إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب [52 - 53]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما اختار أزواج النبي صلى الله عليه وسلم الله ورسوله والدار الآخرة أكرمهن الله عز وجل بأن حرم على نبيه أن يتزوج عليهن، ثم أباح له ذلك ليريهن كرامته صلى الله عليه وسلم عنده، ثم بين الله عز وجل الآداب التي ينبغي للضيف أن يراعيها تجاه المضيف، وبين مدى خلق النبي صلى الله عليه وسلم في الصبر على ضيوفه وتحمل أذاهم.

    1.   

    إكرام الله سبحانه لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم وبيان فضل النبي عليهن رضي الله عنهن

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأحزاب لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا [الأحزاب:52-53].

    في هذه الآيات يقول الله سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا يحل له النساء من بعد ما خيرهن واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فكافأ الله عز وجل نساء النبي صلى الله عليه وسلم على اختيارهن للآخرة بأن حرم على النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج عليهن صلوات الله وسلامه عليه.

    قال سبحانه: لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ [الأحزاب:52]، يعني: وحتى لو طلق واحدة من هؤلاء التسع وأراد أن يتزوج واحدة مكانها فلا يحل له ذلك.

    قال: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ [الأحزاب:52]، حتى ولو أعجبك حسن امرأة فليس لك أن تتزوجها مكافأة من الله عز وجل لنساء النبي صلى الله عليه وسلم على حسن اختيارهن فيما خيرهن الله سبحانه وتعالى فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة.

    قال تعالى: لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ [الأحزاب:52]، أي: جميع النساء، وهنا بالياء.

    والقراءة الأخرى: قراءة البصريين وقراءة أبي عمرو ويعقوب : (لا تحل لك النساء)، فجاء بضمير المؤنث للدلالة على جماعة النساء، والمعنى: لا يحل لك جميع النساء، ولا تحل لك جماعة النساء من بعد هذا التخيير واختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة.

    قال: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ [الأحزاب:52]، وهذه قراءة الجمهور.

    وقرأ البزي عن ابن كثير : (ولا أن تَّبدل بهن)، بتشديد التاء فيها، فإن النون تخفى في التاء وتشدد التاء فيها، وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ [الأحزاب:52]، فإذا وقف يعقوب عليها قال: (ولو أعجبك حسنهنه).

    ثم قال: إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ [الأحزاب:52] فأجاز الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم ملك اليمين، فإذا ملك من الإماء فله أن يطأهن صلوات الله وسلامه عليه، لكنه لا يتزوج الحرائر على أزواجه صلى الله عليه وسلم.

    وقد استمر هذا التحريم إلى وقت معين، ثم أبيح له بعد ذلك صلى الله عليه وسلم، فامتنع هو نفسه صلوات الله وسلامه عليه ولم يتزوج عليهن.

    قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحل له النساء عليه الصلاة والسلام.

    فالله أحل له ذلك ليظهر فضله على نسائه عليه الصلاة والسلام، في كونه لا يختار بعدهن أن يتزوج عليهن صلوات الله وسلامه عليه.

    جواز النظر إلى المخطوبة وبيان ضابطه وشروطه

    وفي قوله سبحانه: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ [الأحزاب:52]، فيه إشارة إلى نظر الإنسان إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها فإن أعجبه حسنها ودلها وسمتها فليتزوجها، وقد تعجب المرأة الإنسان ولا تعجب غيره، فالجمال شيء نسبي، ولكل إنسان اختيار معين، فقد يرضيك ما لا يرضي غيرك، ويرضي غيرك ما لا يرضيك.

    فالله عز وجل يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ [الأحزاب:52]، وقد جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم بيان ذلك، وأن للرجل إذا أراد أن يتزوج امرأة أن ينظر إليها، وإلا فالأصل: أن الإنسان يغض بصره، فلا يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة، ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل إلا للضرورة والحاجة.

    جاء في سنن الترمذي من حديث المغيرة بن شعبة : أنه أراد أن يتزوج امرأة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (انظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما). وهذا من محاسن الشريعة العظيمة، فلا يجوز أن يضيق على الإنسان الذي يريد أن يتزوج امرأة بألا ينظر إليها أصلاً، وإنما يبعث أحداً ليراها بدلاً عنه، ولربما بعث امرأة لتنظر إلى زوجته فلما رجعت وصفتها له على حسب ما رأتها، فيكتشف عند الدخول بها أنها على خلاف ما وصفت، وقد ذكرنا بأن الجمال نسبي متفاوت؛ فلذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم هنا أن ينظر إليها، وذلك لأجل أن تدوم الحياة الزوجية بين الرجل والمرأة، فلا تحصل نفرة لأنه لم يرها إلا يوم الفرح.

    وبعض الناس عندهم من التقاليد أن الرجل لا يرى المرأة إلا يوم الدخلة كما هو في الصعيد وغيره، وهذا خطأ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمر المغيرة أن ينظر إليها قبل ذلك إذا أراد أن يخطبها.

    وجاء في حديث آخر: أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً)، فالمهاجري هذا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار وهو لا يعرف هذه المرأة ولم يرها، فالنبي صلى الله عليه وسلم بين له أن في أعين الأنصار شيئاً، ولعل هذا الشيء صغر أو نحوه، ولم يكن المهاجرون متعودين على ذلك في مكة.

    قال له: (انظر إليها قبل أن تتزوجها فإن في أعين الأنصار شيئاً)، وهذا الأمر ليس على الوجوب، وليس معناه أن الإنسان يأثم إذا لم ينظر إلى المرأة، ولكن هذا الأمر إرشاد من النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه جعله سبباً في دوام الحياة، وحتى تكون في وفاق مع هذه المرأة التي تريد أن تتزوجها.

    روى الإمام أبو داود من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)، أي: فإن استطاع أن يذهب إلى بيتها ليراها وهي مع أبيها أو أخيها مثلاً فليفعل؛ لأن الخطبة مشروعة في الإسلام، مع أن الخطبة ليست عقداً وليست زواجاً، ولكنها مقدمة حتى ينظر الرجل وتنظر المرأة، فيذهب إليها وهي مع محارمها فينظر إليها.

    وجاء عن محمد بن مسلمة في سنن الإمام ابن ماجه ومسند الإمام أحمد أنه قال: خطبت امرأة فجعلت أتحيل لها حتى نظرت إليها، يعني: رأى الوقت المناسب الذي يمكنه فيه أن ينظر إليها ولم يشأ أن يحرجها، فكانت هي تذهب إلى حقلها وهو يختبئ لها، فنظر إليها فرأى وجهها فتقدم لها وتزوجها، فرآه بعضهم فقال له: أتفعل ذلك وأنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال لهم محمد بن مسلمة رضي الله عنه: نعم، إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ألقى الله في قلب أحدكم خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها).

    بقيت هنا مسألة: وهي متى ينظر إليها؟ فلا يختبئ للنساء لينظر إليهن وهو لا يريد الخطبة أو الزواج فهذا لا يحل له، بل إذا أراد خطبتها فليذهب إليها عند أهلها وينظر إليها، ولو فرضنا أنه لم يتيسر له ذلك وتيسر في مكان آخر فله أن ينظر إليها، لكنه لا يحل له أن ينظر إليها وهي عارية مثلاً، ولكن ينظر إلى الوجه وإلى الكفين فقط، فهذه هي الأشياء التي أباحت الشريعة للإنسان أن ينظر إليها في المرأة.

    عدم اشتراط الإذن في النظر إلى المخطوبة

    قال الإمام مالك : ينظر إلى وجهها وكفيها، ولا ينظر إلا بإذنها، هذا اختيار الإمام مالك : أنه لا ينظر إلى المرأة إلا أن تكون المرأة آذنةً له في ذلك فينظر إليها بإذنها.

    وذهب الشافعي وأحمد: إلى أنه ينظر إليها بإذنها وبغير إذنها، سواء أذنت أم لم تأذن، فقد يذهب الإنسان إلى بيت إنسان يريد خطبة ابنته ويكون متفقاً مع وليها أن ينظر إليها، وقد لا يقول لها هذا الشيء حتى لا يحرجها إذا رفض الرجل أن يتزوجها، فيستدعي البنت لشيء معين فينظر إليها الضيف الذي يريد خطبتها من غير أن تعرف أنه يريدها، حتى إذا لم يرد زواجها لم يحدث في قلبها شيء من الحزن.

    وقد يجوز النظر بالاتفاق مع أهلها: كأن يخطب الإنسان في النهار فتحضر البنت فينظر إلى وجهها وينظر إلى كفيها بالاتفاق المسبق مع أهلها، وذلك قول الشافعي وأحمد .

    وقالوا: بشرط أن تكون مستترة، فلا تدخل عارية أو بملابس البيت بحيث إنه ينظر إلى أكثر من ذلك، ولكن ينظر إلى الوجه والكفين فقط.

    قال الأوزاعي : ينظر إلى مواضع اللحم منها، هذا اختيار الإمام الأوزاعي رحمه الله.

    فالشاهد: أنه يجوز للإنسان أن ينظر من مخطوبته إلى وجهها وكفيها، فإذا رأى منها ما يدعوه إلى أن يتزوجها فليتزوجها، لكن لا يجوز أن ينظر إليها كل مرة، ولا أن يقف في الشارع لينظر إلى بنات الناس ويقول: إني أريد أن أخطب، ولكن إذا ألقي في قلب أحدكم خطبة امرأة فله أن ينظر إليها، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم.

    حكم تسري النبي لأمة كافرة

    هنا يقول الله عز وجل لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ [الأحزاب:52]، ثم استثنى فقال: إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ [الأحزاب:52]، فلم يحرم الله على النبي صلى الله عليه وسلم أن يطأ بملك اليمين، وهنا اختلف العلماء: هل ملك اليمين للنبي صلى الله عليه وسلم عام في المسلمة والكافرة، أم أنه خاص بالمسلمة فقط؟

    والناظر في حياته صلى الله عليه وسلم يجد أنه لم يحدث أنه وطأ بملك يمينه إلا امرأة مسلمة، وقد فعل ذلك يوم أن أهديت إليه امرأة قبطية فأسلمت عنده صلى الله عليه وسلم ووطئها صلوات الله وسلامه عليه، وبناءً على ذلك يقول بعض العلماء: إنه لم يحل له ذلك أصلاً.

    ويقول البعض الآخر: إنه يحل له كما يحل لغيره، ولكن لم يحدث ذلك، فالخلاف محصور في الحلية أو الحرمة فقط، ولكنهم اتفقوا على أنه لم يحدث ذلك منه صلوات الله وسلامه عليه.

    والذين قالوا: بأنه منع من ذلك، قالوا: تنزيهاً لقدره صلى الله عليه وسلم عن مباشرة امرأة كافرة، وقد قال الله عز وجل للمؤمنين: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ [الممتحنة:10]، فإذا كان المؤمن لا يمسك بعصمة امرأة كافرة فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم؟!

    1.   

    بيان وقت نزول آية الحجاب، وما يجب على الضيف تجاه مضيفه

    قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ [الأحزاب:53].

    في هذه الآية أدب جم للمؤمنين يؤدبهم الله سبحانه وتعالى به في أمر الطعام وأمر الجلوس في الضيافة، فيجب على الإنسان أن يلتزم بأدب الضيافة.

    ويجب على المضيف أن يدعو الأتقياء لطعامه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يأكل طعامك إلا تقي)، والراجح في هذا النهي أنه للإرشاد لا للتحريم، فيجوز للإنسان أن يطعم إنساناً شقياً أو مسلماً أو كافراً، سواء على وجه الهدية أو على وجه الصدقة، ولكن لا يكون هذا هو الغالب على أمر الإنسان أنه لا يطعم إلا الإنسان الشقي الفاجر، بل إذا دعا شقياً ليطعمه فليكن على وجه الدعوة له إلى دين الله عز وجل، وعلى وجه تحبيبه في دين الله سبحانه، فلابد أن توجد علة من وراء دعوتك له.

    أما أن يدعو إنساناً شقياً بعيداً عن الله سبحانه للصحبة فقط فلا، لأنه قد تتعدى الأخلاق السيئة إليه؛ لأن الطباع معدية أشد من المرض، فحين يعتاد الإنسان أن يجلس مع إنسان رديء فيأكل معه ويشرب معه يتعلم منه ما هو عليه من أخلاق بذلة سافلة، والطيور على أشكالها تقع، فالإنسان الذي يود إنساناً غير سوي فيتخلق بأخلاقه لابد وأن يكون هناك شيء جمع بينهما ليصاحب هذا الإنسان.

    ولذلك جاء في الحديث: (المرء مرآة قرينه)، فالإنسان مرآة لقرينه، فصورة قرينه تنطبع عليه، فالأخلاق هي التي تجمع بينهما، فلذلك نقول: إنه إذا دعا مثل هذا فليكن على وجه الندرة، وليدعوه إلى الله سبحانه وتعالى ويحببه في دين الله سبحانه ويدله على الطريق السوي، لكن يجب أن تكون العادة أنه لا يأكل طعامك إلا الإنسان التقي؛ لأن التقي إذا دخل بيتك غض بصره، وإذا أكل طعامك دعا لك، وإذا أكل شيئاً قليلاً شكر لك ولم يعترض عليك ولم يذمك.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ [الأحزاب:53].

    وسبب نزول هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما تزوج زينب بنت جحش رضي الله عنها أولم عليها فدعا الناس، فلما طعموا جلس طوائف منهم يتحدثون في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وبيت النبي صلى الله عليه وسلم عبارة عن غرفة واحدة، فامرأته في الغرفة وهو يسدل الحجاب بينه وبين الناس، وهنا أكل الناس عند النبي صلى الله عليه وسلم ولم يخرجوا، والنبي صلى الله عليه وسلم ينتظر خروجهم.

    وهذا لا يليق أبداً، فالنبي صلى الله عليه وسلم الآن معه امرأته وهي ليلة زفافه صلى الله عليه وسلم، وما زال الناس قاعدين في البيت! فجلسوا يتحدثون ولم يخطر ببال أحدهم أنهم يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فخرج صلى الله عليه وسلم ورجع لعلهم يستحون ويمشون فلم يخرجوا، وخرج مرة ثانية ورجع فوجدهم جالسين، فكان هذا ثقيلاً على النبي صلى الله عليه وسلم.

    يقول أنس بن مالك: إن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مولية وجهها إلى الحائط، فهي غرفة واحدة موجود فيها النبي صلى الله عليه وسلم وامرأته، وذلك قبل نزول آيات الحجاب، فزوجة النبي صلى الله عليه وسلم معطية للناس ظهرها، ووجهها إلى الحائط، والنبي صلى الله عليه وسلم ينتظر خروج هؤلاء، فأخذ يخرج ويرجع حتى فهموا منه ذلك فتحرجوا في النهاية.

    قال أنس : فما أدري! أنا أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم أن القوم قد خرجوا أو أخبرني، قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقي الستر بيني وبينه ونزل الحجاب.

    فنزول آيات الحجاب كان بعد زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة زينب بنت جحش رضي الله عنها، قال: ووعظ القوم بما وعظوا به، وأنزل الله عز وجل هذه الآية: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ [الأحزاب:53]، فمنع الناس من دخول بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وألا يدخلوا إلا إذا دعوا لذلك وإلا فلا.

    وحتى لو دعاك للدخول إلى بيته فلا تدخل من أول النهار، ولكن إذا نضج الطعام فاذهب وكل، فإذا أكلت فانصرف ولا تجلس في بيته؛ لأن ذلك يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم ويؤذي أهل النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الله عز وجل إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ [الأحزاب:53]، بشرط: غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ [الأحزاب:53]، وإناء الشيء، أي: نضجه، فلا تنتظر الطعام في بيته إلى أن ينضج، ولكن اذهب وقت نضجه فقط.

    ثم قال تعالى: فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا [الأحزاب:53]، أي: إذا دعيتم للطعام فادخلوا، فإذا أكلتم فانصرفوا ولا تجلسوا للحديث بعده، وهذا أدب عظيم للضيف يجب أن يعلمه جيداً.

    يقول ابن أبي عائشة :حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.