إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب [25 - 27]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • اجتمع المشركون يوم الأحزاب على حرب الإسلام، وساندهم اليهود بخيانة العهد، ولكن رد الله الذين كفروا بغيظهم وأنزل الذين ظاهروهم من اليهود فمكن المسلمين من رقابهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأحزاب: وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:25-29].

    في هذه الآيات يخبرنا الله تبارك وتعالى عن الذين كفروا أنهم جاءوا من قريش وغطفان فردههم الله سبحانه خائبين خاسرين لم ينالوا خيراً، ظنوا أنهم ينتصرون على الإسلام والمسلمين، وأنهم سيغنمون المدينة وما فيها، فردهم الله خاسرين خائبين لم ينالوا شيئاً من الخير، ورجعوا متغيظين، قل موتوا بغيظكم.

    وكفى الله المؤمنين القتال بقدرته وقوته تبارك وتعالى، ودون شدة قتال، وإنما كان القتال شيئاً يسيراً من بعض الكفار الذين عبروا الخندق إلى المسلمين، فقتلهم البعض من المسلمين وهم عدد قليل، ومن المسلمين كذلك؛ ليري الله سبحانه المؤمنين كيف أنه بقوته سبحانه وبأمره يرتد الكفار خائبين خاسرين مدحورين بغير قتال من المسلمين، جاءوا بغيظ وحنق فرجعوا به وبأزيد منه، ولم ينالوا خيراً لا في الدنيا ولا في الآخرة، وكفى الله المؤمنين القتال، وكم ممن لا كافي له ولا مؤوي!

    ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يثني على ربه سبحانه في كل ليلة حين ينام صلوات الله وسلامه عليه يقول: (الحمد لله الذي كفانا وآوانا، والذي أطعمنا وسقانا، والذي من علينا فأفضل، والذي أعطانا فأجزل، الحمد لله على كل حال، رب كل شيء ومليكه، وإله كل شيء، نعوذ بك من النار).

    وكان يقول: (الحمد لله الذي كفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي).

    الله كفى المؤمنين، فأمنهم بعد أن كانوا خائفين، ووعدهم -ووعده الصدق سبحانه تبارك وتعالى- أن ينصرهم فرأى المؤمنون أن الأمر أشد وأصعب، فلما زلزلوا زلزالاً شديداً إذا بالنصر يأتي من عند الله، وكفى الله المؤمنين القتال فعرفوا نعمة الله، وهم الذين صدقوا الله قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22] فاستسلموا وسلموا لقضاء الله وقدره، ورضوا بما هم فيه من أمر أراده الله سبحانه تبارك وتعالى، وانتظروا كيف يفرج الله سبحانه تبارك وتعالى عنهم هذا الغم.

    وقد قال الله عز وجل في كتابه: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح:5-6] وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (واعلم أن الفرج مع الكرب).

    اعلم أن النصر بيد الله سبحانه تبارك وتعالى يأتي في وقت الضيق والكرب والشدة، ويأتي الفرج في وقت ما يشتد الكرب على الناس، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسراً، وجاء اليسر والفتح من عند الله، وجاء وعد آخر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أنه لن يحدث أبداً أن يأتي هؤلاء الكفار مرةً ثانية إلى المدينة، قال صلى الله عليه وسلم: (الآن نغزوهم ولا يغزونا).

    وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا [الأحزاب:25] الله القوي القادر يحكم أمره ويفعل ما يشاء سبحانه، ولا راد لأمره سبحانه.

    فالله عزيز غالب لا يغلب ولا يمانع سبحانه وتعالى، وإذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون على ما أراد الله سبحانه، وإن أراد الخلق غير ما أراد الله سبحانه وتعالى فأمره لا بد وأن يكون، فهو العزيز المنيع الذي لا يغلب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم ...)

    معنى قوله: (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم)

    وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ [الأحزاب:25] فهؤلاء المشركون -كفار قريش وغطفان- رجعوا بغيظهم لم ينالوا خيراً.

    أما اليهود الكفرة المجرمون فقال: وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا [الأحزاب:26].

    وظاهر بمعنى: ناصر وأيد، وكان معه ظهيراً أي: مدافعاً عنه، ومقوياً له، فاليهود ظاهروا الكفار أي: قووهم وقالوا: نحن معكم، اليهود من وراء النبي صلى الله عليه وسلم، والكفار من أمامه من المشرق والمغرب، فإذا بالله يخذل الجميع، وأنزل هؤلاء الكفرة من بني قريظة من اليهود من صياصيهم.

    وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ [الأحزاب:26] والصياصي: الحصون، فأنزلهم الله عز وجل من حصونهم يعني: مكان مناعتهم وقوتهم، فهذا هو معنى الصيصية للشيء أنه الذي يدفع به عن نفسه، ومنه يقال: صياصي البقر أي: قرونها؛ لأنها تدفع بقرونها عن نفسها، وكأن الصياصي مكان الدفع عن الإنسان والمكان الذي يتحصن فيه.

    فبنو قريظة تحصنوا في حصونهم فأنزلهم الله سبحانه وتعالى من حصونهم، واليهود دائماً وأبداً يجهزون لأنفسهم ويعملون حساب القتال، فيملئون الحصون طعاماً وشراباً بحيث يقعدون فيها سنين من غير ما يقدر أحد أن ينزلهم منها، ولكن أنزلهم الله تبارك وتعالى رغم أنوفهم، فرفضوا أن ينزلوا على حكم النبي صلى الله عليه وسلم، وارتضوا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه، وظنوا أنه سيجاملهم، وأنه كالمنافق عبد الله بن أبي ابن سلول لعنة الله عليه الذي جامل اليهود ومات على كفر ونفاق، وحاشا لله أن يكون سعد بن معاذ كذلك، وإنما هو الرجل التقي النقي المحب لله عز وجل ولرسوله صلوات الله وسلامه عليه، فأنزلهم الله سبحانه من حصونهم.

    قوله: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ [الأحزاب:26] فقد كانوا متحصنين ومستعدين أن يمكثوا أشهراً طويلة في هذه الحصون، ولكن الله سبحانه له جنود يلقون الرعب في القلوب فأرعبهم فإذا بهم يخافونه، وينزلون من حصونهم، وقد قال لهم أبو لبابة بن عبد المنذر : إنما هو الذبح، فازداد رعبهم، ونزلوا ليذبحوا ويقتلوا فقتل منهم ما بين الستمائة إلى السبعمائة إلى لعنة الله سبحانه تبارك وتعالى، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بهم وحكم فيهم سعد بن معاذ بحكم الله سبحانه، فقتل هؤلاء.

    قال الله سبحانه: وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا [الأحزاب:26] قتلتم فريقاً من هؤلاء اليهود، وأسرتم آخرين كان حكم سعد بن معاذ أن تقتل المقاتلة من اليهود، ويؤخذ النساء والصبيان أسارى وسبياً، فالله عز وجل من على المؤمنين بذلك.

    وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ [الأحزاب:26] وهذه قراءة الجمهور: مِنْ صَيَاصِيهِمْ [الأحزاب:26].

    وقرأ يعقوب : (مِنْ صَيَاصيهُمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ.

    و(الرعب): قراءة الجمهور فيها بتسكين العين، وقراءة ابن عامر والكسائي .

    و أبو جعفر ويعقوب : (الرُّعُبَ) بضم العين.

    وفي وصل (قلوبهم الرعب) قراءات للقراء، فيقرأ يعقوب : (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمِ الرُّعْبَ) بكسر الهاء والميم على الوصل بالكلمتين.

    وقرأ الكسائي : (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهُمُ الرُّعُبَ) بضم الهاء والميم وبضم العين أيضاً.

    وقرأ ابن عامر وأبو جعفر : (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعُبَ على قراءة غيرهم أنه بكسر الهاء في قلوبهم، وبضم الميم على الوصل، و(الرعب) بضم العين فيها.

    وقرأ: (فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعُبَ) حمزة والكسائي وخلف .

    وباقي القراء: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهُمُ الرُّعْبَ).

    معنى قوله: (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ..)

    قال الله سبحانه: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا [الأحزاب:27] الله تبارك وتعالى إذا أراد شيئاً لابد وأن يكون، وكل شيء عنده بمقدار، فالمؤمن يتمنى من الله سبحانه أن ينصر الإسلام والمسلمين، ويتمنى من الله أن يغنم المسلمون أموال الكفار.

    والله عز وجل له حكمة عظيمة بالغة، دعا النبي صلى الله عليه وسلم في مكة إلى ربه ثلاث عشرة سنة ولا مال للمسلمين، ولا شيء لهم، فقد كانوا فقراء، وكانت الدعوة بطيئة جداً في مكة، كانوا يدعون إلى الله سبحانه تبارك وتعالى والذين يستجيبون هم عدد قليل.

    هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وكان أهل المدينة كذلك في فقر، والمسلمون جاءوا إلى المدينة فعانوا من الفقر والشدة سنين طويلة، وصبروا على ذلك حتى جاءت بعض الفتوح منها هذا الفتح، فإذا بهم يغنمون في سنة خمس من الهجرة بعد ثماني عشرة سنة من الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، وجاءت الأموال للمسلمين فقال الله سبحانه: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ [الأحزاب:27] أي: بني قريظة أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ [الأحزاب:27] غنموا كل ذلك، وأخذوا نساءهم وأولادهم سبياً، فالله عز وجل فتح لهم فتحاً من فضله سبحانه وتعالى.

    وَأَوْرَثَكُمْ [الأحزاب:27] وهنا الإرث ما يئول من إنسان إلى إنسان آخر، فاليهود قتلهم الله سبحانه وتعالى، وورث أموالهم للمسلمين، وكذلك ديارهم، هل كان المسلمون يظنون ذلك قبل القتال؟! هم كان يكفيهم أن يرجع الكفرة فقط، بل أكثر من ذلك كاد النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطي لمن جاء من غطفان ثلث ثمار المدينة على أن يذهبوا، وعاهد اليهود على أن يكفوا شرهم عن المسلمين، لكن أعلنوا: إنا مع قريش، فإذا بالله سبحانه وتعالى يزلزل الناس وحتى يتبين الجيد من الرديء حتى يظهر الإنسان المؤمن بإيمانه ويظهر الخبيث المنافق بنفاقه، فميز بين الطائفتين وجاء الفتح والفرج من عند الله سبحانه، ورد الكفار جميعهم لم ينالوا خيراً ولا ثمرةً من ثمار المدينة.

    ثم رجع المسلمون إلى اليهود ليحاسبوهم على غدرهم مع النبي صلى الله عليه وسلم، فغنموا أراضي اليهود التي لم تكن على بال المسلمين قبل القتال، وغنموا ديارهم وأموالهم ونساءهم وذراريهم.

    ما وعد الله به رسوله يوم الأحزاب

    ثم من الله عز وجل على المؤمنين ووعدهم أيضاً: وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا [الأحزاب:27].

    أي: سنعطيكم أرضاً لم تطئوها، ولما هاجروا من مكة إلى المدينة منعوا من مكة ولم يستطيعوا أن يرجعوا إلى مكة مرةً ثانية، فالله عز وجل يعدهم وعداً حقاً يقول: وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا [الأحزاب:27] وهي مكة، فكان هذا الوعد بعد ثلاث سنوات حيث فتح الله عز وجل للمؤمنين مكة فدخلوها ووطئوها وصارت أرضاً للإسلام، ولا هجرة بعد ذلك من مكة إلى المدينة.

    قال: وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا [الأحزاب:27] كان ممنوعاً عليكم أن تذهبوا إليها، حتى إنه في الحديبية بعد غزوة الخندق ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة في ألف وخمسمائة من المسلمين، فهم عدد قليل يذهبون ليعتمروا لا يخافون إلا الله سبحانه وتعالى، ثم هم يمنعون وكادوا يقاتلون، ثم إذا بالكفار يتعاهدون مع المسلمين: أن ارجعوا هذا العام، وتعالوا في العام القادم لتدخلوا مكة.

    فاعتمر النبي صلى الله عليه وسلم عمرة القضية سنة ثمان للهجرة وتوجه إلى مكة، ومعه حوالي خمسمائة فقط، ثم إذا بالله تبارك وتعالى يفتح للنبي صلى الله عليه وسلم مكة في السنة التي تليها، ففي سنة سبع للهجرة دخل عدد قليل مكة وقال لهم المشركون: لكم ثلاثة أيام فقط، ثم بعد ذلك فتحت مكة في السنة الثامنة من الهجرة بفضل الله سبحانه.

    فهم لم يكونوا يقدرون على أن يطئوها فوصلوها بعد ذلك وصارت أرض إسلام قال تعالى: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [الأحزاب:27] يا ترى مكة فقط؟

    لا، وإنما دخلوا مكة ثم توجهوا إلى هوازن والطائف، وفتح الله عز وجل لهم بلاداً كان مستعصية عليهم.

    وقد ذهب النبي صلى الله عليه وسلم قبل هجرته إلى الطائف يدعوهم إلى الله، وكانت قريش قد شددت عليه وآذته حتى خرج وترك مكة ثم توجه إلى الطائف؛ فإذا بهم يقفون له صفين ويرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه صلوات الله وسلامه عليه، ثم إذا بالطائف تفتح بعد ذلك، وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا [الأحزاب:27] فتحت.

    ولما توجهوا إلى حنين وكانوا في قوة ظن المسلمون أنهم بقوتهم يفتحون هذا المكان فما استطاعوا، ووقف لهم الكفار في الشعاب فرشقوهم بالسهام والرماح، ففروا وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء النصر من عند الله سبحانه، ونزل النبي صلى الله عليه وسلم إلى هؤلاء الكفار يقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) صلوات الله وسلامه عليه، وإذا به ينادي على الأنصار فيأتون إليه، وقبل أن يأتوا جاء النصر من عند الله، وبدأ من مع النبي صلى الله عليه وسلم يأسرون من الكفار بفضل الله ورحمته؛ ليعلم الخلق أن النصر من عند الله سبحانه، قال تعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7].

    وكان الله على كل شيء مما وعدكم ومما لم يعدكم به قديراً، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [الأحزاب:27] لا ترد قدرته، ولا يجوز عليه العجز، تعالى الله عما يقول الكافرون علواً كبيراً.

    ولما جاء الفتح، وجاءت المغانم، وفتحت الدنيا على المسلمين، فإذا بنساء النبي صلى الله عليه وسلم ينظرن إلى المال الطيب ويقلن: أعطنا مما أعطاك الله.

    وهنا تأتي آيات التأديب لنساء النبي صلوات الله وسلامه عليه، فنساء النبي صلى الله عليه وسلم طاهرات مطهرات، فربنا تبارك وتعالى اختارهن لنبيه صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة.

    الدنيا لم يطلبها صلوات الله وسلامه عليه، وكان يقول للمؤمنين: (ليس لي من أموالكم ولا من هذه المغانم غير الخمس) ليس لي منها أكثر من ذلك ولو شعرة من بعير، والخمس ماذا سيعمل به رسول الله عليه الصلاة والسلام؟

    يقول: (والخمس مردود عليكم) سأرده عليكم في الضيوف الذين ينزلون علينا وفي الفقراء والمحتاجين، وفي الأرامل واليتامى، والذي يموت وعليه دين فأنا أسدد عنه هذا الدين، فإذا مت أنا فليس لي من المال شيء، ولا لآل محمد ولا لنسائه صلى الله عليه وسلم، بل هو صدقة على المسلمين، قال صلى الله عليه وسلم: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة) المال الذي نتركه يكون صدقة لا أحد يرث من هذا المال من أهالينا، فلم يمتع النبي صلى الله عليه وسلم بمال في الدنيا صلوات الله وسلامه عليه.

    فكان نساء النبي عليه الصلاة والسلام يطلبن النفقة والنبي صلى الله عليه وسلم يصبر عليهن، حتى بدأت بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم تغاضبه على النفقة في سؤالها، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يغضب منهن، وينزل القرآن يخيرهن: إما أن تعشن على هذا الوضع الذي عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولكن الآخرة، وإما أن يفارقكن بالمعروف كما سيأتي في الدرس القادم إن شاء الله.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.