إسلام ويب

تفسير سورة الزمر [11 - 16]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وأمته أن يخلصوا العبادة لله تعالى، والمؤمن لابد أن يحب الله ويخافه، ويحب الجنة ويسأل الله إياها، ويخاف من النار ويتعوذ بالله منها، فالخاسر من دخل النار فخسر ما كان معه في الدنيا وخسر الآخرة، وقد ذكّر الله الناس بالنار وحال أهلها تخويفاً لعباده لعلهم يتقونه سبحانه ويتقون النار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الزمر: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر:11-16] .

    يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلوات الله وسلامه عليه في هذه الآية أن يخبر الخلق بأنه مأمور صلوات الله وسلامه عليه بعبادة الله وحده لا شريك، وبذلك بعث صلوات الله وسلامه عليه، بعث ليعبد الله وليأمر الخلق بعبادة الله سبحانه، وهي دعوة كل رسل الله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، يدعون إلى عبادة الله، وإلى الإخلاص في العبادة، قال تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108] ، وقال تعالى في سورة الزمر: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:11].

    وأمر الله عز وجل الأنبياء والرسل أن يقولوا لقومهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59] ، فالله الإله الواحد الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، ولا إله حق سواه سبحانه وتعالى.

    فقوله تعالى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:11] أي: أعبد الله موجهاً له عبادتي وحده لا شريك له، والإخلاص: التنقية، أي: تنقية الشيء من الشوائب وتصفيته، والأخلص: هو العسل الذي نقيته وصفيته مما به من شوائب وكدرات، فكذلك العبادة توجهها لله سبحانه وحده لا شريك له، ولا يكون فيها شوائب شرك بالله سبحانه، وليس فيها رياء ولا سمعة، وليس فيها عمل يبتغى به الأجر من غير الله، أو عمل يقصد به الله وغير الله، ولكن العمل لا يقصد به إلا الله وحده لا شريك له، هذا هو الإخلاص الذي لا تقبل عبادة بدونه.

    أركان العبادة

    العبادة لها ركنان ترتكز عليهما: الركن الأول: الإخلاص في عبادتك، فالعبادة تخرج من قلبك، وتوجهها إلى ربك سبحانه وتعالى، والركن الثاني في العبادة: المتابعة للنبي صلوات الله وسلامه عليه.

    والإخلاص بغير متابعة لا يصح، والمتابعة بغير إخلاص لا تصح، فالعمل يحتاج إلى ركنين: إخلاص ومتابعة، فتخلص لله سبحانه، ولا تعبد إلا الله سبحانه، ولا تعمل العمل إلا له سبحانه، ولا تبتغي الأجر إلا منه سبحانه وتعالى، وهذا العمل لا بد أن يكون موافقاً لهذه الشريعة حتى تؤجر عليه، فالإخلاص بغير متابعة يوقع العبد في الاختراع في الدين والابتداع، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) ، ويقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه.

    فلو أن الإنسان قال: أنا مخلص، وأنا أحب الله، وأعبده، لكن سأعبد الله بما أريده أنا، وأصلي بالطريقة التي تعجبني، وأصوم بالطريقة التي تعجبني، وكأنه يشرع لنفسه، فإن الله يأبى إلا أن يكون له سبحانه الأمر كما أن له الخلق سبحانه، قال تعالى: أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ [الأعراف:54]، فهو الذي يخلق سبحانه وتعالى، وهو الذي يأمر سبحانه، وهو الذي يشرع، ولا يجوز لعبد أن يشرع لنفسه ولا لغيره، ولكن الشريعة لله سبحانه، هو الذي يشرع لعباده وهو أعلم بخلقه، وأعلم بما تستقيم به أمور الخلق، فيشرع لهم ما ينفعهم سبحانه وتعالى.

    إذاً: العبادة لا بد فيها من أن تتابع هذا الدين، وأن تخلص لله سبحانه وتعالى فيه، حتى تقبل هذه العبادة، فبدأ بنبيه صلى الله عليه وسلم وقال: قل لهؤلاء جميعهم: إِنِّي أُمِرْتُ [الزمر:11]، وهذه قراءة الجمهور، أما قراءة نافع وأبي جعفر: (قل إنيَ أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين).

    والدين لها معان، الدين بمعنى: الشريعة، وبمعنى: العبادة، وبمعنى: الجزاء والحساب، فالدين هنا بمعنى: شريعة الله سبحانه فيما شرع من عبادة، فأعبد ربي مخلصاً له عبادتي، وقال الله تعالى: (وَأُمِرْتُ)، فهو ليس من عند نفسه، بل أمره الله عز وجل بذلك، قال تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى [الضحى:7]، صلوات الله وسلامه عليه، فالله الذي هداه، والله الذي اصطفاه واجتباه، والله الذي علمه ورباه سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأمرت لأن أكون أول المسلمين)

    قال الله تعالى: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ [الزمر:12] أي: من هذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن الأنبياء والرسل من قبله قد أمروا أن يكونوا من المسلمين فكانوا، وكان آدم على دين رب العالمين، وأسلم نفسه لرب العالمين سبحانه.

    وكان نوح مسلماً كما قال تعالى عنه: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:72]، كذلك موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال تعالى: يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [يونس:84] ، وكذلك المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام والحواريون، قال تعالى: آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران:52].

    فدين الله هو دين الإسلام، ودين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والشريعة التي جاءت من عند الله سبحانه أن اعبدوا الله حتى وإن كان الاختلاف بينهم عليهم الصلاة والسلام في أمور تشريع الله عز وجل لهم، وفي الفقه وفي الدين، فالله عز وجل يفعل ما يشاء.

    ولكن الدين الذي يتعبدون به لله الإخلاص والتوحيد، فهما شرع كل الرسل، فالخضوع لله والقنوت لله، والإذعان لله، والمتابعة لما يأمر الله عز وجل به، واجتناب ما نهى الله عز وجل عنه، كل أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام مأمورون بذلك، وهو الإسلام: أن يسلم العبد نفسه لله، فيحكم الله عز وجل فيه بما يشاء سبحانه وتعالى، وأن يوجه العبد عبادته لله وحده لا شريك له.

    قال تعالى: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ [الزمر:12] صلوات الله وسلامه عليه، فأول المسلمين في هذا العصر هو محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهو أول من أسلم لرب العالمين سبحانه وتعالى، وقبله أنبياء ومرسلون في العصور السابقة مسلمون، ولكن هو أول هذه الأمة إسلاماً صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)

    قال الله تعالى: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الزمر:13] ، هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو : ( قل إنيَ أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) ، فهو صلى الله عليه وسلم مأمور بأن يقول ذلك، وأن يعبر عما أحدث الله عز وجل في قلبه من خوف من الله سبحانه، ومن رهبة منه سبحانه، والعبادة على هذين الأمرين: أمر الرغبة والرهبة.

    إذاً: للعبادة ركنان: الإخلاص والمتابعة، وللعبادة وصفان: أن يكون الإنسان يرغب فيما عند الله، ويرهب مما عند الله سبحانه وتعالى، ولذلك وصف أنبياءه ورسله الكرام عليهم الصلاة والسلام بقوله تعالى: وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء:90] .

    فمن يزعم أن أفضل الدين أن يعبد الله بالرهبة فقط، أي: بالخوف من الله فقد كذب، ومن زعم أن أفضل الذين أن يعبد ربه بالرغبة فقط فقد كذب، إنما دين الله يكون بين الأمرين، وهذا خير العبادة، لا كما يزعم فلان أو فلانة وتقول القائلة من هؤلاء: يا رب! إن كنت أعبدك خوفاً من نارك فأحرقني بها، وإن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها.

    فلماذا تعبد الله سبحانه وتعالى وهي لا تريد جنة ولا هي خائفة من النار؟! هذا لا يكون، وكأن هذه تزعم أنها أرقى وأعلى من مراتب الأنبياء والرسل الذين قال الله عز وجل فيهم عليهم الصلاة والسلام: وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا [الأنبياء:90]، وقال عن نبيه سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الزمر:13] ، فهو يخاف من عذاب يوم القيامة صلوات الله وسلامه عليه.

    فيدعو النبي صلى الله عليه وسلم ربه سبحانه خائفاً من الله، وكم تعوذ بالله من النار، وكم سأل ربه الجنة، فجاء الرجل الذي كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: (إني أدعو في الصلاة أسأل الله الجنة، وأتعوذ بالله من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ ) يعني: أنت تقول كلاماً كثيراً في الدعاء لا أعرف أن أقوله، ومعاذ كذلك يقول كلاماً كثيراً وأنا لا أعرف هذا الكلام، ولكن أقول: يا رب! أسألك الجنة وأخاف من النار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (حولها ندندن)، فلابد أن نخاف من النار فنتعوذ بالله من النار، ونحب الجنة، فنسأل الله عز وجل جنته.

    فالإنسان لا يبالغ في دعوى المحبة لله عز وجل حتى يكون في النهاية زنديقاً والعياذ بالله، خارجاً عن دين الله، فلا يصح أن يقول الإنسان لربه: أنا لا أخاف من نارك، أنا لا أريد جنتك، أنا أحبك فقط، هذا لا يكون أبداً؛ لأن العبادة التي تكون لله لا بد أن يكون فيها كمال الحب لله، مع كمال الذل لله سبحانه وتعالى، وهذا لا يكون إلا لله وحده لا شريك له، وقد يكون في الدنيا الإنسان يحب إنساناً فيبالغ في محبته، يحب زوجته ويحب إنساناً أو إنسانة فيبالغ في ذلك، ولكن هو لا يخاف منها، فهذه ليست عبادة، هذه محبة.

    وقد يخاف إنسان من حاكم ظالم، يرعب من ذكر اسمه، ولكنه لا يحبه، أما مع الرب سبحانه وتعالى لا بد من الاثنين: كمال الحب لله عز وجل، مع كمال الذل بين يديه، والخوف منه سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الزمر:13] أي: يوم القيامة نسأل الله العفو والعافية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل الله أعبد مخلصاً له ديني)

    قال الله تعالى: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر:14] ، انظر التوجيه ليبث العقيدة ويثبتها في القلوب، بدأ بنبيه صلى الله عليه وسلم، هذا حاله صلى الله عليه وسلم، وهو من هو؟! فكيف بغيره؟! فكل إنسان يحتاج إلى أن ينقي قلبه من الشرك بالله سبحانه، وأن يوجه عبادته لله سبحانه، وأن يحب الله سبحانه، وأن يخاف منه سبحانه وتعالى، وأن يتابع دينه سبحانه كتاباً وسنة، وأن يخلص له سبحانه وتعالى.

    قوله تعالى: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي [الزمر:14] الأصل: قل: أعبد الله، ويتقدم الفعل على الفاعل والمفعول، أي: أعبد أنا الله، ولكن حين يقدم المفعول على الفعل، فهذا لمزيد التأكيد والاختصاص، والمعنى: الله وحده لا شريك له، فلو قال: أعبد الله، فقد يحتمل الكلام أنه يعبده ويعبد غيره، فلمزيد من التأكيد يقول: إياك نعبد وحدك يا رب، لا أعبد أحداً غيرك، فقوله: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ قدم لفظ الجلالة وموقعه هنا المفعول، فقدمه على الفعل وعلى الفاعل للاختصاص والتأكيد على أمر التوكيد، أي: أنا أعبد الله وحده لا شريك له، وكلامه لا يحتمل غير ذلك، فلا يحتمل شركاً بالله سبحانه، أو أن يعبد الله ويعبد غيره سبحانه وتعالى.

    فقوله تعالى: قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا [الزمر:14] أي: موجهاً عبادتي له وحده سبحانه، وقوله: مُخْلِصًا لَهُ دِينِي أي: عبادتي، وطاعتي، وتقربي، أتقرب إليه وحده لا شريك له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاعبدوا ما شئتم من دونه ...)

    قال الله تعالى: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [الزمر:15] ، وليس الأمر هنا أمر إباحة ولا طلب، ولكن أمر تهديد ووعيد، كقوله سبحانه: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [فصلت:40] أي: إنه بما تعملون عليم سبحانه وتعالى وخبير، فالله بصير بالعباد، وعليم وبصير بهم، فهو يقول لهم: اعملوا ما شئتم، سنجازيكم أشد الجزاء، وأشد العقوبة، فكذلك قوله هنا: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ [الزمر:15]، ليس معناه: إباحة، والذي يريد أن يعبد شيئاً يعبده، ليس معناه كذلك، وكذلك قوله سبحانه: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6]، ليس معناه: كونوا مثلما أنتم على هذا الدين الباطل، فدينكم لكم وأنتم تجازون عليه، ولكم أجر من الله عليه، ليس معناه ذلك، ولكن المعنى: ديني يختص بي، فلي الجزاء عند الله سبحانه، والتوحيد أنتفع أنا به، وأنتم في شرككم، لا تنتفعون بما أنتم عليه طالما أصررتم على ذلكم، فجزاؤكم عليكم بسبب كفركم، وبسبب اتخاذكم غير الله أنداداً وشركاء، فدينكم وشؤم ما أنتم عليه من عبادة غير الله يختص بكم، فالجزاء عليكم يوم القيامة.

    وقوله تعالى: وَلِيَ دِينِ [الكافرون:6] أي: الدين القيم الذي أُثاب عليه، وعليكم وبال شؤمكم فيما اتبعتم من باطل وشرك بالله سبحانه وتعالى.

    فقال تعالى: فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ فالأمر هنا للتهديد والتوبيخ لهؤلاء فيما يعبدون من دون الله.

    قوله تعالى: (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ) هذه قراءة الجمهور، وقرأها: ( ما شيتم ) الأصبهاني عن ورش، وأبو جعفر وأبو عمرو أيضاً بخلفه ويقف عليها حمزة هكذا: (فاعبدوا ما شيتم).

    معنى قوله تعالى: (قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم ...)

    قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:15]، فقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ) أي: الهالكين، وقوله تعالى: (الَّذِينَ خَسِرُوا) أي: الخسران الحقيقي، فالتاجر في الدنيا يقول: أنا خسرت في تجارتي ألف جنيه، هذا خسران، والثاني يقول: أنا خسرت ألفين، أنا أشد منك، والثالث كذا، والرابع يقول: أنا خسرت كل شيء، فإذا كان هذا في الدنيا، فكيف بالذي خسر الآخرة كلها، وليس له أي ثواب على ما فعل في الدنيا؟! هؤلاء هم الخاسرون الخسران العظيم، هلكوا يوم القيامة فكانوا من أهل النار، هذا هو الخسران الحقيقي؛ إذ خسر نفسه، وخسر ماله، وخسر أهله، فقد كان هذا الرجل الكافر في الدنيا له أهل وبنون وزوجة ومال، له في الدنيا ما له من أعمال ومن أنصار، فلما جاء يوم القيامة لم يضع منه هؤلاء فقط، بل ضاعت منه نفسه وخسرها، والإنسان في الدنيا يحتاج للمال ويحتاج للأولاد ويحتاج للأفراد الذين معه من أجل أن يتقوى بهم ويتعزز بهم، فيفتخر ويقول: عندي مال، وعندي أهل، وعندي كذا، فيخسر ويفقد ذلك من لحظة موته، فيضيع الذي يموت وينتهي أمره، إذ إن الأهل والأولاد تركوه فصار في القبر وحده، فإذا به يوم القيامة يؤمر أن يدخل النار، قال تعالى: هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [الطور:14] ، فخسر نفسه التي كان يفديها بأي شيء، فكان من أهل النار.

    فقوله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ [الزمر:15] أي: خسراناً حقيقاً، خسراناً لا نجاح بعده.

    وقوله تعالى: الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [الزمر:15] أي: في الدنيا كان له الأهل والولد، فيستمتع بذلك، قال الله تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الكهف:46]، فلما دخلوا النار خسروا هؤلاء، فليس له زوجة يستمتع بها في النار، وإذا كانت زوجته كافرة مثله فهي في النار وهو في النار، لا ينتفع أحدهما بالآخر.

    كذلك ما من مخلوق يخلقه الله عز وجل من هؤلاء البشر إلا وله منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، مؤمناً كان أو كافراً، فيخلق الله عز وجل هذا المنزل هذا وهذا المنزل، فإذا حرم هذا الإنسان من الجنة يزاد له في عذابه فيقال له: انظر أين كنت ستكون! هذا منزلك في الجنة لو أنك عبدت الله سبحانه وتعالى، فهذا أشد ما يكون على نفسه، إذ ينظر إلى القصر وإلى الحور العين، كل ذلك خسره، وهذا الخسران المبين، قال تعالى: أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15] ، فخسر ما كان سيكون له من أهل لو أنه عبد الله سبحانه وتعالى، خسر نفسه وخسر هذه الجنة وخسر الأهل فيها، فكان في النار وحيداً لا أهل له يستمتع بهم فيها، ولا شيء يرفع عنه العذاب ولا يخفف عنه.

    وقوله تعالى: خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ [الزمر:15] هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب (وأهليهُمْ).

    أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15] أي: الخسران المبين المفصح عن نفسه، المبين لحال صاحبه، تقول: بان الأمر، يبين الأمر، بين الأمر، فهو بين هذا الأمر، بين يعني: واضح جلي.

    إذاً: هو الخسران الجلي الذي لا يستطيع أحد أن يقول: هذه ليست خسارة، ففي الدنيا خسران في مكان، ونجاح في مكان آخر، لكن هذا خسران لا نجاح فيه ولا ربح بعده، قال تعالى: أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15]، خسرانهم يبينه ربهم سبحانه أنهم دخلوا النار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظل ...)

    قال تعالى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر:16]، لهم من جهنم مهاد، ومن فوقهم غواش، فالمهاد نار والعياذ بالله، ولحافه الذي يغشى به ويتغطى به نار والعياذ بالله.

    والنار دركات بعضها أسفل من بعض، فهذه نار لهم من فوقهم كالظلل، أي: طبقات من نار، ومن تحتهم النار كذلك طبقات، بعضها فوق بعض، فهم في دركاتها، هذا أسفل، وهذا أسفل منه، وهذا أسفل منه.

    قال تعالى: لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ [الزمر:16] أي: أغشية وطبقات من النار، ومن تحتهم ظلل، وذلك العذاب الرهيب الأليم يخوف الله به عباده، قال تعالى: ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ [الزمر:16]، فالله يريد من عباده أن يخافوا منه سبحانه، وحتى يخافوا من الله ويحدث لهم الرهبة في قلوبهم قال: يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ [الزمر:16]، ينادي الله عز وجل على عباده: اتقون، خافوني، ارهبوني، اخشوا يوم القيامة، احذروا الوقوع في الشرك، ومعاصي الله سبحانه وتعالى.

    وقوله: (يَا عِبَادِ) قرأها رويس في حالة الوقف والوصل: (يا عبادي فاتقون).

    وقوله: (فَاتَّقُونِ) يقرؤها يعقوب : (فاتقوني) إذا وقف عليها، وإذا وصلها.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.