إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب [63 - 69]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان كفار العرب يسألون النبي عليه الصلاة والسلام عن الساعة استبعاداً لوقوعها، واستهزاءً بها، فأمر الله نبيه أن يقول لهم: علمها عند الله، ولعل الساعة تكون قريباً، وقد بين الله أنه لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً، وسوف يتمنون لو أنهم أطاعوا الله ورسوله، ويعترفون بأنهم أطاعوا سادتهم وكبراءهم فضلوا السبيل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الأحزاب: يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا * إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [الأحزاب:63-68].

    سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة فأجاب بأن علم الساعة عند الله سبحانه لم يطلع على ذلك أحداً من خلقه، ولذا قال: إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ [الأحزاب:63]، أي: ما يعلمك، لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب:63]، أي: لعل وقتها يكون قريباً.

    والساعة: القيامة، وتأنيث كلمة الساعة ليس أصلياً؛ فهي ليست مؤنثاً حقيقياً، لذلك يجوز أن يقال: تكون الساعة قريبا، ويجوز أن يقال: قريبة بالتاء فيها.

    وكذلك كلمة الرحمة تأنيثها ليس حقيقياً أصلياً، ولذلك قال: إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56]، فجاء بصيغة التذكير، وكأنه ضمنها معنى: عفو الله تبارك وتعالى فقال: قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف:56].

    وهنا ضمن الساعة معنى اليوم الذي تقوم فيه القيامة فقال سبحانه: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ [الأحزاب:63]، أي: يومها يكون قريباً.

    وقوله: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا [الأحزاب:64]، الكافرون المكذبون بالساعة جزاؤهم عند الله سبحانه وتعالى جزاء فظيع يستحقونه بتكذيبهم بالساعة وبتكذيبهم بالنبي صلوات الله وسلامه عليه وبما جاء به.

    وقوله: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ [الأحزاب:64]، أي: طردهم من رحمته سبحانه، وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا [الأحزاب:64]، هيأها وخلقها، وأضرمها، وسعرها لهؤلاء، فهي تنتظرهم يوم القيامة.

    وقوله: وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا [الأحزاب:64-65] في هذه الكلمة ما فيها من التهديد والوعيد للكافرين؛ فقوله: وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا [الأحزاب:64] خلاف ما يقول: ويدخلهم سعيراً، لأن (يدخلهم سعيراً) لعله يخلقها في ذلك الوقت، ولكن (أعد لهم) كأنها تنتظرهم من آلاف السنين الماضية وهي مستعرة مشتعلة تنتظر هؤلاء أن يحرقوا فيها.

    فإذا دخلوها لم يخرجوا منها أبداً؛ ولذا قال: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الأحزاب:65]، فقد قضى الله سبحانه أنه لا يغفر الشرك أبداً، كما قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فكل ذنب عسى الله عز وجل أن يتوب على صاحبه، وعسى الله عز وجل أن يغفره لصاحبه إذا تاب العبد إلى الله سبحانه وتعالى منه، وإذا لم يتب العبد إلى الله فهو تحت المشيئة، إلا أن يكون ذنبه شركاً بالله سبحانه فهذا لا يغفره الله، كما قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ [النساء:48]، فما دون الشرك يغفره سبحانه وتعالى لمن يشاء.

    وقوله: لا يَجِدُونَ وَلِيًّا [الأحزاب:65]، أي: قريباً يحن عليهم ويرحمهم ويتولى أمرهم، ولا يجدون نصيراً ينصرهم من عذاب الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم تقلب وجوههم في النار ...)

    وقوله: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا [الأحزاب:66] أي: يوم القيامة .. يوم يدخلهم الله عز وجل النار فإذا بالنار تغلي بهم، كما قال عز وجل: إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ [الهمزة:8-9].

    فالنار لا يقدر أحد أن يخرج منها؛ إذ كيف يخرج وعليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فالنار عظيمة، وقعرها عميق جداً يهوي الحجر من أعلى النار إلى قعر النار سبعين خريفاً والعياذ بالله، والنار أبوابها مغلقة، ولو لم تكن هذه الأبواب مغلقة كيف يهربون منها وفي أيديهم وأعناقهم وأرجلهم السلاسل يسحبون في النار؟ وفي ذلك زيادة في العذاب والألم لأهل النار والعياذ بالله، فالنار أبوابها مغلقة عليهم بأعمدة عليها ليست أقفالاً كالتي نعرفها، ولكن أعمدة تغلق أبواب النار فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ [الهمزة:9]، أي: على أبوابها فلا يستطيعون منها خروجاً.

    فهؤلاء تقلب وجوههم في النار، وتدور بهم النار، وهذه الوجوه تحرقها النار والعياذ بالله، فتتحول إلى اللون الأخضر، فإنها تخضر في النار، ثم تسود، ثم تبدل جلوداً غير هذه الجلود، فتبدل ليزيد الله عز وجل من عذابهم.

    وحجم الكافر عظيم جداً في نار جهنم؛ حتى يقاسي ويصلى العذاب في كل عضو وجزء من جسده، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم يذكر لنا: (أن ضرس الكافر يكون حجمه كجبل أحد)، فكيف بوجهه ورأسه؟ وكيف بجسده؟ زاد الله عز وجل في أبدانهم حتى يعلموا أن عذاب الله شديد، فيعذبون جزءاً جزءاً وعضواً عضواً في أجسامهم حتى يذوقوا العذاب، وتنضج جلودهم في النار، كما قال عز وجل: كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56].

    وقوله: جَزَاءً وِفَاقًا [النبأ:26]، كانوا في الدنيا يكفرون بالله سبحانه وتعالى، ويتكلمون بالكلام الفظيع الشنيع في حق الله سبحانه، فيدعون له الصاحبة، ويدعون له الولد، ويكفرون بالله، ويشركون به، ويؤذون أولياء الله سبحانه، ويؤذون المؤمنين في الدنيا، فهذا جزاؤهم: نار جهنم.

    وقوله: يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ [الأحزاب:66]، ويصرخون، يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا [الأحزاب:66]، فيندمون في وقت لا ينفعهم الندم، ويقولون: (يا ليتنا) وهذه كلمة يقولونها قد انقضى وقتها، ولعلها كانت تنفعهم في الدنيا، أما وهم في النار فلا خروج لهم من النار.

    وقوله: (وأطعنا الرسولا) هذه الكلمة (الرسولا) فيها ثلاثة قراءات في الوقف والوصل: فبعض القراء يقرؤها إذا وقف عليها: (الرسول) فإذا وصل قال: (الرسول - وقالوا) فعلى ذلك وقفاً ووصلاً يكون باللام من غير ألف.

    وبعض القراء يقرؤها إذا وقف عليها (الرسولا) كهذه القراءة التي يقرؤها حفص ، ويقرؤها ابن كثير ، ويقرؤها الكسائي أيضاً ويقرؤها خلف ، فهؤلاء يقرءون إذا وقفوا وَأَطَعْنَا الرَّسُولا [الأحزاب:66]، فإذا وصلوا قالوا: وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا [الأحزاب:66-67]، تقرأ بفتح اللام عند الوصل.

    وبعض القراء يقرءونها بالألف في الحالين سواء وقفاً أو وصلاً فيقرءون: وَأَطَعْنَا الرَّسُولا [الأحزاب:66]، إذا وقفوا عليها ويقولون: وَأَطَعْنَا الرَّسُولا * وَقَالُوا رَبَّنَا [الأحزاب:66-67]، هؤلاء منهم نافع .. ومنهم أبو جعفر .. ومنهم ابن عامر والقراءة الثانية لـعاصم بقراءة شعبة عن عاصم.

    وبقية القراء يقرءونها بحذف الألف في الحالين، وهم أبو عمرو ، وحمزة ، ويعقوب ؛ هؤلاء يقرءون: وَأَطَعْنَا الرَّسُول [الأحزاب:66]، إذا وقفوا عليها، فإذا وصلوا قالوا: وَأَطَعْنَا الرَّسُول * وَقَالُوا [الأحزاب:66-67].

    فهنا فيها ثلاث قراءات: فيها إما بالألف في الحالين: حال الوصل وحال الوقف، وإما بغير الألف في الحالين، أو بالألف وقفاً وبغيرها وصلاً، ومثلها قوله تعالى: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا [الأحزاب:67]، فإنها تقرأ بالألف في الحالين، وتقرأ بالألف وقفاً دون الوصل، وتقرأ بحذفها في الحالين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا...)

    وقوله: وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا [الأحزاب:67] يعني: أنهم وهم في النار والعياذ بالله يقولون: هؤلاء الكبراء.. هؤلاء الرؤساء.. هؤلاء الوزراء.. هؤلاء القادة.. هؤلاء هم الذين أضلونا عن سبيل الله سبحانه.

    فيعتذرون بأنهم كانوا مقهورين، ويقولون: نحن عملنا ما أمرنا به، فقد كنا مقهورين، لكن يا ترى هل هذا العذر ينفع؟ الجواب: لا ينفعهم عذرهم هذا، كما قال عز وجل: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ [المدثر:38]، فالإنسان الظالم ولو أمره ظالم آخر بالظلم ليس هذا عذراً له أن يظلمه، فلما قالوا معتذرين بذلك لم ينفعهم عذرهم، ولم يجبهم ربهم سبحانه، وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا [الأحزاب:67]، السادة هم الكبراء، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن عامر ويعقوب أيضاً بالجمع.

    وقوله: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا [الأحزاب:67] أي: كانوا سبب الضلال الذي كنا فيه في الدنيا، فاستحققنا عقوبة الله والعياذ بالله.

    وقال عز وجل: أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ [الصافات:27]، أي: أن أهل النار يتساءلون: ما الذي أدخلنا إلى النار؟ وقال عز وجل عنهم: فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ [إبراهيم:21]، أي: لو كان ربنا هدانا في الدنيا لكنا هديناكم، سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ [إبراهيم:21].

    فالضعفاء يقولون للمستكبرين: أنتم أدخلتمونا هذه النار، أطعناكم فأضللتمونا عن سبيل الله سبحانه، فيقول هؤلاء للضعفاء: أنحن أغويناكم عن هذا الطريق؟ أنتم الذي كنتم مجرمين، بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ [سبأ:32]، أي: كنتم مجرمين في الدنيا، فما الذي جعلكم تسمعون هذا الكلام؟ فأنتم كنتم مجرمين.

    فهم في العذاب والنار مؤصدة عليهم، ومع ذلك يشتم بعضهم بعضاً، ويدعو بعضهم على بعض، ويسب بعضهم بعضاً وهذا حالهم أبد الآبدين في نار الجحيم والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً)

    يقول الله تبارك وتعالى مبيناً أن هؤلاء دعوا فقالوا: رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [الأحزاب:68]، فاستحق الجميع النار، فإذا بهم يدعون على الكبار ويقولون: رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ [الأحزاب:68]، أي: أنت أعطيتنا عذاباً، فأعطهم عذابين.

    وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [الأحزاب:68]، أي: أنزل عليهم لعناتك وهم في النار فتزيدهم عذاباً فوق عذابهم.

    وقوله: وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا [الأحزاب:68]، هذه قراءة عاصم وقراءة هشام عن ابن عامر بخلفه، وباقي القراء يقرءونها: (والعنهم لعناً كثيراً) فدعوا على الكبراء منهم أن يلعنهم الله سبحانه اللعن الكثير في الكم والكبير في الكيف.

    فهم في النار يقولون ذلك، ويكون جواب الله عز وجل لأهل النار: قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:38]، أي: لكم كلكم عذاب مضاعف في نار جهنم والعياذ بالله، وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:38].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى ...)

    ولما ذكر الله عز وجل عذاب الكفار في النار قال للمؤمنين: احذروا أن تكونوا مثلهم، واحذروا أن تعملوا عملهم فتستحقون العذاب مثل هؤلاء، واحذروا أن تؤذوا النبي صلوات الله وسلامه عليه كما آذى هؤلاء الكفار الأنبياء من قبله عليه الصلاة والسلام، فقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب:69]، وكم آذت يهود موسى النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا؟! فقد آذوه كثيراً بأقوالهم، وبأفعالهم، وكذلك أوذي النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يقتدي بموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فإذا أوذي النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)، وهذا من هضم النفس؛ فإنه صلوات الله وسلامه عليه كان يهضم حق نفسه ويتواضع ويقول: (لقد أوذي أخي موسى بأكثر من هذا فصبر).

    وقد أوذي النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً؛ فقد ادعى عليه الكفار أنه ساحر، وادعوا عليه أنه مجنون، وكذبوا عليه صلوات الله وسلامه عليه، ورموه بالأباطيل، فأوذي صلى الله عليه وسلم فصبر.

    وكان الكفار يتعمدون أن يؤذوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة .. وهو يسجد لله سبحانه، فكان أحدهم يأتي بسلى بعير ويلقيه على ظهره صلى الله عليه وسلم ليؤذيه، وكانت امرأة أبي لهب تأتي بما وجدته من شوك فترميه على باب النبي صلوات الله وسلامه عليه لتؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرها الله عز وجل في القرآن بقوله: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ [المسد:4]، لأنها كانت تحمل الحطب وتأتي بالشوك فتلقيه أمام بيت النبي صلى الله عليه وسلم!

    و أبو لهب كان يمشي وراء النبي صلى الله عليه وسلم وكلما دعا أحداً إلى الله يقول: لا تصدقه؛ إنه كذاب، نحن أهل بيته نحن أعلم به.

    فأوذي النبي صلى الله عليه وسلم أذى شديداً، فلما هاجر إلى المدينة، وجاء أهل الإيمان ودخلوا في دين الله سبحانه وتعالى كان المنافقون يحرشون به صلى الله عليه وسلم ويؤذونه عليه الصلاة والسلام، فآذوه في أهل بيته، حيث رموا السيدة عائشة حبيبة النبي صلوات الله وسلامه عليه بالإفك، وأنزل الله عز وجل تبرئتها في القرآن، فآذوا النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

    وآذوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا عن زيد الذي أمَّره النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا يصلح للإمارة، فكأنهم رموا النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يحسن الاختيار، فلما قتل شهيداً وكان مقبلاً غير مدبر علموا أنهم أخطئوا وأساءوا في ذلك، وولى بعده أسامة بن زيد ، فبعض الناس تكلموا فيه أنه لا يصلح، فكأنهم اتهموا النبي صلى الله عليه وسلم بسوء الاختيار، وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من الإيذاء للنبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وجاء أن رجلاً وجد النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين الناس غنيمة ونحوها فإذا بالرجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: اعدل يا محمد! فقال النبي صلى الله عليه وسلم وقد غضب من إيذاء هذا الرجل: (ويلك! من يعدل إن لم أعدل؟ خبت وخسرت إن لم أكن أعدل)، أي: إذا كنت أنت تتبعني وتعتقد أنني لا أعدل فأنت خسران.

    فهذا الرجل آذى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وكم أوذي صلى الله عليه وسلم! فقد كان يأتيه الرجل فيطلب منه صدقة ويأخذ بثوبه صلى الله عليه وسلم ويجمعه على عنقه حتى يخنق النبي صلى الله عليه وسلم، وتؤثر حاشية البرد في عنقه صلى الله عليه وسلم، ويقول: يا محمد! أعطني من مال الله لا من مالك ولا مال أبيك! فيسيء في القول بحماقة وجهالة.

    فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: دع ثوبي، ويأمر الناس ويقول: (أعطوه)، ولا يعاقبه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    فكم أوذي ولم ينتصر لنفسه صلى الله عليه وسلم، وإذا بالله ينزل هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا [الأحزاب:69] أي: لا تقلدوا بني إسرائيل فربنا برأ موسى، ويبرئ النبي صلى الله عليه وسلم مما يقول هؤلاء الكذابون.

    فبنو إسرائيل آذوا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام كثيراً، ومن أشهر ما جاء في هذه الأذية ما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة، وكان موسى يغتسل أو يتستر كثيراً ويخفي بدنه، فقال قوم: هو آدر وأبرص أو به آفة).

    كان في شرع بني إسرائيل يجوز أن يغتسلوا عراة، ولكن موسى عليه الصلاة والسلام كان يتستر ولا يظهر معهم أبداً عليه الصلاة والسلام، فإذا بهم يرمونه بأشياء ويقولون: لولا أن جلده به برص لما تستر، ولولا أن فيه من السوء وأنه آدر -أي: عظيم الخصية- لما تستر.

    فإذا بالله عز وجل يبرئه من كذبهم، وتحدث معجزة عجيبة جداً! وهي: أن موسى عليه السلام كان يغتسل وحده في مكان بعيد عنهم، فخلع ثوبه وجعله على حجر، فإذا بالحجر يجعل الله عز وجل فيه حياة، فأخذ الثوب وجعل يجري، فموسى كان ينظر ويندهش لهذا الشيء ويجري وراء الحجر ليأخذ ثوبه، حتى وصل إلى بني إسرائيل فنظروا إلى موسى وقالوا: ما به بأس، فبرأه الله عز وجل من كذبهم الذي ادعوا عليه، وإذا بموسى يأخذ الحجر ويضربه بعصاه. يقول أبو هريرة إن به لندباً -يعني: من ضرب موسى لهذا الحجر كان به مثل أثر الجروح التي في الإنسان- فأنزل الله عز وجل: لا تَكُونُوا [الأحزاب:69]، كهؤلاء الذين، آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ [الأحزاب:69] سبحانه وأظهر كذبهم، فلعنة الله على الكذابين.

    كذلك ادعوا على موسى أنه قتل آخاه هارون على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وذلك حين ذهب موسى للقاء ربه تبارك وتعالى، ويذكر علي رضي الله تبارك وتعالى عنه القصة فيقول: إن موسى وهارون خرجا من فحص التيه إلى جبل فمات هارون فيه، فجاء موسى إلى بني إسرائيل.

    وهم بقوا في التيه أربعين سنة التي كانت عقوبة من الله عز وجل لما أمرهم أن يدخلوا الباب سجداً، فإذا بهم يستكبرون، وإذا بهم يضحكون ويسخرون، يقول لهم: قُولُوا حِطَّةٌ [البقرة:58]، أي: قولوا يا ربنا! حط عنا خطايانا، فإذا بهم يضحكون ويقولون: حنطة، بدل ما يقولون: حطة، وقال لهم: وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا [البقرة:58]، أي: اسجدوا لله، فإذا بهم يدخلون زحفاً على أستاههم، فإذا بهم بتكذيبهم وبإعراضهم وباستهزائهم يستحقون عقوبة عظيمة عليهم، فإذا به سبحانه يكتب عليهم أنهم يتيهون في الأرض أربعين سنة.

    فكانوا يريدون أن يصلوا إلى بيت المقدس وإذا بالله يعمي أبصارهم فلا يجدون شيئاً، كان يمشون في الصحراء متوجهين إلى بيت المقدس فلا يصلون أبداً إلى بيت المقدس، كانوا وهم في طريقهم كلما قطعوا مسافة لا تنتهي هذه المسافة، وبقوا أربعين سنة على ذلك، وكان معهم نبيهم موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وفي هذه الفترة مات هارون عليه الصلاة والسلام؛ فإنه كان قد خرج مع موسى بأمر من الله سبحانه، ورجع موسى بعد ذلك وحده، فإذا ببني إسرائيل يقولون: أنت قتلته، يعني: حتى نبيهم عليه الصلاة والسلام الذي رأوا منه الآيات يكذبونه ويقولون: أنت قتلت أخاك! وكان هارون فيه لطف لبني إسرائيل، وكان موسى به شدة على بني إسرائيل، وكل ذلك في أمر الله سبحانه.

    ولما خرج موسى للقاء ربه سبحانه قال لهارون: امكث في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين، فمكث هارون في القوم فعبدوا العجل من دون الله، فنهاهم هارون، ولكن لم يتركهم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فظل معهم خائفاً أن يرجع موسى فيقول: فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي، ولما رجع موسى وجد هذا الشيء الفظيع الذي صنع، وكان في يده ألواح التوراة فألقاها على الأرض من شدة غضبه، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، قال عز وجل حاكياً عنه: قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [طه:94].

    فموسى خشي أن يكون هارون وافقهم على هذا الذي فعلوه وعبدوا العجل من دون الله سبحانه، وأنزل الله شرعه سبحانه أن يقتل بعضهم بعضاً.

    وهؤلاء الذين عبدوا العجل من دون الله حتى يتوب الله عز وجل عليهم أمرهم أن يقتل بعضهم بعضاً، فقتل في غداة واحدة سبعون ألفاً من هؤلاء.

    فالغرض: أن بني إسرائيل نظروا إلى هارون فيه لطف، وقالوا: هذا لا يعاقبنا.. هذا لا يضربنا، ونظروا إلى موسى فقالوا: إنه يضربنا وشديد علينا، فكان هارون أحب إليهم من موسى على نبينا وعليهما الصلاة والسلام.

    وموسى هو الرسول، وهارون مؤازر له ووزير ومعين له عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فلما رجع موسى عليه الصلاة والسلام وحده قالوا: أنت قتلته؛ لأنه كان ألطف بنا منك، وهو أرحم بنا منك، فلما قالوا ذلك واعتقدوه في أنفسهم كذباً وزوراً، إذا بالله عز وجل يجعل الملائكة يتكلمون فيسمعونهم: أن هارون مات.

    وفي بعض الروايات: أنهم حملوا جسده ومروا به أمام بني إسرائيل فلم يروا عليه شيئاً من أثر القتل فصدقوا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    فبنو إسرائيل آذوا موسى عليه الصلاة والسلام، فقالوا: إنه آدر وقالوا: به برص، وقالوا: إنه قتل آخاه.. إلى غير ذلك مما قالوه، فبرأه الله عز وجل مما قالوا، وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا [الأحزاب:69]، أي: كان موسى عند الله رفيع القدر عظيم المنزلة.