إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب (تابع1) [28 - 29]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من حكمة تعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم تبليغهن رضي الله عنهن أحكام الإسلام بعد موته صلى الله عليه وسلم، وهناك حكمة أخرى في ذلك وهي تقوية الرابطة بين النبي صلى الله عليه وسلم وقبائل شتى من العرب، وأمهات المؤمنين هن القدوة الحسنة لنساء المسلمين.

    1.   

    تخيير النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأحزاب: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:28-29].

    يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بتخيير نسائه: إن كن يردن الحياة الدنيا وزينتها فيمتعهن النبي صلى الله عليه وسلم ويسرحهن سراحاً جميلاً، وإن كن يردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منهن أجراً عظيماً.

    فخيرهن النبي صلى الله عليه وسلم فاخترن الله ورسوله، واخترن الدار الآخرة، وتركن الدنيا بما فيها، فكان لهن عند الله عز وجل أعظم الأجر، قال سبحانه: فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:29].

    وقدمنا أن الله سبحانه ربى نبيه صلى الله عليه وسلم أعظم التربية فكان عبداً لله، عبد ربه حق العبودية، وتوجه إلى ربه سبحانه بكل طاعة أمره الله عز وجل بها، وتواضع لربه عليه الصلاة والسلام فاستحق أعظم الدرجات عند الله سبحانه، قال له ربه: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79].

    فجعل له الله عز وجل يوم القيامة المقام المحمود بعبادته لربه، وبتواضعه لله، وبانصرافه عن الدنيا، كانت تأتيه الدنيا عليه الصلاة والسلام فإذا به ينفق ويخرج المال، وكان يحزن أن يبقى عنده المال أكثر من ليلة، فيصلي بالناس الفجر ثم يهرع إلى بيته عليه الصلاة والسلام، فيتعجب الناس لسرعة النبي صلى الله عليه وسلم في دخول بيته، فيقول: (تذكرت مالاً قد آتانيه الله فهو عندي)، فكان صلى الله عليه وسلم يسرع لينفقه، وليخرجه لمن يستحقونه ويقول: إنه لا يفرح أن يبيت ثلاث ليال وعنده مال يدخره صلى الله عليه وسلم، ولا يحب ذلك بل يصرفه هكذا.. وهكذا.. وهكذا، فأنفق هذا المال في كل وجه من وجوه طاعة الله سبحانه وتعالى ولم يبق شيئاً.

    فهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام لا يبقي شيئاً من المال عنده، إلا ما يكون من نفقة لنسائه وما عليه من دين، أما غير ذلك فكان ينفق المال كله صلوات الله وسلامه عليه، وكان بلال هو المسئول عن نفقة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان يأمره النبي صلى الله عليه وسلم: (أنفق بلال ! ولا تخف من ذي العرش إقلالاً) أي: أنفق يا بلال هذا المال في سبيل الله عز وجل، ولا تخف أن يضيق الله عز وجل علينا، ما كان الله ليضيق علينا سبحانه وتعالى.

    هذا النبي صلى الله عليه وسلم وهذا كرمه العظيم وتواضعه، وجاء حديث رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة : (جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنظر إلى السماء) جبريل كان جالساً في يوم مع النبي صلى الله عليه وسلم ونظر جبريل إلى السماء. (فإذا ملك ينزل، فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة) يعني: أول مرة ينزل فيها هذا الملك من ساعة أن خلقه الله عز وجل.

    (فلما نزل هذا الملك قال: يا محمد! أرسلني إليك ربك، قال: أملكاً نبياً يجعلك أو عبداً رسولاً؟!) أي: ربنا يخيرك ماذا تحب أن تكون، هل تحب أن تكون ملكاً مثل ما كان داود وسليمان ملكين وتكون نبياً، أم تحب أن تكون عبداً وتكون رسولاً لله سبحانه وتعالى؟

    (فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: تواضع لربك يا محمد!) صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه استشار جبريل ماذا أختار؟ هل أكون ملكاً نبياً أو أكون عبداً رسولاً؟! فأشار إليه أن تواضع، يعني: كن عبداً لله عز وجل، فتواضع النبي صلى الله عليه وسلم وطلب من ربه أن يكون عبداً رسولاً.

    تواضع النبي صلى الله عليه وسلم لله عز وجل، فرفعه الله على جميع خلقه أعظم منزلة وأعظم مكانة، فجعل له لواء الحمد يوم القيامة، وجعل له الشفاعة العظمى، وجعل له المقام المحمود، وجعله أول من يهز حلقة الجنة وأول من يدخلها، ولا تفتح الجنة لأحد قبله صلوات الله وسلامه عليه، فهو عندما تواضع لله عز وجل رفعه الله أعظم المنازل.

    كان يجلس عليه الصلاة والسلام للطعام وللشراب جلسة العبد، ويقول: (إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد) صلوات الله وسلامه عليه، فأعظم مراتب النبي صلى الله عليه وسلم منزلة العبودية لربه سبحانه.

    فهذا النبي الكريم العبد الرسول عليه الصلاة والسلام الذي تواضع لربه هل يعقل أن يكون له من النساء من تطلب هذه الدنيا؟ لا تصلح هذه المرأة أن تكون للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لذلك نزلت الآية تخير هؤلاء: إذا كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فأنتن لا تصلحن للنبي صلى الله عليه وسلم.

    قال تعالى: فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ [الأحزاب:28] أي: أدفع لكن المتعة، أعطيكن ما تستمتعن به من مال ونفقة.

    وقوله تعالى: وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا [الأحزاب:28] أي: أطلقكن طلاقاً جميلاً، أي: طلاق سنة ليس فيه أذى وليس فيه إعضال وليس فيه إمساك مع التأذي، يسرحهن صلى الله عليه وسلم إذا كن يردن الحياة الدنيا وزينتها.

    وإن كن يردن الله ويردن الرسول عليه الصلاة والسلام ويردن الدار الآخرة، فعليهن أن ينتظرن من الله عز وجل أعظم الأجر، وهو الأجر العظيم الذي يليق بعطاء الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    إباحة الله لنبيه أن يتزوج ما شاء

    ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح له ربه سبحانه أن يتزوج ما شاء من النساء، فقال له ربه سبحانه: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ [الأحزاب:50].

    فالله سبحانه وتعالى أحل للنبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج ما شاء من النساء بهذا القيد الذي في هذه الآية، وقال له سبحانه وتعالى: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:50].

    وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم ودفع المهور، وأحل الله له ذلك.

    كذلك أباح له الله سبحانه ملك اليمين، أي: ما ملك من سبي، فالله عز وجل أباح له وطأهن بملك اليمين.

    وملك اليمين شيء والزواج شيء آخر، إنسان يتزوج المرأة فلا يملك منها سوى العشرة، يعيش معها ويملك منها أنه يطأها، لكن ليست أمة عنده يأخذها ويبيعها مثلاً أو يتنازل عنها لغيره؛ لأنه عقد زواج بين الرجل وبين ولي المرأة برضا المرأة وبالشهود وبالإعلام في ذلك، فالإنسان يعيش مع زوجته بالمعروف، فإذا لم تكن هنا عشرة بالمعروف يطلقها، فالنكاح عقد بين الرجل وبين ولي المرأة على أن يستمتع الرجل بهذه المرأة عشرة زوجية معلومة، فهو لا يملك هذه المرأة وإنما يملك الاستمتاع ببضعها.

    لكن ملك اليمين أن يملك المرأة كما يملك الشيء، فكان العبيد يباعون، تباع المرأة ويباع الرجل فيجوز للرجل أن يشتري الأمة ويجوز له أن يطأها بملك اليمين؛ فيملك أن يبيعها، ويملك أن ينتفع بها، فهي أمة عنده، فأباح الله عز وجل للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره أن يملك ما شاء من الإماء.

    كانت الإماء في زمن من الأزمان موجودات، لكن الآن ليس هناك عبيد ولا إماء، فالباقي الآن أن الإنسان يتزوج المرأة بالنكاح الشرعي المعروف.

    فأباح الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يتزوج ما شاء من النساء وأباح له ملك اليمين، قال تعالى: وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ [الأحزاب:50]، بقيد ليست أي بنات عم، ولا أي بنات خال وإنما: اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ [الأحزاب:50]، فهن لهن فضيلة أن هاجرن مع النبي صلى الله عليه وسلم، والتي لم تهاجر لم يحل الله له أن يتزوجها.

    فعلى ذلك إن كانت من آل بيته عليه الصلاة والسلام فإنما شرفها بهجرتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالقيد في بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك هو أنهن اللاتي هاجرن معك.

    كذلك أباح له: وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ [الأحزاب:50]، امرأة مؤمنة جاءت تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم تريد أن تكون زوجة له، والنبي صلى الله عليه وسلم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فعلى ذلك إذا وهبت امرأة نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم جاز له أن يتزوجها، وجاز له أن يزوجها لأحد من أصحابه عليه الصلاة والسلام، فهو أولى بها من نفسها.

    فقوله تعالى: إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا [الأحزاب:50] هذه الصورة خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:50]، فليس لأحد أن يقول: فلانة وهبت نفسها لي، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهو الذي يجوز له ذلك.

    والله عز وجل قال: قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ [الأحزاب:50]

    فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ [الأحزاب:50] يعني: أنه لك مثنى وثلاث ورباع ليس لك أكثر من ذلك، وملك اليمين لك أن تطأ ما شئت إن وجد ذلك.

    قال الله سبحانه: لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ [الأحزاب:50]، أي: لئلا يكون عليك حرج في هذا النكاح، فرفع الله عز وجل عنه الحرج صلوات الله وسلامه عليه، في أن يقول له أحد: لماذا؟ يقال: يفعل الله ما يشاء، فقد أباح لنبيه صلى الله عليه وسلم ما لم يبح لغيره والتشريع بيد الله، وهذه شريعة الله عز وجل، يبيح ما يشاء ويمنع ما يشاء، ويحل ما يشاء لمن يشاء من عباده، فاختار نبيه صلى الله عليه وسلم وأباح له ذلك.

    وذكرنا الحكمة أو بعضاً من الحكم في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من مجموعة من النساء، وأعظم الحكم في ذلك الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فامرأة واحدة لا تكفي لتبليغ هذه الشريعة، فقد تتعب وقد تمرض، فيحتاج النبي صلى الله عليه وسلم لعدد من النساء يبلغن ما أمر الله عز وجل، قال تعالى: وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ [الأحزاب:34]، فأمر الله سبحانه نساء النبي صلى الله عليه وسلم بأن يبلغن هذا الدين، ولا تكفي واحدة فاحتاج النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج مجموعة من النساء.

    1.   

    ذكر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وحياتهن العطرة

    ذكر نبذة من سيرة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها

    أول امرأة تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الخامسة والعشرين من عمره، أي: قبل أن ينزل عليه الوحي بخمس عشرة سنة، لأنه نزل عليه وله أربعون سنة صلوات الله وسلامه عليه.

    ففي سن الخامسة والعشرين تزوج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة خديجة رضي الله تبارك وتعالى عنها، وكانت أكبر من النبي صلى الله عليه وسلم بخمس عشرة سنة، فالسيدة خديجة كان لها أربعون سنة حين تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، فتزوجها وهو شاب صغير، وهي قد تعدت مرحلة الشباب ودخلت في الكهولة فكانت في سن الأربعين رضي الله تبارك وتعالى عنها، وكانت حكمة من الله تبارك وتعالى أن يتزوج من هذه المرأة الفاضلة الصالحة رضي الله تبارك وتعالى عنها.

    والسيدة خديجة كانت امرأة غنية وحكيمة رضي الله عنها، وكانت متزوجة قبل النبي صلى الله عليه وسلم.

    واسمها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب ، فتجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في جده صلوات الله وسلامه عليه، فجدها قصي بن كلاب وهو جد النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً.

    كانت قبل النبي صلى الله عليه وسلم عند رجل كنيته أبو هالة واسمه زرارة بن النباش من بني أسد، وقبل ذلك كانت عند رجل آخر اسمه عتيق بن عائذ ، وولدت منه غلاماً اسمه عبد مناف ، وولدت من أبي هالة هند بنت أبي هالة .

    فالسيدة خديجة تزوجت مرتين قبل النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت صاحبة مال عظيم، وقد تاجر لها وقتاً من الأوقات في مالها عليه الصلاة والسلام فظهرت بركة النبي صلى الله عليه وسلم في مالها، وزاد مالها ونما نمواً عظيماً ببركة عمل النبي صلى الله عليه وسلم فيه، فأحبت النبي صلى الله عليه وسلم فتزوجها صلى الله عليه وسلم، وذهب عمه أبو طالب وخطبها للنبي صلى الله عليه وسلم وفرحت بذلك فرحاً عظيماً.

    فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم الزوجة الصالحة العظيمة الرءوفة الرحيمة، وكانت له كالأم، وهذه من حكم الله سبحانه أن يتزوج أول ما يتزوج من امرأة تكبره سناً صلوات الله وسلامه عليه بخمس عشرة سنة، فعمره خمس وعشرون سنة، وعمرها أربعون سنة، فلم يتزوج عليها صلوات الله وسلامه عليه حتى توفيت بمكة رضي الله عنها بعد سبع سنوات من بعثته صلوات الله وسلامه عليه، أو عشر سنوات.

    توفيت السيدة خديجة ولها خمس وستون سنة، أي: مكثت مع النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة، وكل هذا الحين لم يتزوج عليها امرأة أخرى صلوات الله وسلامه عليه.

    وبعدما بعث مكثت معه في مكة سبع سنوات أو عشر سنوات، ثم توفيت رضي الله تبارك وتعالى عنها، وكان من أعظم البلاء على النبي صلى الله عليه وسلم ومن أعظم أسباب الحزن والهموم موت السيدة خديجة وموت عمه أبي طالب في عام واحد، والاثنان كان بين موتهما أشهر يسيرة فسمي هذا العام بعام الحزن؛ لأنه عام حزن فيه النبي صلى الله عليه وسلم حزناً شديداً على وفاة عمه وعلى وفاة السيدة خديجة رضي الله تبارك وتعالى عنها.

    فعمه أبو طالب كان يدافع عنه عليه الصلاة والسلام، فلم يجرؤ أحد من المشركين أن يؤذيه صلى الله عليه وسلم في حياة عمه أبي طالب ، والعجب أنه مات على الكفر، ولله الحكمة العظيمة سبحانه وتعالى أن يموت هذا الرجل الذي دافع عن النبي صلى الله عليه وسلم كافراً.

    إن السيدة خديجة هي أول امرأة آمنت بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهي أول من دعاها النبي صلى الله عليه وسلم إذ هو في الغار عليه الصلاة والسلام، ويأتيه جبريل فيذهب إلى بيته عليه الصلاة والسلام وهو في غاية الرعب والخوف ويقول: زملوني، زملوني.. دثروني، دثروني، أخاف أن يكون قد ذهب عقلي، تقول له: لا والله ما ذهب عقلك، وما كان الله ليصنع بك ذلك، وإنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق، وتقري الضيف.

    فهي أول من آمن بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وتذهب إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وتحدثه عن النبي صلى الله عليه وسلم وما حدث له وتقول: أخبر ورقة بذلك فيحدثه فيقول: إنه الناموس الذي جاء موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    هذه السيدة خديجة المرأة الحكيمة العاقلة رضي الله تبارك وتعالى عنها، مكثت مع النبي صلى الله عليه وسلم عمراً طويلاً، وهو يدعو إلى الله سبحانه وتعالى وأعانته على ذلك بمالها وبنفسها، فقد كانت تعطف على النبي صلى الله عليه وسلم، وعرف لها ربها فضلها، فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: (بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب) والقصب هو اللؤلؤ، أي: ببيت من لؤلؤ.

    وقوله: (لا صخب فيه ولا نصب) أي: لا تسمع فيه صراخاً ولا صياحاً، وكم سمعت من الكفار وهم يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم وكم ترحمت عليه صلى الله عليه وسلم مما يفعله به هؤلاء، فقد رحمت النبي صلى الله عليه وسلم وواسته ووقفت بجواره رضي الله تبارك وتعالى عنها، فبشرها الله عز وجل لصبرها على إزعاج هؤلاء المشركين في الدنيا، ببيت في الجنة من لؤلؤ، لا صخب فيه ولا نصب، ولا تعب بعد هذه الدنيا، فالنبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الجنة له عند الله المنزلة العظيمة، وهي زوجته في الدنيا وفي الآخرة رضي الله تبارك وتعالى عنها.

    ماتت السيدة خديجة بمكة، ودفنت بالحجون، وهي مقبرة موجودة في مكة، دفنت هنالك ولم يصل عليها، إذ لم يكن قد فرضت الصلاة على الجنازة في هذا الوقت، فخرج بها من بيتها ودفنها النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل في حفرتها عليه الصلاة والسلام، ليكون في الأرض التي دفنت فيها أثر بركة النبي صلى الله عليه وسلم.

    ثم تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاتها عدداً من النساء كما سنعرف بعد ذلك.

    ذكر نبذة من حياة أم المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنها

    من نساء النبي صلى الله عليه وسلم السيدة: سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامرية ، ونلاحظ أن السيدة خديجة كانت من بني أسد، وسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس من بني عامر، وذكرنا في الحديث السابق أن نكاح النبي صلى الله عليه وسلم للنساء من قبائل شتى مما يقوي رابطته بهذه القبائل، فكلهم ينتمون إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسبب ذلك، ويقوى دين الله سبحانه وتعالى، وهذه حكمة أخرى من الله عز وجل.

    والسيدة خديجة ذكرنا أنها أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكل أولاد النبي صلى الله عليه وسلم منها ما عدا واحداً، وهو إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم من مارية القبطية المصرية.

    يقول هنا الإمام القرطبي : (ومنهن السيدة سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامرية ، أسلمت قديماً وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم) إسلامها كان قديماً وكانت متزوجة من ابن عم لها اسمه سكران بن عمر وأسلم أيضاً، وهاجروا جميعاً إلى الحبشة في الهجرة الثانية، فلما قدم زوجها مكة بعد الهجرة الثانية مات، وقيل: مات في الحبشة، فخطبها النبي صلى الله عليه وسلم بعدما حلت من زوجها وتزوجها، ودخل بها في مكة.

    أيضاً السيدة عائشة تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في مكة، لكن لم يدخل بها في مكة، وإنما دخل بها بعد سنتين في المدينة صلوات الله وسلامه عليه.

    هاجر النبي صلى الله عليه وسلم بالسيدة سودة إلى المدينة، والسيدة سودة كانت أكبر نساء النبي صلى الله عليه وسلم سناً، فلما كبرت في السن واستشعرت أن النبي صلى الله عليه وسلم لا حاجة له فيها طلبت منه أن يبقيها، أي: لا يطلقها ولا يفارقها؛ لأنها لا تحتاج أن يكون لها زوج للنكاح ولا للوطء، فتنازلت عن يومها للسيدة عائشة رضي الله عنها، وقالت: أريد أن أكون زوجتك في الجنة، فكان الأمر على ما طلبت رضي الله تبارك وتعالى عنها، وأمسكها النبي صلى الله عليه وسلم، وتوفيت بالمدينة رضي الله عنها في شوال سنة 54هـ، أي: عمرت طويلاً رضي الله تبارك وتعالى عنها، فوفاتها بعد النبي صلى الله عليه وسلم بأربع وأربعين سنة.

    فهذه حكمة من الله عز وجل أن يتزوج النبي صلى الله عليه وسلم مجموعة من النساء، فقد عاشت سودة رضي الله عنها حتى عام 54هـ، يا ترى كم من حديث حدثت به حتى ماتت في سنة 54هـ، وهي واحدة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، والباقيات من نساء النبي صلى الله عليه وسلم كل واحدة منهن كم حديثاً حدثت، وكم حكماً من الأحكام الشرعية بلغته، فاستفاد المسلمون من تعليم نساء النبي صلى الله عليه وسلم لهم.

    ذكر نبذة من حياة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

    ثالث امرأة من نسائه عليه الصلاة والسلام: السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها، وكان سيتزوجها رجل آخر غير النبي صلى الله عليه وسلم وهو جبير بن مطعم ، وقد كان أبوه المطعم بن عدي من كبار أهل مكة، وأراد أن يزوج ابنه جبير بن مطعم من السيدة عائشة رضي الله عنها، فخطبها النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكان زواج النبي صلى الله عليه وسلم من السيدة عائشة بعد أن جاءه جبريل وأراه خرقة من حرير فيها صورة السيدة عائشة وقال: هذه زوجتك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذاك متزوجاً من السيدة سودة ، والسيدة عائشة ما زالت صغيرة وعمرها سبع سنوات، فجاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أن عائشة ستكون زوجته، وهذا إخبار وإعلام من الله عز وجل أنه سيتزوجها.

    وفعلاً طلبها من أبي بكر الصديق ، فـأبو بكر الصديق قال للنبي صلى الله عليه وسلم: دعني أسلها من جبير ، فكأنه تفاوض مع جبير ومع أبيه على أمر الإسلام أو غير ذلك، فلما بقوا على ذلك انسحب جبير ورفض الزواج من السيدة عائشة ، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، وعقد بها ولها سبع سنوات، لكن لم يدخل بها إلا بعد أن جاوزت التسع سنوات وهي في المدينة.