إسلام ويب

تفسير سورة الزمر الآية [53]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أمر الله نبيه أن ينادي من أسرف على نفسه بالمعاصي والذنوب وتابع نفسه وهواه ألا يقنط من رحمة الله الواسعة العظيمة، فإن الله لا يتعاظمه ذنب، فهو يغفر الذنوب كلها صغيرها وكبيرها عظيمها وحقيرها لمن تاب إليه وأناب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الزمر:

    قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].

    في هذه الآية يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن عظيم رحمته سبحانه وأنه يغفر الذنوب جميعاً، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.

    والقرآن مليء بآيات رحمة الله رب العالمين سبحانه، وأيضاً فيه ما يبين شدة بطشه وانتقامه وبأسه وعذابه سبحانه وتعالى، فيذكر الرحمة والعذاب؛ حتى لا ييئس الإنسان المذنب من رحمة رب العالمين، وحتى لا يطمع الإنسان المسيء في رحمته سبحانه ويتناسى عذابه؛ فيقول: إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج:12-16]، فبطشه شديد وهو الغفور الودود سبحانه وتعالى.

    وقال: نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ [الحجر:49-50]، وقال: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ [الرعد:6]، فالله سبحانه ذو مغفرة للناس مع ظلمهم ومع إساءتهم، ومع ذلك هو شديد العذاب على من يسيء ولا يتوب إلى الله سبحانه وتعالى.

    يقول الله سبحانه: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر:53]، رحمة الله واسعة لمن تاب إلى الله سبحانه وتعالى، فلا تغتر بأنه غفور رحيم، ولا تيئس من رحمة ربك، فالمؤمن بين أمرين: بين الخوف من ذنوبه وعقوبتها وبين رجاء رحمة الله سبحانه وتعالى ومغفرته للذنوب، وإذا رجا العبد رحمة الله وخاف من عذابه، كان أهلاً لأن يرحمه الله وأن ينجيه من عذابه، وإذا اغتر الإنسان برحمته وترك ما دل على أنه يعذب بالذنب ويأخذ به سبحانه وتعالى وتناسى، فأساء في الدنيا وأسرف على نفسه وعصى الله سبحانه، واستهان بعقوبته سبحانه؛ فإنه مستحق لعذاب رب العالمين سبحانه وتعالى، حتى ولو كان ممن يحفظون القرآن، ويجاهدون في سبيل الله طالما أنه وقع في الاستهانة بعذاب الله سبحانه، وطالما أنه عمل لغير الله وليس لله سبحانه، فراءى في الدنيا وسمع وانتظر المدح من الناس، ولن ينتفع بشيء من الذي كان يفعله.

    فالإنسان المؤمن يخلص لله سبحانه ويتابع كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ويخاف من عذاب الله ويرجو رحمة الله، وهذا هو الذي يستحق المغفرة من الله سبحانه وتعالى.

    وهذه الآية نزلت في العهد المكي، فكان النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه يعملون ويخافون من الله سبحانه، ولا يشركون به، وكانوا قلة، ومع ذلك كان سبحانه وتعالى يأمرهم: توبوا إلى الله سبحانه.. اعملوا من الصالحات.

    وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وبقي كثير من المسلمين في مكة ممن كانوا يكتمون الإسلام ولا يقدرون على الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فمنهم من استطاع ثم رجع وفتن، كما جاء في الحديث: أن هشام بن العاص فعل ذلك، ثم نزلت هذه الآيات على النبي صلوات الله وسلامه عليه وكأن هذه الآية من هذه السورة نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة والسورة مكية، ولا يمنع أن تكون السورة مكية وينزل بعضها في المدينة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كانت لهذا السبب فتكون نزلت في المدينة، ولا يمنع أن تكون نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، ثم نزل بها جبريل مرة أخرى على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة يذكره بهذا الحكم.

    وقد هاجر عمر رضي الله تبارك وتعالى عنه إلى المدينة، وأراد عياش بن ربيعة وهشام بن العاص أن يهاجرا، فاستطاع عياش أن يهاجر مع عمر ولم يستطع هشام بن العاص فأخذه أهله وفتنوه فافتتن، فلما نزلت هذه الآية كتب بها عمر إلى هشام بن العاص فقرأها فعلم أن له توبة، فهاجر فكان من المؤمنين بعد ذلك رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن) فهم ناس من أهل الجاهلية أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له: هذه الدعوة دعوة جميلة، وهذا الدين دين عظيم، ولكن نحن قتلنا في الجاهلية، ووقعنا في الفواحش، فلو أخبرتنا أن لنا توبة لدخلنا في هذا الدين، فنزل قوله تعالى: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا [الفرقان:68-70]، فالله سبحانه وتعالى جعل لهم ما يكفر عنهم هذه السيئات وهو أن يتوبوا، ويدخلوا في دين الله عز وجل، فإذا فعلوا ذلك تاب الله عز وجل عليهم.

    ونزلت: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ).

    وهذه السورة مكية فقد نزلت بمكة وهذه الآية منها أو أن بعض الآيات نزلت بعدما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فألحقت بالسورة، أو أنها نزلت كلها في مكة ثم جاء جبريل ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الآيات في هؤلاء الذين لم يهاجروا وفتنوا ثم أرادوا أن يهاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتلاها النبي صلى الله عليه وسلم فتذكرها عمر وأرسل بها إلى هشام بن العاص ، فراجع نفسه وهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتاب إلى الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    الأدلة على سعة رحمة الله

    الأحاديث التي جاءت في رحمة رب العالمين كثيرة جداً، وهي تدل على رحمته سبحانه لمن أذنب وأسرف على نفسه ثم راجع نفسه فتاب إلى الله سبحانه وتعالى.

    ومن هذه الأحاديث ما رواه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري وهذا لفظ الإمام مسلم وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟!).

    والراهب هو العابد من النصارى، وكون الإنسان عابداً، لا يشترط أن يكون عالماً، فقد يكون الإنسان كثير العبادة لكنه يجهل كثيراً من أحكام رب العالمين، فلما ذهب إليه هذا الإنسان المذنب المسرف على نفسه وقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟

    (قال: لا، فقتله فكمل به المائة!) وهذا حال اليائس من رحمة الله سبحانه: فلسان حاله يقول: طالما أنني ليس لي توبة، فسوف أقتلك أيضاً، فقد قتلت تسعة وتسعين نفساً فلا يضيرني أن أكمل المائة!

    (ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟) إن هذا إنسان شرير ولكن في نفسه ما يدفعه إلى الخير، وما يدفعه إلى التوبة وهو يريد أحداً يدله على أن يتوب إلى الله.

    (فقال له العالم: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء) فهذا الإنسان الشرير كان في أرض فيها أشرار، يساعد بعضهم بعضاً على الشر، لذلك الذي يتوب لا بد أن يمتنع عن مرافقة الأشرار الذين كان معهم قبل ذلك، أما إنسان يقول: أنا تائب وهو لم يزل مع رفقائه الذين كان يمشي معهم كقطاع الطريق وأهل الإدمان وأهل المخدرات، فهذا لا يدل على توبته، فإن التائب يقلع عن ذلك، ويبتعد عن رفقاء السوء؛ لأنهم يغوونه ويردونه إلى ما كان فيه، فهذا العالم قال له: من يحول بينك وبين التوبة؟! ولكن أنت مع أناس أشرار، فأقلع عن الشر وابتعد عن أهل الشر، واذهب إلى الأرض الفلانية فإن فيها أناساً صالحون، فاعبد الله معهم.

    فالرجل تاب إلى الله عز وجل وترك هؤلاء وهاجر إلى البلاد الأخرى ليعبد الله. (فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب) عندما هاجر من الأرض التي فيها أشرار وهو تائب توبة صادقة، ودليل توبته أنه خرج من أرضه إلى أرض أخرى؛ ليعبد الله عز وجل فيها، فلما نصف الطريق، مات فجاءت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب يختصمون، يعني: يجادلون. (قالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله) فهذه نية التائب إلى الله. (وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم) هذا كله من الله عز وجل ليرينا سبحانه وتعالى أنه غفور رحيم، وتختصم الملائكة ليرينا أنهم لا يعلمون الغيب، وأرسل الله عز وجل إليهم من يحكم بينهم ليرينا سبحانه وتعالى أن الحكم له وحده، وأن الملائكة لا تقدر أن تحكم في شيء إلا أن يعلمهم الله سبحانه وتعالى، والملائكة تخاف من ربها سبحانه، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [الأنبياء:27] فجاء هذا الملك في صورة آدمي يفصل بين ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. (فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوا) هذا لفظ الإمام مسلم .

    وفي لفظ الإمام البخاري : (أنه لما أدركه الموت ناء بصدره نحوها) أي: وهو يموت انحرف بصدره شيئاً لكي يقترب من أرض الرحمة.

    وفي لفظ آخر: (أن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى الأرض أن تضايقي من هاهنا واتسعي من هاهنا) يعني: تباعدي من أرض العذاب، وتقاربي من أرض الرحمة وكله بيد الله سبحانه، فالعبد عبده والأرض أرضه والسماء سماؤه والملائكة ملائكته سبحانه وتعالى، وهو بهذا يرينا رحمته.

    (فقاسوا ما بين الأرضين فكان أدنى إلى الأرض التي أراد وهي أرض الرحمة، فقبضته ملائكة الرحمة).

    وهذه الحادثة أراد بها الله سبحانه أن يرينا رحمته العظيمة سبحانه، فإذا كان العبد الذي قتل مائة نفس له توبة، فكيف بغيره؟! فمن تاب تاب الله عز وجل عليه، ولكن لا ننسى أبداً أن التوبة لا بد فيها من الصدق، فالتوبة ليست كلاماً، يقول الإنسان: أنا تبت إلى الله عز وجل، بل لا بد من صدق القلب؛ ولذلك هذا العبد لما أراد أن يتوب وذهب إلى الراهب يأسه الراهب من التوبة، فمن قهره على أنه حرم من التوبة قتل الراهب أيضاً، فهو قتل تسعة وتسعين نفساً؛ لأنه إنسان شرير وغير صالح، فلما دله العالم على أن له توبة، تاب إلى الله فصدق، فنفعته التوبة.

    فإن قيل: والذين قتلهم ما مصيرهم؟ الجواب: لا يضيعون عند الله عز وجل، ولكن الله الحكم العدل سبحانه، خزائنه ملأى، والله بيده الرحمة وبيده العذاب، عفا عن هذا وأعطى هؤلاء، إذا كان في الدنيا الإنسان الذي يقتل له قتيل له أن يأخذ الدية ويعفو عن القاتل، فكيف بالآخرة والكل يحتاج إلى جنة الله وثواب الله ورحمة الله، فالله يرضي هؤلاء، بقوله: أعذب هذا أو أدخلكم الجنة، فالإنسان يقول: أدخلني الجنة، ماذا سأستفيد من عذاب هذا الإنسان؟ فيعطيه الله سبحانه وتعالى برحمته الواسعة، فالإنسان الذي يفعل الذنب له توبة إذ تاب إلى الله، وصدق في توبته، أما الإنسان الذي يحتال.. ويكذب.. ويخدع إنما يخدع نفسه ولا يضر ربه شيئاً سبحانه وتعالى.

    فعندما نأخذ أحاديث الرحمة لا ننسى ما جاء في عذاب الله سبحانه وتعالى، فالمؤمن بين الخوف وبين الرجاء.

    ومن الأحاديث العظيمة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في التوبة، ما رواه الإمام الترمذي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي).

    (ما دعوتني) يعني: طالما دعوتني، ورجوتني سأغفر لك، فالعبد الذي يكثر من الدعاء: يا رب! اغفر لي، يا رب! تبت إليك، ويؤنب نفسه ويحاسبها، يقول له ربه: أغفر لك طالما عرفت أنك مخطئ وتبت إلي، فإذا تاب العبد إلى الله تاب الله عز وجل عليه.

    (يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي) الله عظيم سبحانه وتعالى ولا يتعاظمه ذنب، وكونه يغفر لعبده فإن ذلك لا يضره شيئاً.

    ومهما عملت من المعاصي وتبت إلى الله سبحانه وتعالى غفر لك ذنوبك حتى لو كانت قد بلغت عنان السماء. (يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب) (بقراب): أي بملء. (الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) إذا جاء العبد تائباً إلى ربه سبحانه موحداً له عالماً به وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فإن الله يتوب عليه مهما عمل، فالتوبة الصادقة جزاؤها من الله المغفرة.

    ومن الأحاديث العظيمة الجميلة في هذا المعنى ما رواه الإمام مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو أنكم لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم، لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم) أي أن ابن آدم كتب عليه نصيبه من الوقوع في المعصية، (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

    ومن أسماء الله الحسنى: الغفور لمن يعصي ربه سبحانه، فلا بد أن يحقق مقتضى هذا الاسم من أسمائه.

    ومن أسمائه الحسنى الرحيم الذي يرحم خلقه سبحانه وتعالى؛ ولذلك جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل: (قال: أذنب عبد ذنباً، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي) وعندما تقع في الذنب، بادر بالتوبة إلى الله عز وجل، واعترف بذنبك وتقصيرك، وتحلل ممن أسأت إليه، ورد المظلمة إلى أصحابها، وارجع إلى ربك سبحانه، فلما رجع العبد إلى ربه سبحانه قال تبارك وتعالى: (أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به) (علم) بمعنى: استقين أن الله يحاسب على الذنب؛ لذلك تاب، فلما تاب غفر الله له سبحانه، (ثم عاد فأذنب ذنباً)، وكل بني آدم خطاء، الإنسان قد يقول: أنا تائب إلى لله من هذا الذنب ولن أعمل هذا الذنب مرة أخرى، وبعد ذلك يغلب عليه شقاؤه فيقع في الذنوب، ثم يراجع نفسه فيتوب إلى الله عز وجل، فهذا أذنب مرة ثانية. (فقال: أي ربي!) يعني: يا ربي!. (اغفر لي ذنبي، فقال الله تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنباً فعلم أنه له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب ذنباً، فقال: أي ربي! اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك!)، فرحمة الله وسعت كل شيء، وطالما تاب العبد إلى الله، واستيقن أنه سيعذبه عليه أن يرجع ويتوب توبة صادقة إلى الله سبحانه، فلا ييئس ولا يقنط من رحمة الله، بل يبادر بالتوبة إلى الله، فإن الله يغفر الذنوب سبحانه وتعالى؛ لذلك يجب على المؤمن أن يراجع نفسه دائماً، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها).

    فعندما تعمل السيئة أتبعها مباشرة بحسنة حتى تمحو هذه السيئة، أما أن الإنسان يقع في الإساءة ويظلم الخلق، ويقع في الذنوب كبائرها وصغائرها وبعد ذلك يستهين ويقول: الله غفور رحيم، فهذا لا يدخل تحت هؤلاء؛ لأن العبد قال: يا رب! رجعت إليك، تبت إليك، أنا أذنبت ذنباً، اغفر لي؛ فالله عز وجل يغفر له؛ لأنه رجع إلى ربه تائباً.

    والنية في قلب الإنسان والصدق في قلبه لا يطلع عليه إلا ربه سبحانه، فإن صدق العبد في توبته تاب الله عز وجل عليه وإلا فهو تحت المشيئة، نسأل الله من فضله ورحمته فإنه لا يملكها إلا هو.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2987084735

    عدد مرات الحفظ

    716321497