إسلام ويب

تفسير سورة الزمر [7 - 8]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره معصية العاصي، ونتيجة العمل تعود على العبد نفسه إن خيراً فخير وإن شراً فشر، لكن المولى سبحانه يحب الطاعة ويكره الكفر والمعصية، وهو عدل لا يجازي نفساً إلا على كسبها لكمال علمه وخبرته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ...)

    الحمد لله رب العالمين وأشهد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الزمر: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الزمر:7].

    في هذه الآية يذكر الله سبحانه وتعالى لعباده غناه عنهم، وعن عبادتهم، فالله هو الغني الحميد، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم:19-20].

    خلق الله الإنسان في هذه الدنيا وجعل له الاختيار: إما أن يعمل العمل الصالح، وإما أن يعمل غير ذلك.

    فالله خلق الإنسان وعلمه البيان، وجعل له في هذه الدنيا سبيلين كما قال سبحانه: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10]، فمن اتبع سبيل أهل السعادة كان من أهلها في الآخرة، ومن التزم طريق أهل الشقاوة كان من أهلها في الآخرة، ولا ينفع ربه بطاعته، ولا يضر ربه سبحانه تبارك وتعالى بمعصيته.

    فقال لعباده: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزمر:7] فلو كفر العباد فلن يضروا الله سبحانه وتعالى شيئاً، وقد قال لهم في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً.

    يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم؛ كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).

    فلو كان جميع العباد على الطاعة لن ينفعوا ربهم بشيء، ولو كانوا كلهم على المعصية وعلى الكفر لم يضروا ربهم شيئاً، إنما ذلك راجع إلى العبد فهو الذي ينتفع بعمله، ولا يضر إلا نفسه.

    ولذلك في تتمة هذا الحديث القدسي يقول: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله) أي: فالله الذي دله على الخير، والله الذي وفقه له. (ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)، فالإنسان حين يجد يوم القيامة سيئاته قد غلبت حسناته، وأنه صار من أهل النار؛ فلا يلومن إلا نفسه، فقد دله الله عز وجل على الحق فأبى إلا اتباع الباطل.

    قال الله تعالى لنا هنا: إِنْ تَكْفُرُوا [الزمر:7] أي: إن تعرضوا عن عبادة الله تبارك وتعالى، وتشركوا بالله سبحانه، ولا تشكرون ربكم، والكفر عكس الإيمان، وأصل كلمة الكفر: الستر والتغطية، فكأن الإنسان غطى على نعمة الله ولم ينسبها إليه، وجحد هذه النعمة ولم يشكرها.

    يقول الله تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزمر:7] فهو غير محتاج لعبادتكم ولا تنفعه طاعتكم.

    معنى قوله تعالى: (ولا يرضى لعباده الكفر)

    الحمد لله رب العالمين وأشهد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الزمر: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الزمر:7].

    في هذه الآية يذكر الله سبحانه وتعالى لعباده غناه عنهم، وعن عبادتهم، فالله هو الغني الحميد، إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [إبراهيم:19-20].

    خلق الله الإنسان في هذه الدنيا وجعل له الاختيار: إما أن يعمل العمل الصالح، وإما أن يعمل غير ذلك.

    فالله خلق الإنسان وعلمه البيان، وجعل له في هذه الدنيا سبيلين كما قال سبحانه: وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ [البلد:10]، فمن اتبع سبيل أهل السعادة كان من أهلها في الآخرة، ومن التزم طريق أهل الشقاوة كان من أهلها في الآخرة، ولا ينفع ربه بطاعته، ولا يضر ربه سبحانه تبارك وتعالى بمعصيته.

    فقال لعباده: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزمر:7] فلو كفر العباد فلن يضروا الله سبحانه وتعالى شيئاً، وقد قال لهم في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً.

    يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم؛ كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).

    فلو كان جميع العباد على الطاعة لن ينفعوا ربهم بشيء، ولو كانوا كلهم على المعصية وعلى الكفر لم يضروا ربهم شيئاً، إنما ذلك راجع إلى العبد فهو الذي ينتفع بعمله، ولا يضر إلا نفسه.

    ولذلك في تتمة هذا الحديث القدسي يقول: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله) أي: فالله الذي دله على الخير، والله الذي وفقه له. (ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)، فالإنسان حين يجد يوم القيامة سيئاته قد غلبت حسناته، وأنه صار من أهل النار؛ فلا يلومن إلا نفسه، فقد دله الله عز وجل على الحق فأبى إلا اتباع الباطل.

    قال الله تعالى لنا هنا: إِنْ تَكْفُرُوا [الزمر:7] أي: إن تعرضوا عن عبادة الله تبارك وتعالى، وتشركوا بالله سبحانه، ولا تشكرون ربكم، والكفر عكس الإيمان، وأصل كلمة الكفر: الستر والتغطية، فكأن الإنسان غطى على نعمة الله ولم ينسبها إليه، وجحد هذه النعمة ولم يشكرها.

    يقول الله تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزمر:7] فهو غير محتاج لعبادتكم ولا تنفعه طاعتكم.

    قال سبحانه: وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر:7] أي: لا يحب سبحانه وتعالى الكفر، ولا يرضى من عباده أن يكفروا به.

    فإذا كان لا يرضى منهم ذلك؛ فإنه يحاسبهم ويعاقبهم عليه.

    وإذا كان الله سبحانه وتعالى لا يرضى لعباده ذلك فلم أوجد الكفر في هذه الدنيا؟

    يقول سبحانه: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [التغابن:2].

    فالله خبير بعباده وبصير بهم، لحكمة يعلمها سبحانه أوجد العباد في هذا الكون؛ ليكون منهم المؤمنون وليكون منهم الكافرون، وليس من حق العبد أن يعترض على ربه ويقول: لم خلقت الكفر؟ فالله أعلم وأحكم.

    لكن بالإمكان أن نلتمس الحكم بعد التسليم، فمن ضمن الحكم: إظهار مقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأنه الرحمن العلي الحكيم القادر سبحانه وتعالى، وأنه المقدر لأمور عباده.

    فالإنسان يعلم من صفات الله سبحانه أنه على كل شيء قدير، وأنه لو شاء لهدى الناس أجمعين، وأنه يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، وأنه يحب منهم الإيمان، ويكره منهم الكفر والفسوق والعصيان.

    فهو سبحانه يحب الإيمان ومع ذلك أوجد الكفر حتى يبتلى أهل الإيمان، ويظهر إيمانهم، هل هو إيمان بالله يدفعهم للعمل الصالح، والأمر المعروف والنهي عن المنكر أم هو إيمان باللسان فقط؟

    فابتلى الله المؤمن بالكافر، وابتلى المطيع بالعاصي، وابتلى أهل السعادة بأهل الشقاوة.

    الفرق بين المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية

    قال سبحانه: وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر:7] أي: لا يحب سبحانه وتعالى الكفر، ولا يرضى من عباده أن يكفروا به.

    فإذا كان لا يرضى منهم ذلك؛ فإنه يحاسبهم ويعاقبهم عليه.

    وإذا كان الله سبحانه وتعالى لا يرضى لعباده ذلك فلم أوجد الكفر في هذه الدنيا؟

    يقول سبحانه: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [التغابن:2].

    فالله خبير بعباده وبصير بهم، لحكمة يعلمها سبحانه أوجد العباد في هذا الكون؛ ليكون منهم المؤمنون وليكون منهم الكافرون، وليس من حق العبد أن يعترض على ربه ويقول: لم خلقت الكفر؟ فالله أعلم وأحكم.

    لكن بالإمكان أن نتلمس الحكم بعد التسليم، فمن ضمن الحكم: إظهار مقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأنه الرحمن العلي الحكيم القادر سبحانه وتعالى، وأنه المقدر لأمور عباده.

    فالإنسان يعلم من صفات الله سبحانه أنه على كل شيء قدير، وأنه لو شاء لهدى الناس أجمعين، وأنه يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، وأنه يحب منهم الإيمان، ويكره منهم الكفر والفسوق والعصيان.

    فهو سبحانه يحب الإيمان ومع ذلك أوجد الكفر حتى يبتلى أهل الإيمان، ويظهر إيمانهم، هل هو إيمان بالله يدفعهم للعمل الصالح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم هو إيمان باللسان فقط؟

    فابتلى الله المؤمن بالكافر، وابتلى المطيع بالعاصي، وابتلى أهل السعادة بأهل الشقاوة.

    معنى قوله تعالى: (وإن تشكروا يرضه لكم)

    قال الله: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7] أي: يرضى ويحب من عباده أن يشكروه.

    فالعبد إذا شكر الله زاده، قال الله عز وجل: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7]، والشكر يكون باللسان وبالقلب وبالعمل.

    فإذا شكر الإنسان ربه بقلبه اطلع على ذلك، وعلم أن هذا القلب قلب شاكر.

    والشكر باللسان، كأن يقول: الحمد لله والشكر لله، ويثني على الله عز وجل الثناء الحسن على ما أنعم به وأعطاه.

    والشكر بالفعل كأن يعطيه الله المال فيتصدق، يريد بذلك وجه الله سبحانه، ويعطيه القوة والقدرة فيعين غيره من أهل الحاجات ابتغاء وجه الله سبحانه.

    وفي قوله تعالى: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7] ثلاث قراءات، وأصل (يرضه) يرضاه لكم، ولكن جزمت هنا لوقوعها في جواب الشرط، فتقرأ بالاختلاس، (يرضهُ لكم)، وتقرأ بالإشباع (يَرْضَهُ لكم)، وتقرأ بالتسكين (يرضهْ لكم).

    والقراء على ستة أقسام في هذه القراءات الثلاث: فمنهم من يقرؤها بالاختلاس فقط، (وإن تشكروا يرضه لكم) وهذه قراءة حفص عن عاصم ، وقراءة نافع ، وأيضاً قراءة حمزة وكذلك قراءة يعقوب .

    ومعنى الاختلاس أنه لا يجعل الضمة التي على الهاء في قوله (يرضهُ) كأنها واو فلا يقول: (يرضهو لكم).

    ومنهم من يقرأ بالإشباع فيها وهم ابن كثير والكسائي وخلف فيقرءون (وإن تشكروا يرضهو لكم).

    ومنهم من يقرأ بالإسكان فقط وهذه قراءة السوسي عن أبي عمرو (يرضهْ لكم).

    وباقي القراء لكل منهم وجهان: إما أن يقرأ بالإسكان أو الإشباع كما هي قراءة الدوري عن أبي عمرو وقراءة ابن وردان عن أبي جعفر وابن جماز عن أبي جعفر .

    ومنهم من يقرأ بالإسكان وبالاختلاس وهم: هشام وشعبة عن عاصم وابن ذكوان وابن وردان عن أبي جعفر .

    معنى قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى ...)

    قال تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الزمر:7] الوازرة بمعنى: الحاملة للوزر، وهذا وصف للنفس. والمعنى: أن النفس التي تحمل الإثم لا تحمل إثم نفس أخرى، فلا يأتي يوم القيامة إنسان ويقول: أنا داخل النار فهاتوا ذنوبكم وأنا أحملها عنكم.

    فالإنسان يحمل وزره فوق ظهره، ويسأل عن عمله: فإن كان وزره على نفسه حمل إثمه، وإن كان سن للناس السنن السيئة ففعلوا مثلما يفعل حمل إثمه وآثامهم من غير أن ينقص من آثامهم شيء. وهذا ابن آدم الذي سن للناس القتل يوم أن قتل أخاه، فتأتي كل نفس قاتلة يوم القيامة وتسأل عما فعلت وتحاسب وتعاقب على ذلك، وهو يعاقب عن عمله وفوقه مثل آثام هؤلاء الذين سن لهم ذلك.

    وكذلك كل من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء. والعكس في الحسنات، فمن سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من حسناتهم شيء.

    وقول الله عز وجل هنا: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الزمر:7] كأنه يرد على الكفار الذين قال بعضهم لبعض: اتبعونا وسنحمل آثامكم كما قال الله تعالى عنهم: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ [العنكبوت:12] وهذا كذب، إذ إنهم يهرفون بما لا يعرفون، ويتكلمون بما لا يفهمون، فمن أمر بالمنكر فعليه إثمه وإثم فعله له.

    ثم قال تعالى: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [الزمر:7] فالمرجع إلى الله سبحانه، فينبئكم أي: يخبركم سبحانه وتعالى، والإنباء الإخبار بالغيب.

    فكل ما يفعله هذا الإنسان مكتوب عند الله في كتاب، ونحن نفعل الذنوب وننساها والله لا ينسى شيئاً أبداً.

    فإذا جاء العبد يوم القيامة أراه الله صحيفة عمله وما فيها من الحسنات والسيئات، فيخبرنا بما غاب عنا وبما فعلناه في الدنيا ونسيناه.

    ثم قال سبحانه: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الزمر:7] أي: هو العليم سبحانه بما خفي وما ظهر، والعليم بما دق وما عظم وما جل، والعليم بالقريب والبعيد.

    وقد قلنا: خلق الإنسان ويحاسبه؛ ليظهر مقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأنه العليم والقدير وأنه الكبير سبحانه وتعالى.

    يجمع الخلق جميعهم من لدن آدم إلى قيام الساعة يوم القيامة ويحاسب الجميع ولا يخفى عليه شيء. فكم من أبناء آدم يحاسبون يوم القيامة! كم من الجن ومن الشياطين من أبناء إبليس يحاسبون يومئذ!

    بل إنه عليم بما يختلج في صدر الإنسان مما لا يتكلم به، عليم بالنوايا، عليم بأفعال القلوب فكيف بالأفعال الظاهرة التي يفعلها الإنسان؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه ...)

    قال سبحانه: وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [الزمر:8] طبيعة عجيبة في الإنسان وهي طبيعة نسيان المنعم سبحانه وتعالى، فالعبد يعطيه الله عز وجل فيحمد الله، ثم يعطيه ثانية فيحمده، فإذا أعطاه ثالثة نسي أن يقول: الحمد لله، ولعله يكتم ذلك ولا يزال يكتم حتى يقول أمام الناس: لم يعطني ربي شيئاً، وأعطى فلاناً ولم يعطني!

    فتجده ينظر إلى غيره، وينسى أنه يتكلم بلسان ويمشي برجل، ينسى هذه النعم، وينظر لشيء من حطام الدنيا، فإذا أصابه ألم جأر إلى ربه بالدعاء والشكوى، وتذكر ذنوبه؛ فيرجع إلى ربه منيباً إليه.

    قال تعالى: ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ [الزمر:8] أي: ملكه وأعطاه سبحانه وتعالى، نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ [الزمر:8] أي: نسي دعاءه السابق بعد كشف الغمة والكرب، ونسي أنه كان يوحد الله سبحانه.

    وكان أهل الجاهلية عندهم من ذلك العجب، إذ كانوا في وقت النعمة يشركون، ويعبدون غير الله سبحانه، ويقولون: نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله؛ فإذا نزل بهم الضر رجعوا إلى ربهم سبحانه.

    ومن أمثلة ذلك: قصة عكرمة رضي الله عنه لما أن فر من النبي صلى الله عليه وسلم بعد فتح مكة، وكان أبغض شيء إليه الإسلام، إذ ورث ذلك عن أبيه أبي جهل ، واتجه صوب البحر، فلما ركب السفينة هاجت الأمواج، واضطرب البحر، فناداهم ربان السفينة قائلاً: يا أيها الناس! ادعوا ربكم فإنه لا ينقذكم مما أنتم فيه أحد سواه. فصكت العبارة أذن عكرمة رضي الله عنه، وبدأ يفكر فيما يعبده من الأصنام وأنها لا تنفعه في هذه المصيبة، فقال: والله لئن أنجانا الله من هذا لأرجعن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولأضعن يدي في يده فلأجدنه رءوفاً رحيماً.

    وفعلاً نجاهم الله سبحانه وتعالى من الكرب، ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وحسن إسلامه بعد ذلك.

    كان ذلك سلوك أهل الجاهلية السابقة، أما جاهلية اليوم فقد صارت أشد من الجاهلية في الماضي، ففي الماضي كانوا يدعون ربهم وقت الضر، أما الآن ففي وقت الضر يقولون: يا بدوي! يا أبا العباس ! فينسى الله تبارك وتعالى، لا في وقت الرخاء يدعوه، ولا في وقت البلاء يوحده، ينسى ربه ويصرف العبادة لغير الله.

    وتجد كثيراً من الناس بدلاً من أن يناجي ربه يقول: يا بدوي ، مدد يا فلان.

    ماذا يملك له فلان هذا؟! والله سبحانه الذي بيده النفع والضر يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] ولم يقل: ادعوا فلاناً، ولا ادعوا فلانة.

    في هذه الآية ربنا تبارك وتعالى ينعى على الإنسان ما هو فيه من جحود ونكران لنعم الله سبحانه، وأنه في وقت ضره يذكر، ووقت النعمة ينسى.

    وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر للعباد بأن يكثروا من ذكر الله سبحانه وتعالى، وألا ينسوا ربهم سبحانه فقال: (من سره أن يستجاب له في وقت البلاء فليكثر من الدعاء في وقت الرخاء).

    فالإنسان إذا كان في وقت رخائه يكثر من الدعاء، ويكون صوته مسموعاً في السماء، فإذا جاءه بلاء فالله سبحانه وتعالى يكشفه عنه لكثرة ما كان يدعو قبل ذلك، فهو يدعوه في الضراء وفي السراء.

    أما الذي لا يذكر ربه إلا في وقت النقمة ووقت البلاء فهذا لا يستحق كشف بلائه إلا أن يتغمده الله عز وجل برحمته.

    فإذا أردت أن يستجيب الله لك ويكشف ما ينزل بك من الشدة فأكثر من الدعاء في وقت رخائك يستجب لك في وقت بلائك.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.