إسلام ويب

تفسير سورة الزمر [30 - 38]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكَّر الله تعالى عباده بحقيقة لابد أن يصل إليها كل مخلوق وهي الموت، وبعد الموت الوقوف بين يدي الله سبحانه، وذكر الله تعالى أنه لا أظلم ولا أكذب من الذي يفتري على الله تعالى ويكذب بالقرآن والسنة، أما الذي يصدقهما فهو مع المتقين في جنات النعيم، وذكر الله تعالى أن الله تعالى كافٍ عبيده وناصرهم على أعدائهم؛ ولذا فإن عباد الله تعالى لا يخافون إلا منه جل شأنه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون)

    الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، وعلى آله وصحابته والتابعين وسلم تسليماً كثيراً.

    ثم أما بعد:

    يقول الله تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30] المعنى: إنك ستموت، ففي الآية الإخبار بما سيكون، ولا أحد يفر من الموت، وأيضاً منها التحذير من تضييع العمل الصالح في هذه الدنيا، فإذا كنت ستموت فاعمل ليوم تبعث فيه ويجازيك الله سبحانه على ما قدمت فيه، فهو خبر للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره من الخلق حتى يعملوا لهذا اليوم الذي يرجعون فيه إلى ربهم يوم القيامة، قال تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين:6]، ويوم يجزيهم الله سبحانه تبارك وتعالى ويختصم أهل الخصومات بعضهم مع بعض، فالمؤمنون مع الكفار، والمطيعون مع العصاة، والظالم والمظلوم، وكل إنسان له خصومة مع الآخر، فالله سبحانه الحكم العدل الذي يحكم بين عباده بالحق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون)

    قال تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر:31] فيجادل بعضكم بعضاً، ويتكلم بعضكم مدافعاً عن نفسه، والإنسان يدلي بالحجة في الدنيا وقد تكون صدقاً أو كذباً، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعضه).

    وقد يخدع الإنسان القاضي بما يقوله من زور ومن شهود زور، أما يوم القيامة فلا أحد يكذب على الله، وإن كذب فضحه الله سبحانه تبارك وتعالى. فالمنافق قد يكذب يوم القيامة ويظن أنه يهرب من الله سبحانه وأنه يخدعه في الآخرة، ولكن الله يفضحه ويختم على فيه فينطق جسد الإنسان بما كان يعمل في الدنيا، ويظهر في يوم القيامة من هذا الإنسان الكلام الذي كان يخفيه في الدنيا فيبديه الله عز وجل على جوارحه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه ...)

    يقول لنا ربنا سبحانه: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ [الزمر:32].

    والجواب: لا أحد أظلم من الذي كذب فافترى على الله فزعم أن لله الولد والصاحبة، وزعم أن الله لم يرسل رسوله ولم ينزل كتابه.

    ويكذب بالصدق، أي: بالقرآن وبالحديث اللذين جاءا من عند الله.

    ويقول تعالى: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ أي: أليس هو في هذه النار الموقدة البعيدة القعر؟!

    وكلمة جهنم: مأخوذة من قولهم: البئر الجهنام والمعنى: البعيد القعر السحيق جداً، فنار جهنم مستعرة وقعرها بعيد وسحيق.

    ومثوى: مكان إقامة يثوي فيه أصحاب النار، أي: يخلدون فيها.

    والمعنى: أليس فيها مكان يقيم فيه الكافرون الذين جحدوا ربهم سبحانه، وجحدوا ما جاء من عند الله وافتروا عليه الكذب؟

    والجواب: بلى، فيها مثوى ومحل إقامة لمن كفر بالله سبحانه.

    أما الذي جاء بالصدق من عند الله سبحانه وصدق به فله جزاؤه وأجره عند الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون)

    يقول سبحانه: وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [الزمر:33] أي: جبريل جاء بالحق وهو القرآن، فقد نزل به من السماء على النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذه من جبريل وبلغه للخلق، وأخذه المؤمنون من النبي صلى الله عليه وسلم، وتوارثوا ميراث النبوة وهو الدعوة إلى الله فبلغوا الآخرين، فكل من بلغ كتاب الله سبحانه فقد جاء بالصدق وبالحق من عند الله سبحانه تبارك وتعالى.

    ومن عمل بمقتضى هذا الذي بلغه من عند الله سبحانه فإنه من المتقين.

    والمتقون هم الذين اتقوا غضب الله سبحانه، والذين ينجيهم الله من عقوبته يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين)

    يقول الله سبحانه: لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ [الزمر:34] الأتقياء الذين صدقوا بكتاب ربهم سبحانه وعملوا به وبلغوا الآخرين، لهم ما يشاءون في جنات الخلود، وهذا الأجر الحسن والعظيم جزاء لهؤلاء المحسنين، الذين آمنوا واتقوا ربهم وأحسنوا، قال سبحانه: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60].

    فالله سبحانه يعطيهم جناته ويكفر عنهم سيئاتهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ...)

    يقول تعالى: لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا [الزمر:35] ليكفر: اللام للعاقبة، أي: تكون عاقبة هؤلاء أن يكفر الله سبحانه تبارك وتعالى عنهم أسوأ ما عملوا، وأسوأ ما وقعوا فيه هو الشرك بالله سبحانه، فكانوا مشركين قبل أن يأتيهم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا مكذبين جاحدين، فلما جاءهم القرآن العظيم آمنوا وصدقوا، فالإسلام يَجبُّ ما قبله، فالله يكفر عنهم أسوأ ما وقعوا فيه من الشرك بعدما أسلموا.

    ومعنى: لِيُكَفِّرَ أي: ليمحو عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ فأسوأ ما يكون من أشياء وقعوا فيها من الشرك بالله فقد كفرها الله سبحانه، وباقي الذنوب يكفرها الله عنهم من باب أولى، بل من فضله ورحمته يبدل هذه الذنوب إلى حسنات، فالله عز وجل رءوف بعباده ولطيف بهم سبحانه، يكفر عنهم أسوأ الذنوب وهو الشرك بالله سبحانه، ثم يبدل سيئاتهم حسنات من فضله ورحمته سبحانه ويدخلهم الجنة.

    قال سبحانه وتعالى: وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ فالإنسان يعمل الحسنة ويتمنى لو أنه زاد عليها، فانظر إلى فضل الله سبحانه، فمثلاً: إنسان يريد أن يتصدق بعشرة جنيه فلم يجد إلا جنيهاً واحد فتصدق به، فإذا بالله يعطيه على نيته أجر العشرة الجنيه، فهذا أحسن الذي كانوا يعملون.

    ولذلك فالمؤمن يتمنى من ربه ما يشاء، ويحب الصالحين، ويحب أن يكون معهم، فالله يعطيه أحسن ما يتمناه هذا العبد، لذلك فالنبي صلى الله عليه وسلم يطمع المؤمنين في ربهم فقال: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى من الجنة، فإنه أعلى الجنة وأوسطها وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)، فإذا سألت ربك فلا تطلب أدنى الأشياء، ولكن اطلب أعلى ما يكون، واستعذ بالله من عذابه ومن ناره واسأل الله الجنة، فإذا سألت ربك الجنة فإنه يمن عليك بها.

    ولذلك جاء في حديث للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة) فإذا سألت ربك: اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أسألك الجنة، فإن الجنة تقول لله سبحانه تبارك وتعالى: رب أدخله الجنة (ثلاثاً).

    وإذا تعوذت بالله من النار ثلاث مرات: اللهم إني أعوذ بك من النار، اللهم إني أعوذ بك من النار، اللهم إني أعوذ بك من النار، فإذا بالنار تطلب من الله سبحانه أن ينجيك منها، فتقول: اللهم نجه مني، اللهم أعذه مني، اللهم أجره مني.

    وفي حديث آخر: (من سأل الله الجنة في يوم سبعة مرات ...) فمن سأل الله سبع مرات أن يدخله الجنة، فإن الجنة تدعو الله سبحانه أن يدخله فيها، فإذا كنت أنت تدعو والجنة تدعو لك والملائكة يستغفرون لك فهذا فضل الله عظيم وكبير، ولا يهلك على الله إلا هالك بأن يدخل النار ويستحقها، وذلك إذا كانت الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بسيئة واحدة فالذي يدخل النار فإنه قد خالف الله سبحانه وما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، فأفرط على نفسه وأسرف وضيع عمره هباء فيستحق ما وقع فيه، نسأل الله العفو والعافية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أليس الله بكاف عبده ...)

    قال الله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍُ [الزمر:36] أليس الله يكفي عبده وينصره ويمنعه من أعدائه ويدفع عنه الشرور؟ أليس الله بقادر على ذلك؟

    و(عبده) يدخل فيه كل عبد لله سبحانه، فالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم والمؤمنون الذين يتبعونهم بإحسان كلهم عبيد لله.

    فيقول الله سبحانه: أليس الله كافي هؤلاء وحسبهم سبحانه تبارك وتعالى فيكفيهم شرور الخلق؟ والجواب: بلى.

    وهذه فيها قراءتان: قراءة حمزة والكسائي وخلف وأبي جعفر (أليس الله بكاف عباده) على الجميع.

    وقراءة الإفراد لباقي القراء أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ والمعنى واحد، فعبد جنس، والجنس يدخل فيه الواحد والاثنين والجماعة، فالقراءة الأولى ترجع للقراءة الثانية في المعنى، وهو أن الله يكفي جميع عباده سبحانه، فكل من اتقي الله يقيه الله سبحانه تبارك وتعالى الشرور ويدافع عنه، قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38].

    قال تعالى: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [الزمر:36] الكفار يخوفون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالشركاء الذين عبدوهم من دون الله، ويحذرون النبي صلى الله عليه وسلم من أنه إذا شتم الأصنام فإنها ستعذبه وستخذله وستفعل به كذا، فهؤلاء الذين من دون الله لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.

    وقد جاء في الأثر أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أتسب آلهتنا؟! لئن لم تكف عن ذكرها لتخذلنك، أيْ: ستتسلط عليك وستخليك، أو لتصيبنك بسوء، وجاء أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل خالداً ليكسر العزى وهو تمثال للكفار، قال الله سبحانه: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى [النجم:19-20].

    فهذه آلهة عبدوها من دون الله سبحانه، فاللات: اسم محرف للفظ الجلالة الله، وسموا اللات آلهة وأنثوها وعبدوها من دون الله.

    والعزى: كانت شجرة يعبدونها من دون الله سبحانه تبارك وتعالى، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم خالداً ليقطعها، فلما ذهب إليها وأمسك بالفأس ليقطعها قال له السادن: أحذرك منها يا خالد من أن تعمل فيك فإن لها شدة ولا يقوم لها شيء، وأراد أن يخوف خالداً من الشجرة التي يعبدونها من دون الله ويحذره منها وهذا ما يقوله الكفار في كل زمان، حين يعبد الناس غير الله سبحانه يظنون في أنفسهم أن هذا الذي يعبدونه ينفع ويضر، فيحذرون من ينكر عليهم كمن ينكر عليهم عبادة القبور، فيزعمون أن السيد فلاناً سيعمل كذا وكذا، ويزعمون أشياء فيكذبون على الله سبحانه تبارك وتعالى، ويخوفون أنفسهم بأشياء باطلة.

    فهؤلاء أقوام قد ماتوا لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً فكيف يملكون لغيره؟ ولكن القلب إذا خرب إذا بصاحبه يهرف بما لا يعرف، فيتكلم بالأشياء الكاذبة فيقول: هذا سيدي فلان سيعمل فيك كذا، وإذا قلت لأحد هؤلاء المشركين: احلف إنك ما عملت كذا، يقول: والله ما عملت كذا وهو كاذب، وحين يقال له: احلف بسيدي فلان، فيقول: لا أحلف، فهو لا يخاف من الله سبحانه تبارك وتعالى، فيحلف كذباً بالله، فإذا حلف بسيدي فلان يخاف منه، وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عن غيره، كذلك كان هؤلاء المشركون يعبدون أصناماً صنعوها ومع ذلك يخافون منها ويخوفون النبي صلى الله عليه وسلم بها.

    قال الله سبحانه تبارك وتعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:36] أين ذهبت عقول هؤلاء حين عبدوا هذه الحجارة التي كسروها وصنعوا منها هذه التماثيل؟! فأضلهم الله فهم لا يهتدون، فأهل الشرك ذهبت عقولهم فلا يدركون ولا يفهمون فيعبدون مالا ينفعهم ولا يضرهم!

    فالله هو الذي يهدي وهو الذي يضل سبحانه تبارك وتعالى، فتجد الإنسان عقله كبيراً وقوياً في أمور الدنيا فهو عالم في الذرة أو عالم في كذا وكذا، وفي أمور الآخرة متحير لا يعرف من يعبد هل يعبد الطبيعة أو كذا؟ وترى الناس في اليابان عقولهم عقول جبارة، وربنا جعل فيهم آيات عجيبة جداً، ومع ذلك تلاقي أحد الأطباء يذهب إلى المعبد من أجل أن يعبد من دون الله مالا ينفعه ولا يضره، فيأخذ جرساً ويذهب به إلى المعبد من أجل أن يوقظ الإله، فهذا الإله الذي هو محتاج إلى من يوقظه محتاج إلى غيره!

    قال الله تعالى: مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ أي: من أضله الله من الكفار طمس النور الذي في العقول فإذا بهم لا يفكرون ولا يفهمون، ومن يهديه ويدله على الصواب إذا أضله الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن يهدي الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام)

    قال الله سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ [الزمر:37] إذا هدى الله عز وجل عبداً من عباده لا يقدر أحد أن يضله وإن اجتمع عليه الثقلان.

    وقال تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ [الزمر:37] فالله عزيز سبحانه تبارك وتعالى، قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82]، فإذا قال له: كن فلابد أن يكون ما أراده الله، فهو العزيز الغالب القاهر الذي لا يغالب ولا يمانع أبداً، ويأمر بالشيء ولازم أن يكون هذا الشيء على ما أراده الله سبحانه تبارك وتعالى.

    أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ والجواب: بلى، الله عزيز وينتقم ممن يعصيه وممن يغضبه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله ...)

    قال تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر:38] بين تعالى أن هؤلاء الذين يعبدون الأصنام من دون الله مقرون في أنفسهم بأن الخالق الله، ومع ذلك عبدوا غيره، فهذه الأصنام لا تخلق ولا ترزق فالذي يخلق ويرزق هو الله.

    والشيطان سول للكافرين وزين لهم أن يعبدوها لتقربهم إلى الله تعالى، فجاءهم من باب التواضع أن لا يعبدوا الله تعالى مباشرة وإنما بواسطة الأصنام إذ قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3].

    قال الله سبحانه: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر:38].

    الكفار يقرون بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله سبحانه تبارك وتعالى، ولا أحد من الكفار يعترض على ذلك، فإن اعترض كان كذاباً وأظهر الله سبحانه كذبه على لسانه، فهذا النمرود لما قال: أنا أحيي وأميت فضحه الله حالاً أمام أتباعه، إذ قال له إبراهيم: فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ [البقرة:258] أي: فإن كنت تزعم إنَّ مقامك مقام الربوبية وأنت الذي يخلق ويرزق فأت بالشمس من المغرب! فبهت الذي كفر وافتضح أمام أتباعه وأشياعه.

    فمقام الربوبية لم يدعها إلا اثنان : النمرود وفرعون، ففرعون زعم أنه ربهم الأعلى، فأغرقه الله ثم قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فأهلكه الله وأغرقه سبحانه.

    والذي يزعم أنه إله فليبدل النجوم من مكانها، وليأت بالشمس في الليل إلى غير ذلك من الآيات الكونية التي لا يتحكم بها إلا الله.

    والإنسان لا يستطيع أن يدعي لنفسه الربوبية فيقول أنه الخالق، ولكن يدعي الألوهية فيقول: اعبدوني من دون الله، سواء صرح بذلك أو لم يصرح، فيجعل التقديس لنفسه ويتوجه إليه غيره بالطلبات فيطلب منه ويعبده ويبجله ويقدسه من دون الله سبحانه تبارك وتعالى.

    فهنا قال الله سبحانه: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: هذه الآلهة التي تتوجهون إليها بالعبادة إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ وقراءة الجمهور (أَرَادَنِيَ) وقراءة حمزة (أَرَادَنِيْ) بالسكون.

    وقوله تعالى: هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ على الإضافة، والأصل: هل هن كاشفات يكشفن الضر الذي يريده الله عز وجل بكم؟ وهذه فيها قراءتان: قراءة الجمهور على إضافة اسم الفاعل، وكذلك قوله تعالى: هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ والقراءة الثانية قراءة أبي عمرو ويعقوب هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتٌ ضُرِّهِ على أن اسم الفاعل منون قام مقام الفعل وما بعده مفعولاً به، وكذلك قوله تعالى: هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتٌ رَحْمَتِهِ، والمعنى: الذي تعبدون من دون الله إذا أراد الله بعباده أن ينزل عليهم من بأسه ومن بطشه هل تقدر هذه الآلهة أن تمنع ذلك؟ فالجواب: لا تقدر، ولو أراد الله أن يفتح رحمة على من يشاء من عباده المؤمنين هل تقبل هذه الآلهة أم تمنع رحمة الله؟ الجواب: لا تقدر على ذلك، فإذا كانت الآلهة لا تملك ولا تقدر فالله وحده لا شريك له هو حسبي وكافيّ، وهو الكافي سبحانه، وهو الذي يدافع عني وهو الذي ينصرني.

    قال تعالى: قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ [الزمر:38] فيفوض المؤمنون أمورهم إلى الله، ويعتمدون عليه وحده لا شريك له، فهو وكيلهم وهم يبرءون من الحول والقوة إلا بالله سبحانه وهذا معنى لا حول ولا قوة إلا بالله.

    نسأل الله أن يجعلنا من المتوكلين عليه أحسن التوكل.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.