إسلام ويب

تفسير سورة الزمر [21 - 23]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أنزل الله الله سبحانه وتعالى من السماء ماءً فأخرج به زرعاً يكون سبباً لحياة الخلق، وكذلك أنزل من السماء قرآناً بواسطة الروح الأمين إلى قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليبلغه للعالمين ليكون سبباً لحياة القلوب، والمؤمن على نور من ربه، ولا يستوي مع قاسي القلب الغافل عن ذكر الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الزمر: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ * أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:21-23].

    يخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى في هذه الآيات عن قدرته العظيمة سبحانه تبارك وتعالى، حيث بدأ بذكر إنزال المطر من السماء، وسلكه ينابيع في الأرض ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا [الزمر:21]، هذه الدورة التي يراها الإنسان أمامه في الطبيعة التي خلقها الله سبحانه تبارك وتعالى، يجد فيها إحياء هذا النبات الذي يستفيد منه الإنسان ثم موت هذا النبات، ثم الإحياء ثم الموت وهكذا، دورة يتذكر بها الإنسان أنه مثل هذا النبات أحياه الله سبحانه ثم يميته، وهو يرى الأمثلة على ذلك في الكون وفي الإنسان وفي الحيوان كيف يخلقها الله سبحانه؟ وكيف أنزل الله المطر من السماء سبحانه تبارك وتعالى فجعل منه كل شيء حي؟ فاستفاد منه الإنسان والحيوان والنبات والأرض، ليرينا كيف يخلقه وكيف ينزله رحمة منه سبحانه تبارك وتعالى بخلقه، وكيف يحيي به الأرض بعد موتها.

    وكما أنزل الله هذا المطر من السماء ليحيي به الأرض، أنزل القرآن ليحيي به القلوب، فأشار إلى هذا القرآن وذكر القرآن العظيم أحسن الحديث كتاباً متشابهاً، والمطر فيه الحياة وفيه الغوث للخلق كذلك هذا القرآن فيه حياة القلوب، وفيه الإغاثة للخلق والإجارة من أن يعذبوا في النار لو أنهم آمنوا بهذا القرآن، فإن هذا القرآن حافظهم عند الله سبحانه تبارك وتعالى، واستحقوا به أن ينالوا رحمة الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام ...)

    ذكر الله أنه لا يستوي من شرح الله صدره للإسلام بهذا القرآن العظيم مع إنسان ترك القرآن وراءه ظهرياً ولم يؤمن به فقال تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الزمر:22]، وهل يستوي الذي علم من القرآن وتعلم وعمل واهتدى بهذا القرآن العظيم مع من لم يستفد منه شيئاً؟ وقس على ذلك إنزال المطر من السماء على أرض خصبة فينبت ما فيها من زرع، وعلى أرض أخرى قاحلة يتسرب من خلالها ويذهب إلى مكان بعيد فلا يستفيد أصحاب الأرض بهذا المطر الذي جاء من السماء.

    كذلك القرآن ينزل على قلوب العباد فتختلف في تقبله كما تختلف الأرض في تقبل الماء، فهذه أرض زراعية جيدة وهذه أرض أقل جودة، وهذه أرض سبخة، وهذه أرض زرعها مر، فينزل المطر على الأرض كلها، فتنبت بما فيها أو لا تنبت أصلاً.

    كذلك القرآن فهذا إنسان صالح قلبه فيه النور فيهديه الله سبحانه تبارك وتعالى، وهذا إنسان طالح يعرض عن الله سبحانه تبارك وتعالى قلبه المظلم فلا يستفيد بشيء من القرآن، فالقرآن العظيم يهدي به الله من يشاء، ما قال: يهدي به كل الخلق، ولكن رجع الأمر إلى قضاء الله وقدرته سبحانه يهدي من يشاء فضلاً منه سبحانه، ويضل من يشاء عدلاً منه سبحانه.

    فهل من شرح الله صدره للإسلام كمن لم يشرح الله صدره للإسلام؟ وشرح بمعنى: بسط ووسع وفسح في صدره، فانفسح صدر الإنسان ليستوعب هذه المعاني التي جاءت في هذا القرآن العظيم.

    وهل يستوي هذا الصدر الرحب الفسيح الذي يفرح بكتاب الله سبحانه ويتأمل فيه ويتدبر معانيه ويعمل بما فيه، مع إنسان ضاق صدره وتحرج حتى صار شديد الضيق بهذا القرآن، فلا يفهم ولا يعقل وكل همه أن يرد عليه وأن يرفضه؟ فالإنسان الذي شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ صار عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ، فاستجاب لنور القرآن فأصبح نوراً على نور.

    والإنسان الذي لا يستفيد بهذا القرآن فهو من القاسية قلوبهم من ذكر الله، الذين قال فيهم: فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ [الزمر:22]، وويل: وعيد من الله سبحانه تبارك وتعالى للإنسان القاسي القلب، وقسا قلب الإنسان بمعنى صلب حتى صار صلباً جامداً كالحجارة بل هو أشد قسوة من الحجارة، وهذا لا تنفع معه الموعظة إنما الذي يلينه نار جهنم والعياذ بالله.

    والويل الهلاك والإبعاد، وهو واد في قعر جهنم جعله الله لهذا الإنسان الذي قلبه قاس ولا ينتفع بهذا القرآن ولا يستشفي به يتركه وراءه ظهرياً.

    وقوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:22] يعني: قلوبهم خالية من ذكر الله فلا يذكرون الله سبحانه تبارك وتعالى، وتقسو قلوبهم إذا ذكر الله سبحانه تبارك وتعالى.

    والمؤمن عندما يذكر ربه يستجيب ويخضع لله سبحانه، ويدعو ربه أن يكون من أهل التقوى.

    وإنسان آخر تنصحه بأن يتقي الله فإذا به يعاند ويقول لك: اذهب اتق الله أنت، همه أن يجيبك بمثل ما تقول، فلا ينتفع قلبه بسماع الموعظة ولا يريدها؛ لأن قلبه قاس.

    والمؤمن إذا سمع القرآن انفسح قلبه وانشرح وتذكر الدار الآخرة فعمل لهذه الدار الآخرة.

    حديث في تفسير قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام ...)

    سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال: (إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح، قالوا: وما علامة ذلك؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله).

    والحديث إسناده ضعيف، ولكن المعنى صحيح، فالقرآن إذا دخل قلب الإنسان تذكر الآخرة فإذا بضيق الدنيا كله يزول عنه، وتنفسح له هذه الدنيا بنظره إلى الآخرة.

    ويؤيد هذا المعنى ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وصح عنه في قوله: (أكثروا ذكر هاذم اللذات) أي: الموت يهذم لذات الإنسان فأكثروا من ذكره، فإنه ما ذكر في ضيق إلا وسعه، ولا في سعة إلا ضيقها.

    والإنسان إذا ضاقت به كروب الدنيا وما ينزل عليه من مصائب ويبتلى فيها من أحداث وتذكر هذه الأشياء تضايق، فإذا نظر أن هناك موتاً بعد ذلك استراح؛ لأنه يخرج من هذه الدنيا وما فيها من كروب واستراح عند الله لو أنه صبر على ذلك.

    وذكر الموت يوسع عليه حاله فإن الدنيا ومصائبها لا تدومان لأحد، ونهاية ذلك موت، فإذا صبرنا في الدنيا وجدنا الفرج والفسحة عند الله سبحانه تبارك وتعالى.

    فذكر الموت يطمئن الإنسان وحين يقرأ كتاب الله سبحانه فيذكر الدار الآخرة ينشرح وينفسح الصدر وينيب إلى دار الآخرة وهي دار الخلود، ويتجافى عن دار الدنيا وهي دار الغرور، ويستعد للموت قبل نزوله.

    وما ذكر الموت في سعة إلا ضيقها، والإنسان يفرح بنفسه لأنه في صحة وعافية وعنده مال كثير وهو في سعة وغبطة، فعندما يتذكر الموت وأنه سوف يترك كل هذه الأشياء، لا يتوسع زيادة عن اللزوم في هذه الأشياء لأنه سيتركها، فلمن يجمع هذا المال ويثمره؟

    والإنسان لم ينه عن جمع المال فما نهانا ربنا عن ذلك، ولكن المنهي عنه هو الانشغال عن الدار الآخرة، فهو يجمع من الدنيا المليون وراء الثاني والثالث فماذا يعمل به؟ ويترك المال للورثة ويجازى عليه، فيجب عليه أن يقف مع نفسه وقفة ليحاسبها، فالموت يضيق عليه أمره، ويجب عليه أن يلوم نفسه في هذه الدنيا حتى لا يفرط فيها فتضيع يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً ...)

    يقول الله سبحانه: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الزمر:23].

    كما أنزل الله المطر من السماء ليبين قدرته سبحانه تبارك وتعالى، فالمطر ينتفع به الخلق فتحيا به أرضهم ونباتهم والقرآن أعظم من ذلك، وهو أنزل من السماء نزل به الروح الأمين على قلب النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه ليكون من المنذرين، فانتفع المؤمنون فآمنوا وصدقوا وعملوا بما فيه.

    والقرآن أحسن الحديث، قال تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف:3]، وفيه أحسن الأحكام وأجملها، جاء عن سعد بن أبي وقاص أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا لرسول صلى الله عليه وسلم: (لو حدثتنا)، وأحياناً الإنسان قد يحدث له شيء من الملل فيحتاج من يذكره، فالصحابة يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: (لو حدثتنا -أي: سليتنا قليلاً بحديث- فأنزل الله سبحانه تبارك وتعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ [الزمر:23]) أي: لستم محتاجين أن تتسلوا بقصص وحكايات، فالقرآن فيه أحسن الحديث.

    وفرق بين سماع الآيات القرآنية وسماع الأحكام الفقهية، فعندما تقرأ كتاب فقه أو أصول فقه فإنك تمل، والقرآن لا يمل جليسه أبداً، والقرآن العظيم ليس مجرد كتاب قصص أو تاريخ أو فقه، بل هو كتاب قائم بذاته ونسج فريد لغيره من الكتب.

    والقرآن تقرأ فيه الموعظة وبعد قليل يذكرك بالجنة ويحذرك من النار ويعطيك حكماً من الأحكام ويذكرك بالأمم السابقة وبنبي من الأنبياء وبحادثة من الحوادث التي كانت موجودة، فما يزال يدخلك في شيء ويخرجك منه من غير ما تشعر بالخلاف، ولو تقرأ كتاب فقه ثم كتاب حديث ثم كتاب أصول فقه ثم كتب قصص، فقرأت في هذا قليلاً زهقت منه وتركته وأتيت بالثاني، فتحس أنك خرجت من شيء إلى شيء آخر، أما القرآن فلا تستشعر بذلك فتجد السورة تتناول أشياء كثيرة وتخرجك من شيء إلى شيء آخر، وحسن السياق الذي في القرآن هو حسن الخروج من الشيء والدخول في الشيء الثاني من غير أن تشعر أنك خرجت من شيء ودخلت في شيء آخر، فهناك فرق بين هذا وذاك.

    فلا يمل قارئ القرآن أبداً، وكلما قرأه ازداد إقبالاً على القرآن، وهذا القرآن عجيب فأول ما تقرأ الآيات في البداية تشعر أنك ما زلت لم تدخل ثم تجد نفسك داخله في شيء حتى تستشعر بشيء عجيب جداً فيشدك القرآن فلا تريد أن تتركه.

    انظر وأنت تصلي التراويح وراء الإمام وتتأمل في معاني القرآن، دعك ممن يصلي ودماغه ليس في القراءة، فليس هذا الذي نتكلم عنه، قال تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [محمد:24]، فعند تدبرك للقرآن فإنك لا تمل منه، فإذا ركع الإمام تريد أن تسمع أكثر، فلا تمل أبداً من القرآن.

    فالقرآن العظيم أحسن الحديث، وأعظم الكلام، ولا أدل على ذلك من العرب الذين استمعوا إليه، ولم يرفضوا القرآن لأنه لا يعجبهم، إنما رفضهم للقرآن كان لحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الكلام العظيم الجميل ينزل عليه وحده دون غيره، ولذلك يقول زعيمهم الوليد بن المغيرة عن هذا القرآن: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، فلما قال ذلك قال له الكفار: ستجعله يتمسك بالذي هو فيه، فقد سحرك يا ابن المغيرة وفعل بك كذا، فما زالوا وراءه إلى أن فكر بماذا سيرد على النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:18-25].

    وذلك لأن الكفار أحرجوه أشد الإحراج، إذ قال أحدهم: إني تركت قومك وهم يجمعون لك مالاً، قال: ولم يجمعون لي ذلك وقد علموا أني أغناهم؟

    قال: لأنك تريد أن تتابع محمداً صلى الله عليه وسلم حتى يعطيك المال! فهذا الذي جعله يأنف ويستكبر فرجع عن كلامه وما زال يفكر حتى قال: إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:24-25].

    أي: هذا كلام سحر وكلام قول البشر، ولكن لا يضرنا ما قاله هذا الكافر فقد ذهب للقاء ربه سبحانه ولجزائه الذي يستحقه، ولكن ما قاله في البداية كان هو الحق.

    وكان أبو جهل والوليد بن المغيرة وغيرهما من الكفار يذهبان ليستمعوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذا القرآن، لذلك فالمؤمن يكفيه هذا الحديث العظيم كتاب رب العالمين.

    معنى قوله تعالى: (كتاباً متشابهاً مثاني)

    وقوله تعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا [الزمر:23] يعني: لا يوجد في القرآن تفاضل بين الآيات والسور، وأن هذه السورة أجمل من الأخرى، فالقرآن يشبه بعضه بعضاً في بلاغته وفصاحته ودقته وإحكامه وصدقه، فهو كله كلام عظيم يشبه بعضه بعضاً.

    وقوله تعالى: مَثَانِيَ [الزمر:23] أي: من التثنية وهي التكرار، فقد كرر الله سبحانه تبارك وتعالى فيه المواعظ، فيذكر موعظة في سورة ثم يذكرها في سورة أخرى، ويذكر قصة موسى في سورة ثم يذكرها في سورة أخرى ولا تمل من سماع ذلك ومن قراءته، وكله فيه تكرار فلا يمل من سماعه، بل يستفاد من كل موضع فيه مما أراد الله سبحانه تبارك وتعالى أن يبينه فهو كتاب متشابه وهو كتاب مثاني.

    وذكر الله القرآن ووصفه بأنه محكم، قال تعالى كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود:1]، فالقرآن كله محكم أي: متقن، وكله متشابه أي: يشبه بعضه بعضاً في الروعة وفي الجمال وفي الإتقان، وذكر بأنه محكم ومتشابه، قال تعالى: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران:7]، إذاً القرآن كله محكم أي: متقن ومتشابه أي: يشبه بعضه بعضاً في الإحكام وفي الفصاحة وفي البلاغة، ولا يختلف اثنان في فهم الآيات ومنه ما أراد الله سبحانه أن يجعل فيه شيئاً يشتبه على من لا يفهم هذا القرآن حتى يعلم الإنسان أن فوق كل ذي علم عليم، قال تعالى: قل هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:9]، فهل يستوي العالم مع الجاهل؟ فالجاهل يرجع لأهل العلم فيقول: ماذا أراد الله بالآية الفلانية؟ وما معنى ذلك؟

    إذاً: الآيات المتشابهات معناها قد يشكل على الإنسان أن يفهم هذا الشيء فيقول الذين لا يفهمون لأهل العلم: ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟ فأهل العلم يبينون لهم معنى ذلك فيرتفع الإشكال عن الذي لا يفهمون، فهي حكمة من الله سبحانه تبارك وتعالى أن يظهر فضل أهل العلم، وأنه لا يستوي الجميع.

    والقرآن كتاب عظيم، وكل من يقرأ القرآن يفهمه، ولكن فهم هذا غير فهم هذا غير فهم هذا، فيفهم الفقيه أحكاماً معينة لدقة فهمه، ويستوعب مسائل لا يفهمها غيره، والعالم الأصولي يفهم أصوليات وكليات لا يفهمها غيره من الناس، والإنسان الذي يقرأ في التاريخ ينظر في تاريخ وقصص الأنبياء ويعرف منها ويجمع فيها ما لم يعرفه غيره، ففوق كل ذي علم عليم، فالله فوق الجميع سبحانه تبارك وتعالى، فيريهم بهذه المنازل أن هذا القرآن نزل من عند العليم الخبير سبحانه تبارك وتعالى.

    معنى قوله تعالى: (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم)

    قوله تعالى: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ [الزمر:23] المؤمن حين يقرأ هذا القرآن وحين يستمع للمواعظ ويتأمل فيها ويتدبر وتصفو نفسه يقشعر جسده وجلده وتبكي عيناه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، ووعد من الله سبحانه ألا تمس النار هاتين العينين (عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله).

    فهنا ذكر: تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ [الزمر:23]، فالمؤمن وهو يقرأ القرآن إذا تذكر النار يقشعر جلده ويخاف من الله سبحانه، واقشعرار الجلد ليس معناه أنه يظهر أمام الناس وهو يرتعش من ذلك، ولكن المعنى أن تأخذه قشعريرة، فيجد في جلده شيئاً من الاضطراب.

    قال تعالى: ثُمَّ تَلِينُ [الزمر:23] حين يذكر الجنة وحين يذكر رحمة رب العالمين وفضل الله سبحانه تبارك وتعالى وأن الحسنة بعشر أمثالها ويضاعف الله لمن يشاء وأن السيئة سيئة واحدة فإنه يلين ويخبت ويعرف رحمة الله فيركن إلى رحمته سبحانه تبارك وتعالى.

    قال تعالى: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر:23]، فالمؤمن حين يذكر الله سبحانه يطمئن بالله أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [الرعد:28]، ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ [الأنعام:88]، وفي هذا القرآن الهدى من الله، والذي يحدث في هذا الإنسان من قشعريرة ومن اضطراب وخوف ثم لين إلى ما جاء من ذكر الله سبحانه، هذا من فضل الله على هذا الإنسان أن يجعله يخاف من الله ويبكي من خوف الله سبحانه تبارك وتعالى، ويفرح بنعمة الله، وهذا من هدايته لهذا الإنسان، فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فقال: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ [الرعد:33]، فالذي يضله الله سبحانه لن يجد له من يهديه.

    وهذه الآية يقف عليها ابن كثير بالياء، فإذا وصل أثبت الياء وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادي، أما غيره فلا يقفون عليها إلا بالسكون، فـابن كثير يقرؤها بالياء في الوقف فقط والله أعلم.

    نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.