إسلام ويب

تفسير سورة الزمر [23 - 31]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كل إنسان سيحاسب وحده يوم القيامة، فيسأل عن أعماله وما اقترفته يداه، وقد أخبرنا الله عز وجل في كتابه الكريم عن هذه الحقيقة، وبينها في كتابه أعظم بيان، وأخبر سبحانه أن عاقبة الأعمال السيئة الخزي في الدنيا والآخرة، فعلى المسلم أن يحذر المعاصي، ويعلم أنه ملاق ربه، ومؤاخذ على جميع أعماله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الزمر: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ * كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر:24-31].

    لما أخبر الله سبحانه تبارك وتعالى أنه نزل أحسن الحديث وهو هذا القرآن العظيم كتاباً متشابهاً يشبه بعضه بعضاً في الحسن والجمال والبلاغة والفصاحة والصدق، أخبر أن المؤمنين يستمعون إلى هذا القرآن فتقشعر جلودهم من خوفهم من ربهم سبحانه تبارك وتعالى، ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:23]، ذلك الذي يحدث لهم.

    وذلك القرآن العظيم الذي جاء من عند ربهم هدى من الله، يهدي به سبحانه عباده إلى تقواه سبحانه تبارك وتعالى، كما قال سبحانه: ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ، فالهدى بيد الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء.

    وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ أي: الذي يضلله الله سبحانه فلن يجد من يهديه إلى صراط الله سبحانه تبارك وتعالى.

    ثم قال تعالى: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ هذا قسم منه سبحانه وتعالى، والقرآن كلام الله رب العالمين سبحانه، وقد نزل بلغة العرب، وكان العرب يحذفون بعض المعاني من كلامهم إذا فهمت من الكلام، فكأن الله يقول هنا: أهذا الذي يتقي بوجهه سوء العذاب كمن ينجو من عذاب الله سبحانه؟ وهل يستوي هذا مع هذا؟ وترك لنا أن نفهم باقي هذه الجملة. وهذا من فصاحة القرآن العظيم، أن يعبر بالشيء على أشياء.

    فقال: أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ ، وتخيل هذا الإنسان الذي يتقي في الدنيا العذاب، ويتقي في الدنيا السوء بيده، فلو أن هذا الإنسان وجد أمامه ناراً لدفعها بيده، فإنه يدفع بيده الشيء ليصرفه عن نفسه، ويتقيه بوجهه، وأشرف ما في الإنسان وجهه، ولذلك نهينا شرعاً عن ضرب الوجه، سواء كان المضروب مسلماً أو كافراً؛ لأن الله عز وجل كرم وجه ابن آدم.

    ولكن هذا الإنسان الذي كفر بالله سبحانه تبارك وتعالى، وأعرض عن ذكر الله، وأهان أولياء الله يستحق أن يهان يوم القيامة، فإنه يدفع بوجهه -وهو أشرف ما فيه- عن نفسه العذاب، فيداه مغلولتان إلى عنقه، فلا يقدر أن يدفع عن نفسه العذاب بكفه، وقد سميت الكف كفاً؛ لأن الإنسان يكف عن نفسه الشر بها، ويدفع بها عن نفسه.

    ويوم القيامة لا يقدر الإنسان أن يدفع عن نفسه بيديه؛ لأنهما قد كتفتا ووثقتا، فلا يقدر أن يدفع إلا بوجهه.

    فيلقى هذا الإنسان في النار، وقد غلت يداه إلى عنقه، فلا يقدر أن يدفع النار إلا بأشرف ما فيه وهو وجهه، فهل هذا الذي يتقي سوء العذاب ويتقي النار بوجهه يستوي مع المؤمن الصالح الذي يدخل الجنة؟

    أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كهذا الإنسان المؤمن الذي دخل الجنة؟

    الجواب: لا، لا يستوي أبداً الكافر مع المؤمن، ولا يستوي العاصي مع المطيع، ولا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النار.

    قال تعالى: وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ، وأيضاً يقال للكافر: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ، فقد كنت في الدنيا تظن نفسك عزيزاً، وتتعزز على أهل الإيمان، وتظن بنفسك أنك كريم على قومك، وأنهم ينصرونك، ولا يسلمونك إلى العذاب، فأين ذهب ذلك وأنت الآن في النار؟! يقال هذا لـأبي جهل ومن كان معه، فإن أبا جهل زعم في الدنيا أنه أكرم على قومه من أن يتركوه، وأنهم يدافعون عنه، وقال: إذا دخل النار فإن قومه يدافعون عنه. ويأتي أبو الأشدين ويقول: أنا أصرف عنكم النار، وسأقف على باب النار وأضع يدي الاثنتين عليها، فلا أحد يستطيع أن يدخل النار، وسأمنعكم منها!

    فيقال لهم يوم القيامة: ذوقوا ما كنتم تكسبون أي: ما كسبتم في الدنيا من شر ومن كفر ومن أعمال سيئة، فذوقوا ما كنتم تكسبون، وما كذبتم في الدنيا وقلتم: لا ينفعكم الآن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون)

    قال تعالى: كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ [الزمر:25]، أي: ليس هذا التكذيب شيئاً جديداً عند هؤلاء القوم، فقد كذب الذين من قبلهم، وقد أذاقهم الله عز وجل سوء صنيعهم وسوء تكذيبهم بعذاب في الدنيا قبل الآخرة.

    قال تعالى: فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ وكم أُخذ آمن من مأمنه! فهم ظنوا أنهم آمنون، وظنوا أنهم في مأمن من مكر الله سبحانه، فجاءهم العذاب في مأمنهم الذي كانوا فيه، كما قال تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40] وقال هنا: كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ .

    فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ أي: الذل والهوان والفضيحة في الدنيا، فقد أخزاهم الله سبحانه تبارك وتعالى، وأذلهم وعاقبهم بهذا الخزي في الدنيا.

    قال تعالى: فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ أي: هذا الذي ذاقوه في الدنيا شيء يسير من عذاب الله سبحانه، وأما عذاب يوم القيامة فهو أشد وأقوى، ولا يستطيعون أن يصرفوا عن أنفسهم عذاب الله لا في الدنيا ولا في الآخرة.

    وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، كأن فيها معنى تحسر العباد على أنفسهم. أي: لو كان يعلمون علماً ينفعهم ما وقعوا في الكفر بالله سبحانه تبارك وتعالى، ولكن كان علمهم علماً لا يتجاوز آذانهم ولا يدخل إلى قلوبهم، ولو كانوا يعلمون حقيقة هذا الأمر لما كفروا بالله، ولما عصوا ربهم سبحانه تبارك وتعالى، ولاتقوا هذا العذاب الذي عند الله سبحانه، ولكن سوء صنيعهم أورثهم النار يوم القيامة، وأورثهم الذل والهوان والخزي في الدنيا، والعذاب في الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ...)

    قال تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [الزمر:27]، فالله الكريم سبحانه تبارك وتعالى نزل هذا الكتاب قرآناً عربياً غير ذي عوج بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ أي: واضح يبين عن نفسه، ويفصح عن معانيه، ويوضح مبانيه. و(مبين) اسم فاعل، فتقول: هذا مبين، أي: مفصح، يبين ما فيه. فالقرآن واضح، والكلام الذي فيه أيضاً واضح، فإذا قال: (احذروا النار)، فلا أحد يشكل عليه هذا المعنى. وإذا قال: (اعملوا للجنة)، فلا أحد يشكل عليه هذا المعنى. فالقرآن بين وواضح وجليّ، وكل إنسان يفهم من كتاب الله سبحانه ما يريده الله سبحانه منه أن يفهمه من الأحكام.

    فقد ضرب الله في هذا القرآن أمثالاً بأشياء صغيرة وبأشياء كبيرة، فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا [البقرة:26]، فالبعوضة الصغيرة يضرب بها المثل، ويتأمل الإنسان ويتعجب مما ذكر الله عز وجل في القرآن من أمثال! فإذا كان الإيمان في قلبه انتفع بهذه الأمثلة، وعمل بمقتضى ما يذكر الله سبحانه. وإن كان لا يفهم، ولا إيمان في قلبه فيقول: ماذا أراد الله بهذا المثل؟ فلماذا يذكر الله البعوضة؟ ولماذا يذكر الذبابة؟ ولماذا يذكر العنكبوت؟ قال تعالى: وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [إبراهيم:25] أي: لعلهم يتفكرون في هذه الأمثال، ويعرفون قدرة الله سبحانه تبارك وتعالى، ويعرفون ما يريده الله وما يراد بهم.

    قال تعالى: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ أي: كل مثل من الأمثال التي تنفعهم ذكرناها لهم في كتابنا، لعلهم يتذكرون لِمَ خلقهم الله سبحانه؟ فيتفكرون في ذلك فيعملون، ويتذكرون فلا ينسون ما يراد منهم وما يراد بهم، ويذكرون الله سبحانه تبارك وتعالى فيعتبرون ويتبصرون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون ...)

    قال تعالى: قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر:28] قد شرف الله العرب بأن أنزل القرآن بلغتهم، قرآناً عربياً، كما قال تعالى: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ . وقال هنا: غَيْرَ ذِي عِوَجٍ أي: لا يوجد فيه إشكال ولا اختلاف، فلا يشكل على من يقرؤه، وإنما يفهم ما يريده الله سبحانه تبارك وتعالى فيه، فلا تضاد فيه، ولا خلاف، وإنما قرآن عربي بلسان عربي مبين كما قال تعالى: قُرآنًا عَرَبِيًّا [الزمر:28].

    والقرآن فيه قراءتان في كل القرآن، قراءة ابن كثير (القران، قران، قراناً)، وقراءة باقي القراء بالهمزة (القرآن، قرآن، قرآناً).

    فيقول الله سبحانه بأن هذا القرآن قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ أي: لا اختلاف فيه ولا تضاد، وليس فيه حكم يناقض حكماً آخر، وإنما الله سبحانه يشرع لعباده ما ينتفعون به في هذا القرآن، فإذا قرأ العبد المؤمن هذا القرآن انتفع بما فيه، وإذا أشكل عليه شيء رده إلى الله وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفهم منه ما يريد، ورده أيضاً إلى أهل العلم فيفهمونه ما يشكل عليه.

    لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر:28] أي: غضب الله سبحانه، فيعملون بطاعته، فينجون من النار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون ...)

    قال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:29].

    وقد قال قبل ذلك: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ ، فكأن هذا توطئة لما يذكره هنا، وتقدمة لما يذكره هنا، فهذا مثل من الأمثال.

    فقوله: رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ . الرجل هنا عبد يملكه مجموعة من الناس، فالعبد الذي يملكه رجل واحد هل يستوي مع عبد يملكه مجموعة من الناس؟

    فتفكروا في ذلك، فإن الله عز وجل يقول: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ، والمشاكسة: صعوبة الخلق، واختلاف التضاد، والإنسان الذي يريد الخلاف يسمى مشاكساً، وإنسان شكس أي: يحب الخلاف. فلو أن مجموعة أخلاقهم صعبة ومختلفة، وبعضهم ينقض بعضاً، ويكيد لبعض ملكوا عبداً واحداً فإن هذا يقول له: اعمل كذا، والثاني يقول له: لا لا تعمل هذا الشيء، وإنما اعمل كذا، ويقول الثالث: لا اذهب إلى المكان الفلاني الآن.

    فيبقى هذا العبد متحيراً متخبطاً، أيسمع كلام هذا أو يسمع كلام هذا؟ فكلهم يملكونه! فهو محتار ينفذ كلام مَنْ مِن هؤلاء المتشاكسين؟!

    وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ أي: يملكه رجل واحد، والقراءة الأخرى: سالماً لرجل ، يعني: عند واحد يسلم به هذا الواحد ويسلم نفسه إليه، وخالص لهذا الواحد.

    والمعنى على القراءتين: رجلاً سالماً لرجل ، ورجلاً سلماً لرجل أنه خالص لواحد يملكه، فهذا الواحد إذا رآه متعباً أراحه، ثم استعمله بعد ذلك.

    وأما الشركاء المتشاكسون فلا يهمهم تعبه، وإنما يهمهم أن ينفذ الذي يريدونه؛ لأن لكل أحد حصة فيه، فهل يستوي هذا مع هذا؟ لا، فالذي يملكه رجل واحد مستريح؛ لأنه لا تضاد في الكلام، ولا توجد صعوبة في الأخلاق، فهو واحد يملكه واحد، وأما من يملكه مجموعة فإنه يكون متحيراً مضطرباً لا يعرف كيف يتصرف مع هؤلاء.

    ولله عز وجل المثل الأعلى، فهل هذا الإنسان الذي يعبد الله وحده لا شريك له يستوي مع من يجري به هواه فيعبد الشياطين والأصنام، ويعبد آلهة من دون الله؟ لا، وإنما هذا مضطرب متحير، لا يعرف ما الذي يريده، فيذهب إلى سدنة الأصنام، فهذا يقول له: اعمل كذا، وهذا يقول له: اعمل كذا، وهذه الأصنام هم الذين خلقوها بأيديهم وصنعوها. فهل يستوي من يعبد الله مع من يعبد هذه الأصنام، ويعبد خلق الله سبحانه تبارك وتعالى؟ لا يستوون.

    فالذي يعبد الله قد استراح، وعرف ربه سبحانه، وعرف ما الذي يريده الله عز وجل منه، فمشى في طريق الله سبحانه.

    وأما الذي يعبد أصناماً وأنداداً من دون الله سبحانه فهو متحير متخبط، فهو يعبد هذا الصنم الآن، ثم يعبد غيره، عندما يجده لا ينفعه؛ لأن الشياطين والسدنة تتلاعب بهذا الإنسان، فهذا يأمره بشيء، وهذا يأمره بشيء، وهذا يأمره بشيء، فهو مضطرب متحير، فلا يدري أهذا الإله أفضل أم هذا أفضل؟ فإذا كان في الحضر عبد صنماً، وإذا كان مسافراً صنع صنماً آخر يعبده في سفره، فإذا رجع إلى الحضر رمى الصنم الذي كان يعبده في السفر وعبد الآخر! فهو متحير مضطرب لا يدري أين الحق، فهل يستوي هذا مع هذا الذي عبد الله وحده لا شريك له؟

    يقول الله سبحانه وتعالى: هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ أي: احمدوا ربكم على توفيقه لكم، وعلى أن أرشدكم وهداكم أن تعبدوه وحده لا شريك له كما قال تعالى: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ، فيطمئن قلب المؤمن لأنه عبد الله وحده لا شريك له، فالله الذي خلق كل شيء هو الذي يستحق العبادة وحده، والمؤمن يستشعر أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، فيستشعر الله الكبير، الله العظيم، الله الجليل، الله الرحيم، فيعبد ربه؛ لأنه يستحق العبادة وحده.

    وأما الكافر فقلبه متحير مضطرب، لا يعرف أين الحق والصواب؟ وهو يعرف أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، ومع ذلك يعبدها! فإذا سئل: لماذا تعبدها وهي لا تنفع ولا تضر؟! لم يكن له حجة إلا أن يقول: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22]، ومستحيل أن يكون آباؤنا يعملون شيئاً خطئاً! فهو يمشي على ما كانوا يمشون عليه، وهو مضطرب متحير لا يعرف أين الحق والصواب! قد أضله الله سبحانه تبارك وتعالى.

    فيا أيها المؤمن! احمد الله، واثن على ربك الثناء الحسن الذي يستحقه سبحانه، على أن هداك ودلك على طريقه سبحانه وعلى طريق جنته.

    الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ [الزمر:29] أي: أكثر الخلق لا يَعْلَمُونَ [الزمر:29]؛ ولأنهم لا يعلمون فهم يتبعون الهوى، ويتبعون الشياطين ولا يعرفون طريق الحق، حتى وإن بصروا به لم يدخل في قلوبهم نور الإيمان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون)

    ثم يقول الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30].

    فربنا هدى المؤمنين وسيموتون بعد ذلك ويدخلون الجنة، فهم لن يعمروا في هذه الدنيا، كما قال تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ، فالإنسان المؤمن يعيش في هذه الدنيا، وهو يعرف أنه سيموت يوماً من الأيام، كما قال تعالى: إِنَّكَ مَيِّتٌ ، وميت معناه: الشيء الذي هو حي الآن فإنه متوقع له ذلك. بخلاف: (ميْت) بالتخفيف، فإن معناه: أنه قد مات، وبخلاف مائت الذي هو وصف للإنسان الذي يموت، فهو مائت. وميت صفة مشبهة باسم الفاعل، بمعنى: أنه الآن حي وسيأتي عليه الموت بعد ذلك. ولذلك يقول هنا للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ مَيِّتٌ أي: حي الآن لكن توقع الموت، ولابد أن يأتي عليك هذا الموت. إِنَّكَ مَيِّتٌ وهم أيضاً سيموتون: وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ .

    وسورة الزمر سورة مكية، وقد قال الله عز وجل فيها للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ مَيِّتٌ ، وهو في مكة. ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم كأن المسلمين نسوا هذه الآية وما عرفوها، فلم يستحضروها، حتى عمر رضي الله عنه بدأ يخلط في الكلام من شدة وقع هذا الأمر على نفسه، وكان يقول: ما مات! وإنما هي أربعون يوماً، وسيرجع لكم مرة أخرى، فجاء بشيء ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم، ولا قاله أحد قبل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قال هذا مع شدة الاندهاش والتحير من وقع المصيبة عليهم، فبدءوا يتكلمون بكلام لا يفهم، حتى ثبتهم الله الكريم سبحانه بـأبي بكر رضي الله عنه، فتلا عليهم هذه الآية، والآية الأخرى، فقال للناس: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا [آل عمران:144].

    فذكر لهم هذه الآية، وهي في سورة آل عمران، وهي سورة مدنية، وهذه السورة سورة مكية. فقد ذكر الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في القرآن المكي: أنك ميت، وفي القرآن المدني كذلك، ومع ذلك نسي المسلمون المدني والمكي من شدة الدهشة التي نزلت عليهم بموته صلى الله عليه وسلم، وعظيم المصيبة التي أصابتهم، فنسوا حتى ذكرهم أبو بكر ، فكأنها لم تنزل إلا في هذا الحين.

    قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّكَ مَيِّتٌ وهم أيضاً جميعاً مسلمون وكفار سيموتون، وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون)

    قال تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ [الزمر:31] أي: ثم إن المرجع إلى الله سبحانه تبارك وتعالى، والخصومة بين يدي الله سبحانه تبارك وتعالى، فيجثون للخصومة، فهذا يقول: هذا ظلمني، وهذا أكل مالي، وهذا سفك دمي، وهذا فعل كذا وكذا، فيختصم المؤمنون مع الكفار، ويختصم الظالم مع المظلوم، ويختصم البر مع الفاجر يوم القيامة.

    وجاء عند الترمذي: أن الزبير رضي الله تبارك وتعالى عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فقال: (يا رسول الله! أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا يوم القيامة؟) يعني: في الدنيا تعاركنا مع بعض، وتشاجرنا مع بعض، وشتم بعضنا بعضاً، وانتهى هذا الشيء، وتصالحنا بعد هذا، فهل سيكرر مرة ثانية يوم القيامة، ويسألنا ربنا يوم القيامة عن هذا الشيء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعم، ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه. فقال الزبير : والله إن الأمر لشديد، إن الأمر لشديد) يعني: نحن ظننا أنه في الدنيا تخاصمنا وانتهى الأمر، وقد يصطلح الناس في الدنيا على شيء من الظلم؛ لأن المظلوم لم يستطبع أن يأخذ حقه، فرضي بهذا الشيء؛ لأنه لم يعرف أن يعمل شيئاً غيره، والله الحكم العدل سبحانه تبارك وتعالى، أعلم بما في نفوس الخلق، فيعلم أن هذا قد رضي أو لم يرض، فيكرر الأمر يوم القيامة، فيختصمان بين يدي الله العزيز الحكيم الحكم العدل سبحانه تبارك وتعالى، فيفصل بين عباده.

    قال تعالى: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ، كان الصحابة يتعجبون من هذه الآية، ويقولون: في ماذا؟ ونحن إخوة متحابون يحب بعضنا بعضاً، فظنوا أنها مقيدة بأنهم يختصمون مع الكفار، ولكن الآية قالت: ثُمَّ إِنَّكُمْ يعني: كلكم، فالكل يختصم يوم القيامة عند الله. فيختصم المسلمون مع الكفار، ويختصم المسلمون بعضهم مع بعض. قال بعض الصحابة: تعجبنا حين أنزل الله عز وجل ذلك، فقلنا: كيف نختصم ونبينا واحد وديننا واحد؟ حتى رأيتُ بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف! رأوا ذلك لما اختصموا في يومي صفين والجمل، ولما حدث بينهم شيء من الخلاف، وقاتل بعضهم بعضاً. فقالوا: عرفنا أن هذا الشيء فينا، ويوم القيامة الله عز وجل يفصل بيننا فيما كان بيننا من خصومات.

    قال أبو سعيد رضي الله عنه: فلما كان يوم صفين وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم، هو هذا، قلنا: نعم، هو هذا، فإن الآية عامة: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ .

    وجاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار) يعني: الإنسان المفلس هو: الذي ليس له شيء، لا درهم ولا دينار. قال صلى الله عليه وسلم: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار).

    فهذا مفلس يوم القيامة، والإفلاس في الدنيا سهل؛ لأن الإنسان لن يعيش في الدنيا إلا عمره، فسواء عاش مفلساً، أو عاش فقيراً فهو في النهاية إلى الموت. أما يوم القيامة فإنه يوم الجزاء، يأتي فيه الإنسان المفلس ومعه صلاة وصوم وزكاة، وقد عمل أعمالاً كثيرة، فلما وقف للحساب قيل له: أنت صليت وصمت وعملت كذا، ولكنك ضربت فلاناً، فأنت ظالم، أعطه جزاء ما ضربته، فيدفع من حسناته؛ لأنه لا توجد أموال يوم القيامة، ولكن يعطيه من حسناته.

    ويأتي الآخر ويقول: جرحني، فيؤمر بإعطائه ثمن هذه الجراح، فيدفع له من حسناته.

    والثالث يقول: قذفني، والرابع يقول: سبني وشتمني، والخامس يقول: عمل فيّ كذا، وعمل كذا، فيعطى لهؤلاء من حسنات هذا الإنسان، حتى يصير مفلساً لا شيء عنده، وقد بقي أناس آخرون يشتكون منه أنه عمل فيهم كذا وكذا، فيقال له: أنت ظالم لهم، فيؤخذ من سيئاتهم فتوضع عليه، فيحملها عنهم، ثم يدفع في النار والعياذ بالله! فقد صار مفلساً، وأي حسرة على نفس الإنسان أشد من هذه الحسرة، حين يرى الحسنات تؤخذ منه، والسيئات توضع عليه بسبب ما قدم!!

    ولذلك المؤمن كيس فطن، لا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يدفع بالحسنة السيئة؛ لأنه يخاف من الناس أن يأخذوا من حسناته، فلا يتكلم في أعراض الناس، ولا يشتم الناس، ولا يسخر من الناس؛ لأنه لا يريد أن يكون مفلساً، فالمؤمن عاقل وحكيم، فلا يفرط في حسناته في الدنيا، حتى لا تضيع منه يوم القيامة.

    فهنا المؤمن حين يتذكر الآخرة يمسك لسانه، ويكف يده، ويحفظ فرجه، ويخاف على عينه، ويخاف على بدنه، فلا يكون مفلساً يوم القيامة. قال الله سبحانه: ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ .

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.