إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب [30 - 33]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد جعل الله سبحانه وتعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم قدوة لنساء المسلمين في الآداب الإسلامية، فإذا كان الله سبحانه وتعالى حذر نساء النبي صلى الله عليه وسلم من الخضوع بالقول مع الرجال ومن الاختلاط وتبرج الجاهلية مع جلالة قدرهن وفضلهن على نساء العالمين، فنساء المؤمنين أولى بالتحلي بهذه الآداب.

    1.   

    الثواب والعقاب في حق نساء النبي

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأحزاب: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا [الأحزاب:32-34].

    في هذه الآيات من سورة الأحزاب يخاطب الله سبحانه وتعالى نساء النبي صلوات الله وسلامه عليه، ويبين فضلهن رضوان الله تبارك وتعالى عليهن، فهنّ نساء النبي صلى الله عليه وسلم ولذلك طهرهن الله سبحانه وتعالى تطهيراً، أدبهن ورباهن بكتابه سبحانه وتعالى، وبما أنزل على نبيه عليه الصلاة والسلام، فذكر في الآيات قبل ذلك خطاباً لهن: بأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم من تقع منهن في خطأ أو سوء يضاعف الله لها العذاب، قال الله تعالى: مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب:30]، إذاً: الخطيئة منهن ليست كغيرهن، بل هنّ أشد، لذلك يعاقبن على ذلك عقوبة مضاعفة، قال سبحانه: وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [الأحزاب:30].

    قال تعالى: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا [الأحزاب:31]، المرأة الصالحة إذا اتقت ربها سبحانه وتعالى، وعملت بما أمرها به ربها على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم فلها الأجر المضاعف عند الله عز وجل.

    إذاً: سيئتها مضاعف لها العقوبة فيها، وحسنتها حسنة مضاعفة، وهذا تكريم للنبي صلوات الله وسلامه عليه، وبيان أنه لابد من مراعاة حرمة النبي صلى الله عليه وسلم.

    ونساء النبي صلى الله عليه وسلم ليس لهن أن يهتكن حرمات النبي صلوات الله وسلامه عليه بوقوعهن في الفاحشة أو بوقوعهن في إساءة، فنساء النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهن إذا وقعن في شيء مما نهى الله عز وجل عنه عاقبهن الله عقوبة مضاعفة، وإذا أتينَ ما أمر الله عز وجل به يكون الأجر مرتين، قال تعالى: وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا [الأحزاب:31].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء ...)

    ثم قال: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب:32].

    قوله: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ ، تشريف لنساء النبي صلى الله عليه وسلم بالتخصيص بالخطاب.

    قوله: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ [الأحزاب:32] أي: أنتن لستن كغيركن من النساء، فقد شرفكن الله سبحانه وتعالى بأن جعلكن زوجات للنبي صلى الله عليه وسلم.

    لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب:32]، ويجوز الوقف على (اتَّقَيْتُنَّ) وله معنى، ويجوز الوقف على: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ويبدأ: إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32]، وإن كان الأول أجمل، فالمعنى: أن النساء كلهن متساويات، والفرق بين امرأة وامرأة: التقوى.

    فقوله: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب:32]، أي: إذا اتقيتن سبحان الله وتعالى لستن كغيركن من النساء، ولكنكن أعلى منزلة وأشرف موضعاً، فـ(لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) بتقواكن لله سبحانه وتعالى.

    أي: (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) صرتن عند الله عز وجل أشرف وأفضل من غيركن من النساء.

    وتقوى الله سبحانه وتعالى ترفع الإنسان عند الله عز وجل درجات، قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] وما رفع الله الذين أوتوا العلم درجات إلا لقوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد تقوى لله سبحانه، وازداد إحساناً في عمله، فيرفع الله المؤمنين عنده درجات، ويرفع الذين أوتوا العلم فوقهم درجات بتقواهم لله سبحانه وتعالى.

    إذاً: هنا: يا نساء النبي الخطاب لهن أنهن لسن كغيرهن من النساء بشرط، والشرط هو تقوى الله سبحانه وتعالى.

    فالفضيلة عند الله بكونهن تقيات، ثم بكونهن نساء النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    ونساء النبي صلى الله عليه وسلم إذا اتقين الله هنّ مع النبي صلى الله عليه وسلم ليس في الدرجات الدنيا من الجنة، وليس في ربض الجنة، بل في أعلى الجنة، فلن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أعلى الجنة ونساؤه أسفل منه، بل يرفع الله الإنسان إلى منزلة من يحبه ممن هو أعلى منه، فيرفع الله نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزلة النبي صلوات الله وسلامه عليه، ويكن معه في الجنة.

    وعلى الوقف الثاني: وهو أن تقف عند قوله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ثم تقرأ: إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32].

    ولها معنى أيضاً، والمعنى فيها: أن الإنسان أحياناً إذا اتقى الله سبحانه وتعالى يتنازل، فتواضعه يجعل غيره يركب عليه ويخدعه ويطمع فيه.

    إذاً: المعنى هنا: اتق الله سبحانه وتعالى، ولكن لا تكن ليناً بحيث تخدع في الشيء، والنساء في ذلك أولى، فالمرأة تكون تقية فتتواضع، ولكن لا يجعلها هذا التواضع تلين أمام الرجال في القول، والرجل حين يتواضع للرجال أكثر من حده ينقص قدره عندهم فلا يعرفون قدره.

    والمرأة كذلك، فلو أن نساء النبي عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهن يخضعن في القول مع الرجال بدعوى التواضع لطمع المنافق والفاسق، والذي يخاطب بذلك هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه أعلم بما في القلوب.

    فإذا كانت المرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تربت في بيت النبي صلى الله عليه وسلم يحذرها الله من الخضوع في القول، فنساء المؤمنين أولى بهذا الحذر.

    فلو أن إنساناً شريفاً كبيراً في قومه وله مهابة، تخاف أن تدخل بيته، وتستحيي أن تكلم نساءه أو تكلم أهله، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أجل الخلق قدراً؟ إذاً: قليل أن يحدث مثل هذا الشيء، ومع ذلك فإن الله يحذر نساء النبي صلى الله عليه وسلم من الخضوع في القول للرجال.

    فعلى ذلك فإن غير نساء النبي صلى الله عليه وسلم أولى، فكل امرأة للرجال فيها مطمع، فنحن في زمان فسد أهله، وكثر فيه الخيانة والغش، وكثر فيه الخديعة، فعلى كل إنسان أن يحافظ على نفسه، ويحافظ على أهل بيته.

    إذاً: حذر الله عز وجل نساء النبي صلى الله عليه وسلم أن يخضعن بالقول، فالمرأة تكون جادة في كلامها وتكون حازمة، لا تخنع بكلامها ولا تلين ولا ترخم صوتها لا بقراءة قرآن ولا بغيره، فإذا كانت المرأة تريد أن تقرأ القرآن وعلمت أن حول البيت رجال فلا يجوز لها أن ترفع صوتها بالقرآن، وخاصة إذا كانت تتغنّى بالقرآن، فلا يجوز لها أن تتغنى بالقرآن إلا مع نساء؛ لأن قراءة المرأة لكتاب الله أمام شيخ مدعاة للفتنة التي نهى الله عز وجل عنها.

    إذاً: ليكن قولك قولاً فصلاً جاداً فيه الحزم وفيه القطع، وليس فيه الميل ولا التكسر أو التغنج، فلا يجوز للمرأة أن تصنع ذلك، حتى ولو كانت من نساء النبي صلوات الله وسلامه عليه اللاتي شرفهن الله سبحانه وطهرهن بموضعهن من النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    فقوله تعالى: إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [الأحزاب:32] أي: احذرن من الخضوع بالقول مع الرجال.

    وقوله تعالى: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32] وهل يصل المنافق إلى مطمعه؟ حاشا لله عز وجل، ومستحيل أن يكون ذلك.

    لكن في زماننا قد يصل إلى مطعمه، والمصائب كثيرة، فعلى ذلك فإن المرأة تلزم بيتها، وتلزم الأدب الشرعي، وتلزم حجابها، ولا تخضع بالقول للرجال، ولا تختلط بهم، ولا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى.

    ومعنى الخضوع بالقول: اللين والتكسر في القول بترخيم الصوت وتليينه إظهاراً للتواضع.

    فعلى المرأة أن تلتزم وقارها وتلتزم الصمت، وإذا احتاجت لشيء تكلمت على قدر ما تحتاج، أما الأخذ والعطاء والإكثار من الكلام مع الرجل فهذا لا يجوز، والأصل في المرأة أن تلزم بيتها، فإذا خرجت لضرورة أو حاجة فليكن باللباس الشرعي، وليكن بالأدب الشرعي الذي أمر الله عز وجل به.

    قوله تعالى: وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32] يعني: في كلامكن مع الناس.

    أمرهن الله سبحانه وتعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمرأة يجب عليها إذا خاطبت الأجانب حتى وإن كانوا من المحارم بالمصاهرة مثلاً أن تكون في كلامها غير رافعة للصوت، ولا تعتاد ذلك، ولتكن حازمة في كلامها، لا لين فيه ولا تكسر، إلا أن يكون كلاماً ليناً مع زوجها أو مع محارمها مثلاً، فهي مأمورة بخفض صوتها، وليكن خفض الصوت لها عادة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن ..)

    ثم قال: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب:32].

    قوله: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ ، تشريف لنساء النبي صلى الله عليه وسلم بالتخصيص بالخطاب.

    قوله: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ [الأحزاب:32] أي: أنتن لستن كغيركن من النساء، فقد شرفكن الله سبحانه وتعالى بأن جعلكن زوجات للنبي صلى الله عليه وسلم.

    لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب:32]، ويجوز الوقف على (اتَّقَيْتُنَّ) وله معنى، ويجوز الوقف على: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ويبدأ: إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32]، وإن كان الأول أجمل، فالمعنى: أن النساء كلهن متساويات، والفرق بين امرأة وامرأة: التقوى.

    فقوله: لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ [الأحزاب:32]، أي: إذا اتقيتن سبحان الله وتعالى لستن كغيركن من النساء، ولكنكن أعلى منزلة وأشرف موضعاً، فـ(لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) بتقواكن لله سبحانه وتعالى.

    أي: (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) صرتن عند الله عز وجل أشرف وأفضل من غيركن من النساء.

    وتقوى الله سبحانه وتعالى ترفع الإنسان عند الله عز وجل درجات، قال تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة:11] وما رفع الله الذين أوتوا العلم درجات إلا لقوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد تقوى لله سبحانه، وازداد إحساناً في عمله، فيرفع الله المؤمنين عنده درجات، ويرفع الذين أوتوا العلم فوقهم درجات بتقواهم لله سبحانه وتعالى.

    إذاً: هنا: يا نساء النبي الخطاب لهن أنهن لسن كغيرهن من النساء بشرط، والشرط هو تقوى الله سبحانه وتعالى.

    فالفضيلة عند الله بكونهن تقيات، ثم بكونهن نساء النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    ونساء النبي صلى الله عليه وسلم إذا اتقين الله هنّ مع النبي صلى الله عليه وسلم ليس في الدرجات الدنيا من الجنة، وليس في ربض الجنة، بل في أعلى الجنة، فلن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أعلى الجنة ونساؤه أسفل منه، بل يرفع الله الإنسان إلى منزلة من يحبه ممن هو أعلى منه، فيرفع الله نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزلة النبي صلوات الله وسلامه عليه، ويكن معه في الجنة.

    وعلى الوقف الثاني: وهو أن تقف عند قوله تعالى: يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ثم تقرأ: إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32].

    ولها معنى أيضاً، والمعنى فيها: أن الإنسان أحياناً إذا اتقى الله سبحانه وتعالى يتنازل، فتواضعه يجعل غيره يركب عليه ويخدعه ويطمع فيه.

    إذاً: المعنى هنا: اتق الله سبحانه وتعالى، ولكن لا تكن ليناً بحيث تخدع في الشيء، والنساء في ذلك أولى، فالمرأة تكون تقية فتتواضع، ولكن لا يجعلها هذا التواضع تلين أمام الرجال في القول، والرجل حين يتواضع للرجال أكثر من حده ينقص قدره عندهم فلا يعرفون قدره.

    والمرأة كذلك، فلو أن نساء النبي عليه الصلاة والسلام ورضي الله عنهن يخضعن في القول مع الرجال بدعوى التواضع لطمع المنافق والفاسق، والذي يخاطب بذلك هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه أعلم بما في القلوب.

    فإذا كانت المرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تربت في بيت النبي صلى الله عليه وسلم يحذرها الله من الخضوع في القول، فنساء المؤمنين أولى بهذا الحذر.

    فلو أن إنساناً شريفاً كبيراً في قومه وله مهابة، تخاف أن تدخل بيته، وتستحيي أن تكلم نساءه أو تكلم أهله، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أجل الخلق قدراً؟ إذاً: قليل أن يحدث مثل هذا الشيء، ومع ذلك فإن الله يحذر نساء النبي صلى الله عليه وسلم من الخضوع في القول للرجال.

    فعلى ذلك فإن غير نساء النبي صلى الله عليه وسلم أولى، فكل امرأة للرجال فيها مطمع، فنحن في زمان فسد أهله، وكثر فيه الخيانة والغش، وكثر فيه الخديعة، فعلى كل إنسان أن يحافظ على نفسه، ويحافظ على أهل بيته.

    إذاً: حذر الله عز وجل نساء النبي صلى الله عليه وسلم أن يخضعن بالقول، فالمرأة تكون جادة في كلامها وتكون حازمة، لا تخنع بكلامها ولا تلين ولا ترخم صوتها لا بقراءة قرآن ولا بغيره، فإذا كانت المرأة تريد أن تقرأ القرآن وعلمت أن حول البيت رجال فلا يجوز لها أن ترفع صوتها بالقرآن، وخاصة إذا كانت تتغنّى بالقرآن، فلا يجوز لها أن تتغنى بالقرآن إلا مع نساء؛ لأن قراءة المرأة لكتاب الله أمام شيخ مدعاة للفتنة التي نهى الله عز وجل عنها.

    إذاً: ليكن قولك قولاً فصلاً جاداً فيه الحزم وفيه القطع، وليس فيه الميل ولا التكسر أو التغنج، فلا يجوز للمرأة أن تصنع ذلك، حتى ولو كانت من نساء النبي صلوات الله وسلامه عليه اللاتي شرفهن الله سبحانه وطهرهن بموضعهن من النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    فقوله تعالى: إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ [الأحزاب:32] أي: احذرن من الخضوع بالقول مع الرجال.

    وقوله تعالى: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ [الأحزاب:32] وهل يصل المنافق إلى مطمعه؟ حاشا لله عز وجل، ومستحيل أن يكون ذلك.

    لكن في زماننا قد يصل إلى مطعمه، والمصائب كثيرة، فعلى ذلك فإن المرأة تلزم بيتها، وتلزم الأدب الشرعي، وتلزم حجابها، ولا تخضع بالقول للرجال، ولا تختلط بهم، ولا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى.

    ومعنى الخضوع بالقول: اللين والتكسر في القول بترخيم الصوت وتليينه إظهاراً للتواضع.

    فعلى المرأة أن تلتزم وقارها وتلتزم الصمت، وإذا احتاجت لشيء تكلمت على قدر ما تحتاج، أما الأخذ والعطاء والإكثار من الكلام مع الرجل فهذا لا يجوز، والأصل في المرأة أن تلزم بيتها، فإذا خرجت لضرورة أو حاجة فليكن باللباس الشرعي، وليكن بالأدب الشرعي الذي أمر الله عز وجل به.

    قوله تعالى: وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا [الأحزاب:32] يعني: في كلامكن مع الناس.

    أمرهن الله سبحانه وتعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمرأة يجب عليها إذا خاطبت الأجانب حتى وإن كانوا من المحارم بالمصاهرة مثلاً أن تكون في كلامها غير رافعة للصوت، ولا تعتاد ذلك، ولتكن حازمة في كلامها، لا لين فيه ولا تكسر، إلا أن يكون كلاماً ليناً مع زوجها أو مع محارمها مثلاً، فهي مأمورة بخفض صوتها، وليكن خفض الصوت لها عادة.

    معنى الأمر بالقرار في البيوت والنهي عن التبرج

    ثم قال الله سبحانه: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33] وهذا خطاب لنساء النبي صلى الله عليه وسلم، وغيرهن يقتدين بهن.

    فالنبي عليه الصلاة والسلام قدوة، والجميع يقتدون به رجالاً ونساء، ونساء النبي عليه الصلاة والسلام قدوة يقتدي بهن النساء، وقد طهرهن الله وأمرهن أن يلزمن بيوتهن، فغيرهن ممن لم يكن مثلهن أولى وأولى.

    وإذا كانت المطهرة الشريفة الفاضلة مأمورة بذلك، فغيرها أولى بذلك.

    يقول الله سبحانه: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الأحزاب:33]، أي: هذا أمر من الله سبحانه حتى يذهب عنكم الرجس والآثام، وما كان من ذنوب ومعاصٍ في الجاهلية، وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [الأحزاب:33] سبحانه وتعالى.

    وقراءة نافع وأبي جعفر وعاصم: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب:33].

    وباقي القراء يقرءون: (وقِرنَ في بيوتكن).

    والواو هنا عاطفة، وأصل الفعل من (قَرّ) إما من القرار أو الوقار، فكلا المعنيين مقصودان، تقول وقَر يقِر فهو وقور.

    فقوله: وقَرن أي: كن ملازمات لبيوتكن.

    وقوله: (وقِرن في بيوتكن) يأتي أيضاً بمعنى القرار، ويأتي بمعنى الوقار، أي: ليكن عليكن الوقار، في أي مكان تكنّ فيه، أو الزمن البيوت بوقار.

    وقوله: (بيوتكن) بضم الباء هي قراءة حفص عن عاصم وورش وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب.

    وباقي القراء يقرءونها بكسر الباء (بِيوتكن).

    وقوله تعالى: وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33] فيها قراءتان:

    قراءة الجمهور: (ولا تبرجن).

    وقراءة البزي عن ابن كثير : (ولآ تَّبرجن) بالمد والتشديد، والمعنى: اللزوم فيها، كأنه شدد الكلمة للمبالغة في الزجر عن التبرج.

    وأصل التبرج: الظهور، أو الإظهار، وتبرج الجاهلية معناه: المرأة التي كانت تظهر زينتها وحسنها وجمالها للناس، وتمشي متغنجة متكسرة، ومتبخترة أمام الرجال، فنهاهن الله سبحانه وتعالى أن يتشبهن بهؤلاء.

    معنى الجاهلية الأولى

    قال تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى [الأحزاب:33].

    إذاً: هناك جاهلية أخرى، ستكون بعد ذلك.

    والجاهلية الأولى: ما كان قبل الإسلام، وذكروا أنه من عهد آدم حتى عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ففي كل قرن جاهلية، وهي أن المرأة تبدي فتنتها وتبدي زينتها وتمشي أمام الرجال، فيراها الرجال وينظرون إليها، فذكر العلماء في الجاهلية الأولى أموراً مما كانت تصنعها المرأة في الجاهليات.

    فمثلاً: مما جاء في ذلك، يقول الإمام القرطبي: الجاهلية الأولى: الزمن الذي ولد فيه إبراهيم عليه وعلى نبينا عليه الصلاة والسلام، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق، وتعرض نفسها على الرجال، وتمشي متبرجة، لكي ينظروا إليها.

    وأنت ترى المرأة في هذا الزمان قاعدة ببيتها لابسة لباس البيت ومنظرها ظاهر التبرج، إذا نزلت إلى الطريق تتزوق؛ حتى ينظر إليها الرجال كما كان يصنع أهل الجاهلية الأولى.

    يقول: تلبس الدرع من اللؤلؤ، والدرع: القميص المحلى باللؤلؤ، فتمشي حتى ينظر إليها الرجال وهي على ذلك، قال ابن عباس رضي الله عنهما: بين نوح وإدريس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عشرة قرون، وقيل: إن المرأة كانت تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط الجانبين، وتلبس الثياب الرقاق لا تواري بدنها. هذه الجاهلية الأولى.

    وفي الماضي كانت المرأة تمشي وتضرب برجلها؛ حتى ينظر من في السوق إلى ساقها ورجلها، وتبدي شيئاً من صدرها، بل تبدي جميع مفاتنها، وتتفنن في السير على الطريق حتى ينظر إليها الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    فهي تعرض نفسها على الرجال، وتعرض نفسها على النار، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    أحوال جاهلية اليوم

    روي في صحيح البخاري أنه: (قوم من هذه الأمة يخرجون إلى عيد لهم ويذهبون إلى جانب علم -جبل من الجبال لمعصية الله سبحانه وتعالى- فيخسف بهم، ويسقط عليهم العلَم، ويمسخ منهم قردة وخنازير).

    وذكر في حديث آخر: (أنه يخرج الرجلان إلى الفاحشة ويمسخ أحدهما قرداً أو خنزيراً، ولا يمنع ذلك صاحبه أن يكمل ما هو فيه) لا يمنعه أنه يكمل مشيه إلى المعصية، رأى صاحبه مُسخ قرداً أو خنزيراً فلم يترك المعصية.

    وانظر إلى الممثلات الآن ما الذي يحصل فيهن، ترى ممثلة متبرجة فاجرة، قد ابتلاها الله بأن سقطت من عمارة، وتلك أصيبت بالسرطان، وكذلك الرجال، ولكنهم لا يتعظون؛ لأن المال يغر الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (السعيد من وُعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه).

    فالإنسان الذي يرى المصيبة في غيره فيتعظ هو السعيد، والإنسان الذي ينظر إلى غيره ولا يتعظ، ويحس أنه سينجو، ولن يحدث له شيء هو الشقي المبتلى ولا حول ولا قوة إلا بالله.

    وكم ترى من بلاء يحيط بالناس والناس لا يتعظون، والموت يفاجئ الناس، وكل يوم يصلون على جنازة في المسجد، مرة في الظهر، ومرة في العصر، ومرة في المغرب، ومن الناس من يقعد خارج المسجد ولا يصلي، ينظر الناس الميت داخلين به إلى المسجد وخارجين به، وكم من الناس من دخل المسجد والميت على ظهره ولا يصلي، ومن الناس من يتكلم خارج المسجد حال الخطبة وكأن الأمر لا يعنيه، ومن الناس من يقول: مكبرات الصوت التي في المسجد تزعجنا، والدروس تزعجنا، وهو لا يصلي ولا يعمل صالحاً، وتراه طوال النهار يضحك في الشارع.

    وهل تستحق الرحمة عند رب العالمين بالصلاة عليك بعد الموت وأنت تارك للصلاة، وتارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتخادع ربك سبحانه، وتخادع الناس، وفي النهاية تريد الرحمة من رب العالمين.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من عباده السعداء، ولا يجعلنا من عباده الأشقياء.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.