إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب [18 - 22]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر تعالى أن من صفات المنافقين الجبن والخور والخوف، فهم في غزوة الأحزاب أصابهم الهلع والجزع، حتى تمنوا أنهم في البوادي يسألون عن حال الرسول والمؤمنين من بعيد، بخلاف المؤمنين فقد وصفهم الله تعالى بأنهم استمروا على العهد والميثاق، فمنهم من استشهد في سبيل الله، ومنهم من ينتظر الموت على مثل ذلك ولم يبدلوا تبديلاً.

    1.   

    هلع المنافقين وخوفهم من القتال

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأحزاب: يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:20-22].

    ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات من سورة الأحزاب وما قبلها الفرق بين المؤمنين وبين المنافقين، كيف صنع المنافقون في يوم الأحزاب من تخذيلهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن كذبهم عليه وعلى المؤمنين، ومن ظنهم السوء بربهم سبحانه وتعالى، وكيف صنع المؤمنون من تصديقهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وحسن ظنهم في الله سبحانه، وإن كان الأمر شديداً عليهم، ولكن كل إنسان يبتليه الله سبحانه وتعالى بحسب ما في قلبه من إيمان.

    فابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، واضطربوا وظنوا أن النصر تأخر شيئاً، ولكن هم واثقون في الله سبحانه بأنه لن يخذل رسوله صلوات الله وسلامه عليه.

    أما المنافقون فأساءوا الظن بالله سبحانه، وكذبوا على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم فقالوا: مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا [الأحزاب:12] أي: إلا محالاً وباطلاً.

    فهؤلاء المنافقون فضحهم الله سبحانه، وبين أنهم المعوقون للمؤمنين عن القتال، والصادون للمؤمنين عن جهادهم في سبيل الله سبحانه وتعالى، الذين يقولون لإخوانهم في النسب أو لأصحابهم: هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:18] فهم من أجبن الناس ويرمون غيرهم بالجبن، فقد قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه: إنهم من أجبن الناس عند اللقاء، وإنهم من أجوع الناس بطوناً، ويقولون عنهم: إنما هم أكلة رأس، يعني: عددهم قليل، فلقلتهم يكفيهم الرأس من الغنم.

    فهؤلاء المنافقون يقولون لإخوانهم: هلم إلينا، أي: دعوا النبي صلى الله عليه وسلم وتعالوا فاجلسوا معنا وكلوا، وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:18] (البأس) أي: القتال.

    قوله: (أشحة عليكم) أي: هم من أبخل الناس وأشح الناس، فالبخيل: هو الذي يضن بما في يده وبما في يد غيره، لم يكتف بما في يده، فهو شحيح ضنين على المال الذي معه وعلى المال الذي مع غيره، فهو شحيح مقتر لا يبذل.

    فقوله: أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ يعني: يرفضون لكم الخير، ويرفضون منكم إنفاقاً في سبيل الله سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ [الأحزاب:19] أي: إذا جاء القتال، رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [الأحزاب:19] هذا حالهم، كالإنسان الذي يرى الموت أمامه مرعوب يهتز ويرتعش، هذا حال هؤلاء المنافقين.

    فإذا انتهى هذا الخوف إذا بهم يتشجعون ويظهرون الشجاعة، ويقولون: عملنا وعملنا، انظروا نحن لو كنا موجودين كنا عملنا كذا، وهم أجبن خلق الله.

    يذكر سبحانه هؤلاء المنافقين بقوله: وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ [المنافقون:4] هذا حال هؤلاء المجرمين المنافقين، تجدهم طوال الأجسام عراضها، أشكالهم ومناظرهم جميلة، كذلك تأخذ منهم كلاماً كأن مقتضاه الحكمة، وهو في الحقيقة خلاف ذلك.

    وقال سبحانه: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [المنافقون:4] الخشب يستفاد منه في صناعة الأبواب وسقافة البيوت، لكن إذا كان الخشب مسنداً إلى الجدران فليس فيه أي فائدة، وإنما يحصل منه ضيق على الناس، فهذا هو حال هؤلاء، كأنهم خشب غير منتفع به، ولكن خشب مسنود على الجدران.

    يذكر الله سبحانه صفات المنافقين، ويبين أنهم في غاية الخوف والرعب والجبن إذا جاء الأعداء، يقول تعالى: فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ [الأحزاب:19] أي: ألسنتهم لاذعة حادة، يتكلمون كلاماً سيئاً عن المؤمنين، بل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    قوله: (سلقوكم) أي: أيرفعوا أصواتهم بالقول، وكانوا في حال الخوف في غاية الجبن، لكن بعد أن غادر الأعداء رفعوا أصواتهم على المؤمنين، فهم ليسوا أشحة في الإنفاق لما في أيديهم فقط، بل هم لا يحبون من المؤمنين الإيمان، ولا يحبون للمؤمنين النصر على الأعداء، ولا يحبون خيراً يأتي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا للمؤمنين.

    ثم قال: أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا [الأحزاب:19] أي: أولئك يزعمون الإيمان بألسنتهم، أما القلوب فهي خالية من الإيمان، والنتيجة تكون كما قال الله: فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ [الأحزاب:19] هم يستحقون ذلك؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فهم وإن صلوا معكم ظاهراً، لو استطاعوا أن يتركوا الصلاة لتركوها، ولذلك لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، فهم لولا خوفهم من أن النبي صلى الله عليه وسلم يعاقبهم، لما صلوا مع الناس الجماعة، ولتركوا الصلاة بالكلية.

    إذاً: هم يفعلون الخير في الظاهر أمام الناس، وهم في الحقيقة إنما يفعلون ذلك رياء وسمعة أمام الناس، فاستحقوا أن يفضحهم الله سبحانه، وأن يحبط أعمالهم، قال تعالى عن الكافرين: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23] .

    أي: جعلناه هباءً كالغبار الذي يرى في الكوة التي تدخل منها الشمس، فكذلك أعمالهم لا وزن لها عند الله سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا [الأحزاب:19] يعني: الأمر كله يسير على الله سبحانه، فكونهم يؤمنون أو يكفرون كل هذا يسير على الله سبحانه، وكذلك كونه سبحانه يحبط أعمالهم هذا يسير على الله؛ لأنه سبحانه، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ...)

    يقول سبحانه عن هؤلاء: يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا [الأحزاب:20] أي: من الرعب الذي أصابهم، أما المؤمنون فقد صدقوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة ليأتيه بخبر الكفار، فرأى الكفار وهم يقولون: النجاء النجاء، وجاء حذيفة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أن القوم قد ذهبوا، وجاء جبريل يخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فعرف المؤمنون أن النبي صلى الله عليه وسلم صادق فيما يقول، فرجعوا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة.

    أما هؤلاء المنافقون الذين ملأ الجبن قلوبهم فهم لا يصدقون أن الكفار قد ذهبوا، فقد استغربوا: كيف يفر عشرة آلاف كافر من ثلاثة آلاف من المؤمنين، فهم يحسنون الظن في الكفار ويسيئون الظن في الله سبحانه وفي المؤمنين.

    وقوله: (يحسبون) قرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي وخلف ويعقوب: (يحسِبون) بكسر السين.

    والباقون يقرءون: (يحسَبون) بفتحها، وهم عاصم وابن عامر وحمزة وأبو جعفر.

    قال تعالى: وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ [الأحزاب:20].

    يعني: هؤلاء يحبون لو أنهم يهربون من المدينة إلى البادية حتى ينظروا لمن الغلبة، فهم مع المنتصر، هذا حال المنافق، قال تعالى عنهم: مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ [النساء:143] أي: لا مع المؤمنين ولا مع الكفار، فهم يقفون مع من ينتصر.

    قال الله سبحانه: يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ [الأحزاب:20] يعني: يسألون عن خبركم مع الكفار هل انتصرتم أو انهزمتم، أما أن يكونوا معكم يعينونكم على القتال فلا؛ لأنهم لا يجيدون ذلك.

    قوله: (يسْألون) هذه قراءة الجمهور.

    أما قراءة رويس عن يعقوب: (يسَّاءلون عن أنبائكم).

    النبأ: هو الخبر المغيب، فهم لا يريدون خبراً مشاهداً، وإنما يريدون أن يسمعوا الذي حصل مع المسلمين من بعيد فقط.

    قال تعالى: وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا [الأحزاب:20] يبين ربنا سبحانه للمؤمنين أن هؤلاء وإن كثروا العدد فلا تفرحوا بهم؛ لأن حقيقتهم أنهم يخذلون بينكم، ويلقون في قلوب المؤمنين الاختلاف وبذور الشقاق، فهم يخوفون المؤمنين من الكفار، وهم يفسدون فيما بين المؤمنين، وهم يثبطونهم عن القتال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ..)

    أما المؤمنون فهم يتبعون الرسول صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه أسوتهم وقدوتهم عليه الصلاة والسلام، وانظر الفرق بين هؤلاء وهؤلاء، يقول سبحانه: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

    يعني: لقد كان لكم أيها الناس جميعاً الأسوة الحسنة في رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    كان الخطاب في الآيات السابقة للمنافقين، وهنا الخطاب للجميع -للمؤمنين وللمنافقين- أي: اقتدوا جميعاً برسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وذروا ما أنتم عليه من معاصي الله سبحانه.

    قوله: (أسوة) بالضم، وهي قراءة عاصم وحده.

    أما باقي القراء فإنهم يقرءون: (إسوة) بالكسر.

    فقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) يعني: القدوة الحسنة في الإتساء بالنبي صلوات الله وسلامه عليه للمؤمنين، فالمؤمن يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولأن هوى المؤمن تبع للنبي صلى الله عليه وسلم ولما جاء به.

    والمؤمن يفدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه وبأهله وبماله.

    ولذلك يحدث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن هؤلاء المؤمنين الذين يأتون من بعده ولم يروه، لكنهم يودون أن يروه، ولو فقدوا أهليهم وأموالهم.

    قال تعالى: لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ [الأحزاب:21] أي: يرجو ثواب الله ويرجو لقاء الله، ويرجو اليوم الآخر فهو يؤمن بالله وباليوم الآخر ويعتقد يقيناً جازماً أنه ملاقي الله، وأنه يأتي عليه يوم الحساب للجزاء والثواب والعقاب، فهو يود أنه مع النبي صلى الله عليه وسلم مقتدٍ به في الدنيا؛ فهو إمامه يوم القيامة، يوم يدعو الله عز وجل كل أناس بإمامهم.

    يقول الله سبحانه: وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21] الذكر يعين على طاعة الله سبحانه، والله مع الذين يذكرونه سبحانه وتعالى، فحين يذكر المؤمن ربه يكون الله معه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله ..)

    قال الله تعالى: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22].

    يذكر الله كيف كان حال المؤمنين لما رأوا الأحزاب، فقد أعلمنا حال المنافقين، وأنهم كانوا في غاية الخوف والرعب تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت.

    أما المؤمنون فإنهم لما رأوا الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، أي: هذا وعد الله أن يأتي الكفار وأن يحدث بيننا وبينهم الالتحام والقتال ويأتي نصر الله، وصدق الله ورسوله.

    فرق بين المؤمن والمنافق، المنافق أصابه الخوف والرعب فقال: يعدنا محمد بكنوز قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الخلاء، لكن المؤمن لما رأى هذا الرعب وهذا الخوف قال: صدق الله ورسوله.

    يعني: بمجيء الأحزاب الكفار سيأتي نصر الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وعدا بالنصر والتمكين، وبأننا نفتح قصور الشام وقصور العراق وبلاد الحبشة وغيرها، وصدق الله وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، سنكون في وقت من الأوقات منتصرين، ويدخل الإيمان في كل مكان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

    فالمؤمنون ما زادهم ما هم فيه من خوف ومن شدة إلا إيماناً، وهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وهل تنصرون إلا بضعفائكم). لما رأى الأقوياء كـسعد بن أبي وقاص وغيره في يوم بدر أن لهم مزية وفضلاً على غيرهم من المؤمنين، وذلك بأنهم قاتلوا بالسيف وغيرهم ضعفاء، فقال سعد للنبي صلى الله عليه وسلم: (أعطني هذا السيف لعله يعطاه من لا يبلي بلائي -أي: قد يأخذ السيف من لا يعمل مثل ما أعمله- فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لـسعد : وهل تنصرون إلا بضعفائكم؟).

    يعني: النصر لا يأتي بقوة الأجسام والسلاح وإنما يأتي بقوة هؤلاء في إيمانهم، فهؤلاء الضعفاء يدعون الله ويستغيثون بالله ويطلبون النصر منه سبحانه فينصرهم، أما القوي فقد يعجب بنفسه ويظن في نفسه قوة فينسى أن يدعو ربه.

    إذاً: فالمؤمنون ازدادوا في حال خوفهم إيماناً بالله، وثقة في الله سبحانه، وتسليماً لأمر الله؛ لأنهم سلموا أنفسهم لله بما يشاء، فصدقوا الله سبحانه وتعالى، فصدقهم الله سبحانه.

    قال تعالى: وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا [الأحزاب:22] أي: بالرب سبحانه وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22] بالقضاء والقدر، وهذا حال المؤمنين أنهم يسلمون لله سبحانه، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فيرضون فيرضيهم الله سبحانه.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.