليسلموا له وجوههم وقلوبهم؛ لينالوا الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، وحذرهم من التجافي عن هذا النداء، وبين سوء عاقبة ذلك، وكل ذلك رحمة بهم ليعودوا إليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ولا تقنطوا من رحمة الله ...)

    الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

    فقال الله عز وجل في سورة الزمر: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر:53-55].

    هذه الآيات في آخر ربع من هذه السورة الكريمة سورة: الزمر، يقول الله عز وجل لعباده: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53] وهذه من أرجى الآيات التي في كتاب الله سبحانه تبارك وتعالى، وقولنا: أرجى، من الرجاء، أي: الآية التي يرجو بها العباد مغفرة الله، ويرجون من ورائها رحمة الله سبحانه تبارك وتعالى. ومن آيات الرجاء في غير هذه السورة:

    قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] أي: أن الإنسان إذا وحد ربه سبحانه بالتوحيد الخالص، ولم يشرك بالله سبحانه، فيرجى له أن يغفر الله سبحانه تبارك وتعالى.

    ومنها: قول الله سبحانه تبارك وتعالى في سورة الأعراف: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:156-157].

    فبهذه الآيات يرجو العباد رحمة الله سبحانه تبارك وتعالى، ولا ييئسون من رحمة الله، فإنه لا ييئس، ولا يقنط من رحمة الله سبحانه إلا القوم الكافرون، ولا ييئس من رحمة الله إلا القوم الخاسرون، الذين خسروا الدنيا والآخرة، أما المؤمن فلا ييئس أبداً من رحمة الله سبحانه، حتى وإن وقع في الذنوب فإنه سرعان ما يتوب، ويرجع إلى الله؛ لأنه يعلم أن له رباً يأخذ بالعفو، ويغفر الذنب سبحانه تبارك وتعالى.

    وفي الآية خطاب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن: قُلْ يَا عِبَادِيَ [الزمر:53] أي: خاطب عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم، وظلموا أنفسهم، وتجاوزوا في أمر الطاعة، فتركوا من طاعة الله ما تركوا، كالهجرة في سبيل الله سبحانه تبارك وتعالى، ففتنوا حين فتنهم المشركون، فأخبرهم أنهم إذا تابوا إلى الله؛ فإن الله يتوب عليهم.

    وسبق أن هذه السورة سورة مكية، وكان نزول هذه الآية لسبب سيأتي بيانه، وإن كان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولكن السبب يقيناً داخل في معنى الآية عموماً.

    سبب نزول قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم...)

    جاء عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لما اجتمعنا على الهجرة استعدت أنا وهشام بن العاص بن وائل السهمي وعياش بن أبي ربيعة بن عتبة، فقلنا: الموعد أضاة بني غفار، أي: أن عمر رضي الله عنه أراد أن يهاجر هو وهشام بن العاص بن وائل ، وعياش بن أبي ربيعة بن عتبة بن أبي ربيعة، فتواعد الثلاثة على مكان اسمه: أضاة بني غفار ليلقى بعضهم بعضاً هناك، ثم يهاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد سبقهم إلى المدينة صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم لبعض: من تأخر منا فقد حبس، فليمض صاحبه. أي: أنه من تأخر منهم عن هذا الموعد ليعلم الباقون أن الكفار قدروا عليه وأمسكوه، فلا ينتظروه، ولينصرفوا مهاجرين إلى المدينة.

    قال عمر : فأصبحت أنا وعياش بن عتبة ، وحبس عنا هشام بن العاص - وهو أخو عمرو بن العاص رضي الله عنه - وإذا به فتن فافتتن، أي: أن الكفار أخذوه إلى أبيه العاص بن وائل السهمي ، فأخذ ابنه وفتنه عن دينه ففتن، ورجع إلى ما كان عليه من الكفر.

    وبعد أن هاجر عمر وعياش إلى المدينة تاركين هشاماً بعد أن فتنه المشركون، ورجع إلى ما كان عليه المشركين أو وافقهم فيما هم فيه، يقول عمر رضي الله عنه: فكنا نقول بالمدينة: هؤلاء قد عرفوا الله عز وجل وآمنوا برسوله صلى الله عليه وسلم، ثم افتتنوا لبلاء لحقهم، فلا نرى لهم توبة، أي: بعدما عرف هؤلاء الإسلام، وعرفوا دين النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجعوا إلى الكفر بعد أن فتنهم الكفار، فلا توبة لهم، قال عمر : وكانوا هم أيضاً يقولون ذلك، كأن من فتن من المسلمين، ورجع إلى ما كان عليه من الكفر، وطاوع الكفار لا توبة له.

    يقول عمر رضي الله عنه: فأنزل الله عز وجل: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    ثم قال عمر : فكتبتها بيدي، أي: فرح عمر بذلك وكتبها بيده، قال: ثم بعثتها إلى هشام ، قال هشام : فلما قدمت علي هذه الآيات خرجت بها إلى ذي طوى، فقلت: اللهم فهمنيها! وكأنه لم يفهمها، فأخذها وخرج إلى مكان خالٍ يتفكر فيها ويدعو ربه سبحانه، فصدق مع الله سبحانه تبارك وتعالى ففهمه إياها، قال هشام : فعرفت أنها نزلت فينا، فرجعت فجلست على بعير، ثم لحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: أنه هاجر إلى المدينة، وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان، فقال في عمرو بن العاص وأخيه هشام بن العاص : (إنهما مؤمنان) رضي الله عنهما، فهذا الرجل فتن فافتتن، ثم أنزل الله عز وجل هذه الآيات، فتاب وهاجر إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    ويذكر ابن عباس رضي الله عنهما سبباً آخر فيقول: كان قوم من المشركين قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فبعثوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لنا توبة؟ أي: هذا الذي جئت به كلام عظيم - والقرآن كله كلام عظيم - فإذا كان لنا توبة دخلنا معك، وإن لم يكن لنا توبة فعلام ندخل في الدين، ونحن معذبون؟! فإذا بالله عز وجل ينزل هذه الآيات العظيمة: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:53].

    أيضاً قوله سبحانه في آخر سورة الفرقان: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63] ، إلى أن قال عز وجل: وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70] ففرحوا بهذه الآيات، ودخلوا في دين الله تائبين إليه سبحانه تبارك وتعالى.

    الجمع بين قوله تعالى: (إن الله يغفر الذنوب جميعاً) وقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به)

    قال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53] فقوله سبحانه في الآية: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) إطلاق، وقد جاءت آية أخرى مقيدة لهذه الآية وهي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [النساء:48] فكأن الآية الأولى وهي قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:53] تدل على أن الله يغفر الذنوب جميعاً بما فيها الكفر، والشرك بالله سبحانه قبل وفاة العبد، فإذا تاب العبد من الكفر والشرك تاب الله عز وجل عليه وغفر جميع ذنوبه، ودلت الآية التي في سورة النساء، - وسورة النساء مدنية - وهي قوله سبحانه تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] على أن العبد إذا توفي على الشرك والكفر فلا يغفر له ذلك، أما من مات وقد اجتنب الشرك، ووقع في المعاصي فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه سبحانه تبارك وتعالى، لكنه من الموحدين وهو سيدخل الجنة بإذن الله.

    دعوة الله لعباده إلى العودة إليه

    يقول الله سبحانه: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر:53] نادى الله عباده بقوله: يا عبادي! وقد شرفهم بأن أضافهم إليه سبحانه تبارك وتعالى، والمعنى: هؤلاء عبادي أنا خلقتهم، وأنا التواب الرحيم، فأتوب عليهم.

    قوله: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الزمر:53] هذه قراءة الجمهور ومنهم: نافع وأبو جعفر وابن كثير وابن عامر وعاصم ، بفتح الياء في قوله: (يا عبادي).

    وباقي القراء يقرءونها: قل يا عباديْ الذين أسرفوا على أنفسهم بسكون الياء في قوله: يا عباديْ.

    وقوله: لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53] فيها قراءتان: الأولى: بالفتح، فتقرأ هكذا: (لا تقنَطوا)، أي: لا تيئسوا من رحمة الله سبحانه، وهذه قراءة الجمهور.

    وقراءة البصريين: أبي عمرو ويعقوب والكسائي وخلف : لا تقنِطوا من رحمة الله بالكسر، وكلاهما بمعنى اليأس من رحمة الله سبحانه تبارك وتعالى.

    وفي الآية يبشر الله سبحانه هؤلاء ويفتح لهم باب الرحمة، بل أبواب رحمته سبحانه تبارك وتعالى، فيقول لهم: لا تيئسوا مهما وقعتم في الذنوب، أو فعلتم من المعاصي، فمن تاب إلى الله فالله يتوب عليه؛ لأن رحمته سبحانه واسعة لا يقنط منها أحد، قال تعالى: لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53].

    ذكر معنى اسمي الله الغفور والرحيم

    بين سبحانه سعة عفوه ومغفرته فقال: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:53] الغفر بمعنى: الستر والتغطية، ومنها: المغفر، وهي: الحلقات من الحديد التي يلبسها المقاتل، ليتقي بها سيوف الأعداء، يستر نفسه بالحديد، والله الغفار سبحانه، والغفور، وغافر الذنب، وكلها من أسمائه الحسنى سبحانه وتعني: الذي يستر الذنب، ويغطيه، ويكفر سيئات العبد فيمحوها تبارك وتعالى، ثم بين سبحانه أنه لا يستثني ذنباً فقال: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا [الزمر:53] والآية تدل على مغفرة جميع الذنوب حتى الكفر بالله سبحانه والشرك به فإنه يغفره، طالما تاب العبد من الكفر، ومن الشرك ؛ لأنه هو الغفور الرحيم، ولم يكتف بقوله: (إن الله يغفر الذنوب)، بل جاء بالتأكيد فقال: (جميعاً)، أي: كل الذنوب يغفرها سبحانه، وزاد المعنى تأكيداً بقوله: (إنه هو الغفور)، أي: الذي يستر الذنوب ويكفر السيئات، ويمحوها، بل ويبدلها حسنات، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (فرحيم) صيغة مبالغة من الرحمة، فهو الرحمن، وهو الرحيم سبحانه، وكلا الاسمين عظيم وجميل.

    فالرحمن: رحمته لجميع خلقه، فهو يرحم الجميع، ومن رحمته لجميع خلقه سبحانه: أن ترفع الدابة حوافرها عن ابنها كي لا تقتله، فهو سبحانه تبارك وتعالى يجعل الرحمة في قلوب الإنس، وفي قلوب الجن، وفي قلوب الدواب، وفي قلوب كل ما خلق سبحانه.

    والرحيم: الذي يرحم المؤمنين سبحانه، قال تعالى: وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:43] أي: يرحمهم في الدنيا فيهديهم، ويرحمهم في الآخرة فيستر ذنوبهم، ويكفر سيئاتهم، ويدخلهم جنته سبحانه تبارك وتعالى، وكأن صفة الرحيم، تختص بالمؤمنين يوم القيامة بأنه لا يعذبهم سبحانه، وأنه يرحمهم ويدخلهم جنته سبحانه تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ...)

    وجه الله المؤمنين بالإنابة والرجوع إليه فقال: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ [الزمر:54] وهو أمر للمؤمنين خصوصاً، وللعباد عموماً بالإنابة إليه، وأناب بمعنى: رجع، والمعنى: ارجعوا إلى ربكم، ارجعوا إلى طاعة ربكم، ارجعوا إلى الخضوع والاستسلام لله سبحانه تبارك وتعالى.

    قوله: وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر:54] أسلم نفسك، أي: سلم نفسك لربك سبحانه تبارك وتعالى، ولا يثبت قدم الإسلام إلا على التسليم والاستسلام لله رب العالمين، فلكي تثبت على دين الإسلام، لا بد أن تسلم فيه نفسك، ووجهك، وقلبك لله سبحانه تبارك وتعالى، وتقول: أنا مسلم. أي: أسلمت نفسي لربي، فليحكم فيّ بما يشاء سبحانه وتعالى، وكما ينبغي أن تسلم لقضاء الله وقدره سبحانه تبارك وتعالى، فعليك أن ترضى وتذعن وتخضع لله وأحكامه سبحانه تبارك وتعالى، فإذا أمر تطيع، وإذا نهى تنزجر وتنتهي.

    فلا يتحقق الإسلام إلا بالاستسلام والإذعان والخضوع لله سبحانه، ولذلك المؤمن حين يقول: أنا مسلم. لا بد أن يفهم هذه الكلمة التي فهمها الكفار، فقد فهم الكفار ما هو دين الإسلام، وفهموا معنى: لا إله إلا الله، أي: أنه لا معبود بحق إلا الله، وهذه الكلمة يجهلها الكثير من المسلمين، بل إنك عندما تسأل أحد المسلمين: ماذا تعني كلمة: لا إله إلا الله؟ تجد من يقول لك: إن معناها: أن الله هو الذي خلقنا، والله الذي رزقنا، ويعدد بعض أفعال الله سبحانه، وهذا كلام معناه صحيح، فالله هو الذي يرزق، وهو الذي يخلق، لكن ليس ذلك هو معنى: لا إله إلا الله، بل لو قال الإنسان: لا رب إلا الله، لم يدخل في دين الإسلام، بل سيظل كافراً حتى يقول: لا إله إلا الله، إذ إن معنى الرب: الذي يفعل، والكافر لا يخالف في ذلك، بل يقر أن الله يفعل ما يشاء، ويقر أن الله يحكم، وأنه يدبر أمر السماء والأرض، وأنه يرزق عباده، وأنت عند قولك: لا رب إلا الله، تقر فقط أنه لا يفعل هذه الأشياء إلا الله، ولم ينكر أحد ذلك إلا الملحدون، فإنهم كذبوا بذلك وأنكروا، أما كفار أهل الجاهلية، عباد الأوثان والأصنام، فقد سئلوا من خلقكم؟ فقالوا: الله، وسئل بعضهم: كم تعبد يا فلان؟ فقال: سبعة من الآلهة، واحد في السماء، وستة في الأرض، فقيل: من الذي ترجوه لنفعك وضرك؟ قال: الذي في السماء! ولذلك علم أن أمر الربوبية لم يختلف فيه الكفار، وشهد الله على الجميع بأن في قلوبهم ما يثبت ذلك، فقال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87].

    إنما وقع الخلاف بين الرسل وقومهم في إفراد الله بالعبادة، إذ إن الإله بمعنى: المعبود، فحين تقول: لا إله إلا الله. فأنت تقر أنك لن تتوجه بالعبادة إلا إليه وحده، وهذه هي التي خالف فيها المشركون ورفضوا أن يقولوها تعنتاً وبغياً وكبراً وحسداً للنبي صلى الله عليه وسلم، فهم لم يخالفوا أنه لا رب إلا الله، وإنما خالفوا في أنه لا إله إلا الله؛ لأن مقتضى هذه الكلمة فعل من العبد، بخلاف الربوبية لله عز وجل، فإن مقتضى الربوبية أفعال من الله سبحانه، ولا أحد يخالف أو ينكر أفعال الله، أما مقتضى ألوهيته سبحانه، فهي أفعال من الخلق، وبيان لما يجب أن نعمل لهذا الخالق، ولذا جحد الكفار فقالوا كما أخبر الله عنهم: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5] أي: إنما نعبد آلهة كثيرة، ولا نعبد إلهاً واحداً، وإنما رفضوا أن يعبدوا إلهاً واحداً؛ لأنهم لو عبدوا إلهاً واحداً، سيكون إلهك أنت يا محمد! وحينها سيكون لك النهي والأمر وحدك، وتتفرد بالشرف وحدك، وهم لا يرضون بهذا الشيء.

    فكان هذا الذي من أجله خالف الكفار النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال لهم: قولوا: لا إله إلا الله. وقد حدث أنه اجتمع أبو جهل ومن معه من زعماء قريش عند أبي طالب وشكوا له النبي صلى الله عليه وسلم، فكان مما قالوا: إنه يسب آلهتنا، ويسفه أحلامنا. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: (إني أدعوكم إلى قول كلمة واحدة، تدين لكم بها العرب والعجم قالوا: كلمة واحدة! بل نحن نقول لك عشر كلمات. قال: قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: أما هذه فلا).

    فقد فهم الكفار منها ما لم يفهمه الكثير من المسلمين اليوم، بل إنك عندما تسأل الكثيرين لماذا تقول: لا إله إلا الله؟ ما الذي تعرفه عن هذه الكلمة؟ تجد أنه لا يعرف شيئاً عن معنى: لا إله إلا الله!

    وحين فهم الكفار معنى: لا إله إلا الله، قال قائلهم: أنترك كل الآلهة ونعبد إلهاً واحداً نتوجه إليه، ونصلي له، ونصوم له، ونزكي له، ونحج له، فاعلين ما يأمرنا، مجتنبين ما ينهانا عنه؟! أي أنهم فهموا من: لا إله إلا الله: ألا نعبد شيئاً إلا الإله الواحد سبحانه تبارك وتعالى.

    ولذا يُفهَم من قوله سبحانه: وَأَسْلِمُوا لَهُ [الزمر:54] أي: توجهوا إليه وحده سبحانه تبارك وتعالى، مستسلمين له، مسلمين بقضائه وقدره، راضين به أنه الرب، وأنه الذي يعبد وحده لا شريك له، فلا تعبدوا أحداً مع الله ولا من دون الله سبحانه.

    وقد أردف هذا الأمر بوعيد فقال سبحانه: وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ [الزمر:54] ففي الآية تهديد ووعيد للمشركين والعصاة المجرمين: أن ارجع إلى ربك، قبل أن ينزل بك العذاب من عند رب العالمين، وأكد ذلك فقال: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ [الزمر:54].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم...)

    قال سبحانه: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزمر:55] حين يأتي العذاب من الله سبحانه لا ينصرك أحد، فأردف تلك الأوامر بالعودة إلى الله والرجوع إليه بما يؤكدها فقال: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الزمر:55] إن الله قد أنزل من السماء كتباً كثيرة، فأنزل التوراة، وأنزل الإنجيل، وأنزل الزبور، وكان أحسن ما نزل من عنده سبحانه القران العظيم، فأمر باتباع هذا القرآن الذي نسخ الشرائع التي كانت قبله كلها، وهو الكتاب الخاتم.

    وقوله سبحانه: مِنْ رَبِّكُمْ [الزمر:55] تذكير بالربوبية فلم يقل: من إلهكم؛ لأن إلوهية الله تتجلى عندما يأمر بعبادته، أما الربوبية فيذكرها عندما يذكر صفاته سبحانه تبارك وتعالى، أو أفعاله سبحانه تبارك وتعالى، وبما أنه خلق فهو الذي يُشِّرِع، وهو الذي يحكم سبحانه، إذ إنه هو الرب سبحانه تبارك وتعالى، ومن مقتضيات ربوبيته: أنه يعلم ما في خلقه، وما يحتاجون إليه، وما الذي يصلح حالهم، فينزل شريعة من السماء تتناسب مع ما يصلحهم، فكان القرآن العظيم هو ما اختاره لنا وأمرنا باتباعه فقال: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ [الزمر:55]، كما أن الذي خلقكم والذي يشرع لكم ما تنتفعون به يعلم سركم وجهركم قال سبحانه: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الملك:14].

    وكسابقتها من الآيات فقد أردفها بالوعيد والتهديد فقال سبحانه: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً [الزمر:55] فقد ذكر في الآية الأولى قوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ [الزمر:54] أي أنه إذا جاء العذاب فلا يستطيع أحد أن ينتصر من الله سبحانه، ولا أن يغالب ربه سبحانه.

    وفي الثانية ذكر أنه إذا جاء العذاب فجأة، أي: أنك لا تشعر إلا والعذاب نازل عليك فقال سبحانه: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً [الزمر:55] أي: فجأة، وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا [الزمر:55-56] أي: حين ينزل العذاب يصيح المفرط والجاحد: يَا حَسْرَتَا والمعنى: احضري يا مصيبتي! أو يا تحسري! ولا ينفعهم التحسر إذا نزل العذاب من عند رب العالمين.