إسلام ويب

تفسير سورة الزمر [10 - 13]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أعظم ما أمر الله به التوحيد، وأعظم ما نهى عنه الشرك، والإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والخلوص من الشرك وأهله، والانقياد لله بالطاعة، وقد أمر الله بهذه الأمور في سورة الزمر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم....)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الزمر: قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الزمر:10-13].

    أمر الله سبحانه تبارك وتعالى نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يقول للمؤمنين الذين آمنوا وصدقوا بما جاء من عند ربهم أن يتمسكوا بتقوى الله سبحانه تبارك وتعالى، فقال: قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ [الزمر:10]، فالله عز وجل ينادي عباده المؤمنين، وهو في القرآن قد يخاطب المؤمنين وقد يخاطب المؤمنين والكفار، وإذا خاطب الجميع قال: يا أيها الناس! وإذا خاطب المؤمنين قال: يا أيها الذين آمنوا! والسور المكية غالباً ما ينادي فيها الجميع ليدخلوا في دين الله سبحانه تبارك وتعالى، ولكنه يخص المؤمنين الذين صدقوا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآمنوا بما جاء من عند الله سبحانه، فيقول: يا عبادي! فيشرفهم بإضافتهم إليه سبحانه كقوله في سورة الفرقان: وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [الفرقان:63].

    فيناديهم: أن اتقوا ربكم، فقد آمنوا وصدقوا الرسول صلى الله عليه وسلم، وفعلوا ما أمر الله عز وجل به، فيقول لهم: تمسكوا بذلك، ولا يزالون على ذلك حتى يلقوا ربهم سبحانه.

    قال تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ [الزمر:10] وهذه بشارة من الله سبحانه للمحسنين، والمحسن هو الذي يعبد الله كأنه يراه، وهو الذي يعلم أن الله يجازيه ويحاسبه، فللذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة، فالله عز وجل يعطيهم الحسنة في هذه الدنيا فضلاً عما يعطيهم يوم القيامة من الحسنى وزيادة قال عز وجل: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [يونس:26]، فيكون لهم في الدنيا حسنة وهي ما ينعم الله عز وجل عليهم ويتفضل بأن يرزقهم وأن يعافيهم وأن ينصرهم وأن يكون معهم سبحانه تبارك وتعالى، فيعطيهم المال ويعطيهم الأولاد ويوفقهم للعمل الصالح، وهذه حسنة الدنيا، وأما حسنة الآخرة فهي الإحسان العظيم من الله سبحانه.

    قال تعالى: وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ [الزمر:10]، وهذه إشارة إلى الهجرة، فإن هذه السورة مكية، فقد نزلت والمؤمنون يؤذون وينالون من الشدة والضنك والعذاب من الكفار ما لا يعلمه إلا الله سبحانه، فيخبرهم أن أرض الله واسعة ويقول لهم: هاجروا من هذا المكان.

    قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10] فالذين صبروا على الأذى والذين صبروا على الطاعة، والذين صبروا عن معاصي الله سبحانه يوفون أجورهم من الله، ويعطيهم أجوراً عظيمة لا نهاية لها، فالإنسان يعطى على الحسنة بعشر أمثالها، والصابرون يوفون بغير حساب وبغير نهاية فيعطيهم عطاءً غير مجذوذ وغير منقطع فضلاً منه سبحانه.

    وذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الصابرين الذين يتمسكون بدينهم وما يكون لهم من الأجر، وأنه قد يبلغ أجر أحدهم أجر خمسين من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، وليس معنى ذلك أنه أفضل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأفضل القرون هم قرن النبي صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام: (خير القرون قرني) فلا أحد خير من هؤلاء الأفاضل رضي الله عنهم، ولكن هؤلاء الذين جاءوا بعد ذلك ولم يجدوا على الخير معيناً فالله سيعطيهم أجوراً عظيمة حتى يدركوا السابقين برحمة الله سبحانه تبارك وتعالى، قال الله: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ [الواقعة:10-14] أي: جماعات كثيرة من الأولين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان، وقلة من الآخرين الذين صبروا على طاعة الله سبحانه فضاعف لهم الأجور ليلحقوا بالسابقين، وأعطى للواحد منهم على صبره أجر خمسين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغ الدرجات ولا يحرمه الله عز وجل من رفقة هؤلاء عند الله سبحانه.

    وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) فلو أن إنساناً منا أنفق كقدر جبل أحد ذهباً وأنفق صحابي من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مداً أي ملء الكفين أو نصيفه أي ملء كف واحدة فقط كان ما ينفقه الصحابي أعظم مما ينفقه من بعده، فقد وصلوا لدرجات عالية عند الله، ولولا ما لهم من فضيلة لما اختصهم الله عز وجل بنبيه صلى الله عليه وسلم أن يكونوا في قرنه ويكونوا معه، فالذين من بعدهم يرحمهم الله سبحانه تبارك وتعالى ويضاعف لهم الأجور؛ لأنه بعمل أحدهم مستحيل أن يصل إلى ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، فيضاعف الله له فيعطي أجر الخمسين منهم وأجر الخمسين شهيداً حتى يبلغ منازل هؤلاء فيكرمه الله عز وجل بأن يلحقه بهم.

    ومن الأحاديث التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الإيمان: الصبر والسماحة) وهذا الحديث في مسند الإمام أحمد من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، جاء عند ابن أبي شيبة من حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أعظم خصال الإيمان الصبر والسماحة، فالإنسان المؤمن الذي صدق بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابع دين الله سبحانه، من خصائصه أنه صابرٌ لأمر الله سبحانه، فهو مطيع يفعل ما يؤمر ولو ناله من المشقة ما ناله، فإنه يفعل ما أمر الله سبحانه وما أمر النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو وقاف عند كتاب الله وعند حدود الله، تنزل به البلايا والمصائب فيصبر على ذلك، فمن أهم خصال المؤمن المصدق بما جاء من عند الله سبحانه أنه صابر على أمر الله سبحانه، والأمر الثاني: السماحة والبذل، فيبذل ويعطي من إحسانه ومن خلقه ومن طيبة نفسه فيعين غيره بما يقدر عليه ولو ببشاشة الوجه وبتبسمه في وجه أخيه المؤمن، فمن خصال الإيمان بل من أعظم خصاله الصبر والسماحة.

    كذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد من حديث محمود بن لبيد قال: (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع) وهنا علامة إيمان الإنسان أنه يصبر على أمر الله سبحانه، ومن علامة حب الله عز وجل للعبد أن يبتليه الله سبحانه تبارك وتعالى، فيبتلى الرجل على قدر دينه، وأشد الناس ابتلاءً الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه فإن كان في دينه صلابة وقوة زيد له من البلاء، وإن كان في دينه قلة ورقة خفف الله عز وجل له من البلاء.

    فابتلى أنبياءه وابتلى الرسل عليهم الصلاة والسلام وابتلى المؤمنين لينظر أيهم أحسن عملاً، (فمن صبر فله الصبر) يعني له جزاء صبره، (ومن جزع) أي: من البلاء بالنفور والاعتراض على أمر الله سبحانه تبارك وتعالى فله الجزع، ولم يحصل في دنياه سوى الخوف من البلاء والمصائب فكان أن يبتلى يوم القيامة بالعذاب والعياذ بالله.

    فالإنسان المؤمن إذا نزلت به البلية تصبر لأمر الله كما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آل عمران:200]، فيصبر لأمر الله سبحانه، ولعله لا يقدر فيصابر نفسه ويجاهدها على أن تصبر ويرضى بأمر الله سبحانه تبارك وتعالى: (وإنما الصبر عند الصدمة الأولى)، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، والذي يصبر تنزل عليه المعونة من الله سبحانه تبارك وتعالى، فربنا كريم يبتلي عباده فإن صبروا جاء العون منه سبحانه تبارك وتعالى، وما على العبد إلا الأخذ بالأسباب، والعون من الله.

    وصح الحديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال: (إن الله تعالى ينزل المعونة على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر البلاء) ولعل الإنسان حين يتخيل أنه لو حصلت مصيبة كذا ما أحد سيصبر على ذلك، فتحدث ويصبّر الله عز وجل من يشاء، فيتعجب الإنسان بصبر إنسان ما على ذلك، فالله عز وجل بفضله وبكرمه هو الذي يعين على هذا الأمر فيتجلد المؤمن ويصبر لأمر الله، فإن الصبر ينزل من عند الله على قلب المؤمن فيتسلى بأمر الله سبحانه تبارك وتعالى، ويتصبر على أمره، والله ينزل الصبر على قدر البلاء.

    فالمطلوب من الإنسان أنه إذا نزل به أمر الله سبحانه: أن يتجلد وأن يتصبر وأن يقول كما علمه الله سبحانه: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:156-157]، فإذا صبر المؤمن على قضاء الله إذا بالمعونة تأتيه من عند الله والتجلد والصبر ينزل عليه ويعطيه الله عز وجل المغفرة والرحمة ويعطيه الهداية فيهديه في الدنيا وفي الآخرة.

    وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (إن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسراً) فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا أن النصر مع الصبر، فإذا صبر المؤمن جاءه النصر من الله سبحانه تبارك وتعالى، وإذا جاهد أعداء الله ولم يفر وصبر وانتظر أن يأتي النصر من الله سبحانه، وهل ينظرون إلا إحدى الحسنيين: إما النصر والفتح في الدنيا، وإما الجزاء من الله سبحانه تبارك وتعالى بالشهادة والجنة في الآخرة، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وكلما اشتدت الأزمة آذنت بقرب مجيء الفرج، فالإنسان قد يشتد به البلاء حتى يجد نفسه لا يطيق، وإذا بالفرج يأتي من عند الله سبحانه، وهذا وعد من الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأتي النصر بعد الصبر، ويأتي الفرج حين يشتد الكرب بالمؤمنين، وإن مع العسر يسراً.

    ويؤكد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وهو مصداق لقوله سبحانه: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح:5-6]، ولن يغلب عسر يسرين، فجعل (العسر) مسبوقة بأل التعريف وكأنه عسر واحد بعكس اليسر.

    وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة) والمؤمن لا يتمنى البلاء أبداً، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نسأل الله العفو والعافية، ولكن إذا نزل من عند الله سبحانه تبارك وتعالى شيء فيتصبر المؤمن، والنبي صلى الله عليه وسلم يطمئنك أن لا تخاف مهما نزل بك من أمر ومن بلاء فلا يضق صدرك بذلك، فإنه لمنزلتك عند الله ابتلاك الله عز وجل بذلك، وما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة، وهذا من نعم الله وفضل الله العظيم.

    وربنا أكرم من أن يجازي العبد على كل شيء، يقول تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30] فليس كل شيء تقترفه اليدان يجازي بها الله، فإن الله أكرم سبحانه تبارك وتعالى بل يعفو عن الكثير ويجعل المكفرات التي لا تستشعر أنت بها، فبمجرد ما إن تتوضأ للصلاة إذا بالله يكفر عنك بعضاً من سيئاتك التي صنعتها من صغائر ذنوبك، وما إن تقوم تصلي حتى تجمع ذنوبك فتجعل فوق رأسك وعلى منكبيك، فإذا كبرت وإذا ركعت وإذا رفعت وإذا سجدت وإذا قعدت تساقطت هذه الذنوب عنك من فضل الله وأنت لا تدري، والله رحمته واسعة.

    فلذلك المؤمن يتمسك بدين الله سبحانه، ويرجو الأجر من الله، ويصبر على طاعة الله، ويصبر عن المعاصي، ويصبر على قضاء الله وقدره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ...)

    يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ [الزمر:11]. هذه قراءة الجمهور، وقرأها نافع وأبو جعفر : قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ، والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور أن يعبد الله سبحانه، وأتباع النبي صلى الله عليه وسلم، ومأمورون أيضاً بما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ومأمورين كذلك بالإخلاص لله، وتوجيه العبادة لله وحده، وألا يشركوا بالله شيئاً، وألا يراءوا وألا يسمعوا، وألا يظهروا للناس شيئاً يبتغون من الناس مدحاً على هذا الذي يظهرونه من عبادة الله.

    فالنبي صلى الله عليه وسلم وجه إلى الله العبادة وحده لا شريك له، وأخلص لله فتوجه بقلبه ووجهه وبدنه ونفسه لله سبحانه تبارك وتعالى.

    قال تعالى: وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ [الزمر:12] هو أول المؤمنين وأول المسلمين في هذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه، وهنا النبي صلى الله عليه وسلم تابع من قبله من أنبياء الله ورسله عليه الصلاة والسلام، فهو أول من أسلم نفسه ووجهه لله سبحانه وأخلص قلبه وآمن بربه سبحانه في هذه الأمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)

    قال تعالى: قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الزمر:13] أيضاً هذه قراءة الجمهور، وقرأها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو : قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ وحاشا له أن يقع في معصية الله صلوات الله وسلامه عليه.

    وهذه سورة من السور المكية التي يهتم ربنا سبحانه تبارك وتعالى في الآيات التي فيها بتربية المؤمنين على طاعة الله سبحانه وعلى العمل الصالح وعلى الإخلاص لله سبحانه تبارك وتعالى، فهنا ينبهنا إلى أن هذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ[الأنعام:15] أي: يخاف من عذاب يوم القيامة، وظل هذا الأمر إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن أنزل الله عز وجل عليه في سورة الفتح: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ[الفتح:2]، وهذه كانت في الحديبية في ذي القعدة من السنة السادسة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وهو لا يدري ما الذي يكون معه ومع غيره إلى أن أنزل الله عز وجل عليه في يوم الحديبية: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا [الفتح:1-3]، فجاء الفتح من عند الله سبحانه، مع أن المؤمنين كانوا خارجين من الحديبية على أنهم مهزومون وعلى أنهم مأخوذ عليهم الشروط الثقيلة، وعمر وغيره يسألون النبي صلى الله عليه وسلم: أو فتح هو؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: نعم إنه فتح.

    وكان من أعظم الفتح على النبي صلى الله عليه وسلم، فما فتح على الإسلام من خير إلا بفضل الله عز وجل ثم بما حدث في هذا اليوم فرجع المؤمنون وحدث التواصل بين أهل المدينة وبين أهل مكة، فدخل في دين الله في خلال سنتين أكثر مما دخل فيه قبل ذلك بكثير، فتعرف المشركون على دين الله سبحانه، ولم يزل يهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويأتي إليه حتى إنه في يوم الحديبية كان عدد المؤمنين مع النبي صلى الله عليه وسلم ألفاً وخمسمائة، وفي فتح مكة كانوا عشرة آلاف فكان الفتح بعد ذلك، وبشره الله بأن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأن يتم عليه النعمة، فأتم عليه النعمة وأكمل له هذا الدين العظيم، فلما كمل الدين توفي النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده المؤمنين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.