إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب [2 - 4]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أدب الله نبيه عليه السلام فأحسن تأديبه، فالقرآن مليء بالأوامر والخطابات المصدرة بمناداة سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، وقد أمره تعالى باتباع ما يوحيه إليه آمراً لأتباعه المؤمنين بذلك.

    1.   

    طاعة الكفار والمنافقين ضلال

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الأحزاب:

    يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب:1-3].

    في هذه الآيات يخبر الله سبحانه وتعالى عن تقواه سبحانه، وأنه ينبغي على جميع خلقه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فمن دونهم أن يتقوا الله سبحانه، فأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتقي الله، وهو أتقى خلق الله صلوات الله وسلامه عليه وأعلمهم بالله وأخشاهم له، فغيره من باب أولى أن يؤمر بذلك وأن يجعل بينه وبين عقوبة الله وقاية من العمل الصالح والإخلاص وتوحيد الله سبحانه وتعالى وغير ذلك.

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1]، فتحذير المعصوم عليه الصلاة والسلام من طاعة الكفار والمنافقين، مع أنه إذا فعل شيئاً فيه طاعة لهؤلاء في أمر من الأمور فإنه لا يبتغي بذلك إلا وجه الله سبحانه وتعالى، معناه أن غيره من باب أولى، فلا يجوز للمسلم أن يطيع كافراً أو يطيع منافقاً؛ فإنه إذا أطاعهم دلوه على الشر وصدوه عن طريق الخير.

    فليحذر المؤمن من طاعة الكفار والمنافقين، فإنهم لن يدلوه على خير وقد ضلوا، فهم أهل ضلال فكيف يدلون غيرهم على الخير وهم لم يأخذوا به أصلاً، فلا تطع الكافرين ولا تطع المنافقين.

    إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الأحزاب:1]، أي: فالله عليم بما يأمر سبحانه، عليم بمن يطيعه من عباده، عليم بمن يدل على الخير ومن يضل عن الخير، وبمن يهدي إلى الرشد ومن يهدي إلى الضلال، والله حكيم في أوامره ونواهيه، حكيم إذ يقول: وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1] ويقول: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [النساء:59].

    وهو حكيم سبحانه في تشريعه، حكيم في أمره ونهيه، فأطع الله واحذر من طاعة الكفار والمنافقين فإنهم قد ضلوا ويريدون أن يضلوك عن سبيل الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واتبع ما يوحى إليك من ربك ...)

    قال تعالى: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [الأحزاب:2].

    وهذا أيضاً أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره بالاتباع لما أوحاه الله سبحانه من الوحي، وهناك وحي في كتاب الله عز وجل ووحي في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم نطقه وكلامه إما بقرآن وإما بسنة، قال الله سبحانه: وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى [النجم:3]، أي: لا ينطق عن هوى في نفسه، وإنما ينطق عن وحي بالقرآن أو بالسنة، وكلاهما وحي من الله تبارك وتعالى.

    وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [الأحزاب:2]، فما نطقت به وأمرت غيرك به، فأنت مطالب بأن تفعله وأن تتبع تشريع ربك سبحانه.

    إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [الأحزاب:2]، والخبير: هو الدقيق في علمه، الذي يعلم ما جل وما قل، ما استتر وخفا وما ظهر من الإنسان، فيعلم الله عز وجل كل شيء، فهو العليم وهو الخبير سبحانه، وهو العليم بدقائق وخفايا النفوس.

    إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً [الأحزاب:2]، هذه قراءة الجمهور.

    وقرأها أبو عمرو (إن الله كان بما يعملون) على الغائب.

    وهذه الآية هي كقوله تعالى: بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الأحزاب:9]، في قراءة الجمهور، وأما في قراءة أبي عمرو فهي: (بما يعملون بصيراً).

    فالله يخاطبكم ويقول: كل ما تعملون فهو الخبير به وهو البصير به سبحانه وتعالى، وما يعمل الكفار والمنافقون فالله عليم وخبير بذلك كله أيضاً.

    وفي هذه الآية الأمر بالاتباع، وكأنها إشارة وتحذير من الابتداع في دين الله سبحانه، اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ [الأعراف:3]، فيأمركم بالاتباع للكتاب والسنة، فكل ما جاء فيهما فهو وحي من عند رب العالمين والمؤمن مطالب باتباعه.

    ولذلك يحذر الله سبحانه من سلوك سبل الضلالة، وفي فاتحة الكتاب تقرأ قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6]، أي: اهدنا ودلنا وأعنا على اتباع هذا الصراط المستقيم، وقال هنا: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [الأحزاب:2] .

    وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من البدع فقال: (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، ففي هذا الحديث تحذير من الابتداع في دين الله سبحانه.

    فلا تبتدعوا ويكفيكم ما جاء في القرآن والسنة، وقد قال الله لنبيه محمد: وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [الأحزاب:2] وكذلك المؤمنون أمروا بالاتباع تبعاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً ...)

    قال تعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب:3].

    وهذا الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أيضاً.

    والتوكل على الله هو أن تجعل ربك وكيلاً، وأن تعتمد عليه وحده لا شريك له، وأن تكل أمرك إليه، وأن تفوض أمرك إليه، وأن تلجأ إليه، وأن تجعل ظهرك وسندك إليه سبحانه وتعالى، فهو الذي يعينك وهو الذي ينصرك ويحميك ويدافع عنك إذا اعتمدت وتوكلت عليه، وقد قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب:3] .

    أي: يكفيك ربك سبحانه وكيلاً يدبر أمرك ويدافع عنك، فهو وكيلك وحافظك وحسيبك، يكفيك من كل شيء، وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب:3] .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ...)

    أقوال المفسرين في معنى (ما جعل الله لرجل من قلبين)

    يقول: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب:4]

    وكأن هنا أناساً ادعوا ذلك فأكذبهم الله سبحانه وتعالى.

    وهذه الدعوى محتملة من الإنسان، فقد يدعي لنفسه أنه كذلك؛ ليري الناس أنه أفضل من غيره حتى من النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو الناس إليه، فإذا بالله يكذب من يقول ذلك، وأن الله جعل القلب قلباً واحداً في كل إنسان: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب:4] .

    وقد يكون بعضهم اتهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وقالوا: إنه ذو قلبين: قلب معكم وقلب مع غيركم، يرمونه بذلك عليه الصلاة والسلام، فيكذبهم الله بأنه ما جعل لأحد من قلبين لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره، وإنما هو قلب واحد في كل إنسان.

    قال مجاهداً: نزلت هذه الآية في رجل من قريش كان يُدعى ذا القلبين، ويلقبونه بأنه صاحب القلبين، لماذا؟ وقالوا: إن ذلك من ذكائه، وإنه كان شديد الدهاء، والمكر، فهذا الإنسان كان يمكر ويكيد ويزعم أن ذلك من الذكاء الشديد، فكانوا يلقبونه بذي القلبين من دهائه.

    وكان يقول: إن لي في جوفي قلبين أعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد، وكان رجلاً ثرياً، واسمه جميل الفهري ، وقيل: بل هو غيره.

    الغرض أن هذا الرجل كان شديد الحفظ، يسمع الشيء فيحفظه بسرعة، فكان مُعجباً بحفظه ومعجباً بذكائه، فيقول للناس: أنا أولى بالاتباع من محمد!

    فقالت قريش: لا يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان، فهو ادعى دعوى وهم صدقوه في ذلك؛ لأنه يحفظ بهذه السرعة.

    فلما كانوا في يوم بدر كان هذا الرجل من ضمن الكفار الموجودين، وكان ممن هرب في يوم بدر، فرآه أبو سفيان وهو يحمل نعلاً في يده ونعلاً في قدمه، فقال له أبو سفيان : ما بال الناس؟ قال: انهزموا. قال: فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك. فقال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، أي: كنت أظن أني لابسهما في رجلي، فعرفوا أنه كذاب فيما يدعي من حفظه، ومن أنه ذو قلبين. فكأنه قال له: لو كان لك قلبان لم تضع نعلاً في يدك ونعلاً في رجلك.

    هذا مما قيل في ذلك، والآية تحتمله.

    وكذلك جاء أنهم ادعوا على النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فهم زعموه لهذا الرجل الذي اسمه جميل من باب المدح له، فلما قالها المنافقون عن النبي صلى الله عليه وسلم قالوها من باب الذم والقدح في النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقال بعض المنافقين: إن محمداً له قلبان؛ لأنه يكون جالساً معكم وفجأة ينزل عليه الوحي من السماء، فيغيب عنكم ثم يرجع مرة أخرى، إذاً: له قلبان قلب معكم وقلب ليس معكم. يريدون بذلك أن ينفروا الناس عن النبي صلوات الله وسلامه عليه فأكذبهم الله سبحانه وقال: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب:4] .

    أيضاً مما قيل في ذلك: إنها نزلت تمثيلاً في زيد بن حارثة لما تبناه النبي صلوات الله وسلامه عليه -وهي محتملة- تمهيداً لتحريم التبني؛ لأنه لا يعقل أن يكون للإنسان أبوان، بل لا يوجد له إلا أب واحد، كذلك لا يوجد أحد له أمان بل هي أم واحدة، وهي التي ولدت الإنسان، وكان من هذا الأب ومن هذه الأم.

    فمن تدعيه تبنياً هو ابن لغيرك وليس ابناً لك، كما أن الله لم يجعل في جوفك إلا قلباً واحداً كذلك لم يجعل رجلاً ابناً لاثنين.

    وكذلك قالوا: إن هذا تمهيد للنهي عن الظهار، فالمظاهر يقول لامرأته: أنت أمي وهي ليست أمه، فما جعل الله لإنسان أمين كما أنه لم يجعل له قلبين، إذاً: لا قلبان لإنسان، ولا أبوان له، ولا أمان له؛ فكأن في الآية تمهيداً لتحريم الظهار وتحريم التبني.

    وكذلك مما قالوا في معناها وهي تحتمله أيضاً: ليس للإنسان قلب يكفر به وقلب يؤمن به، فإما أن يكون قلبه مؤمناً وإما يكون كافراً ومنافقاً، فلا يجتمع الإيمان مع الكفر في قلب الإنسان، وكيف يجتمع الإيمان الذي هو توحيد لله سبحانه مع الشرك بالله سبحانه والجحود به؟ فالآية على هذا القول تمهيد لتحريم الشرك بالله سبحانه.

    وظيفة القلب وأهميته

    قال تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب:4].

    وقلب الإنسان من أعظم أعضائه، والجسد فيه مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب، كما ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    فقلب الإنسان يعقل ويحفظ ويعرف ربه تبارك وتعالى، وهو نفس القلب الذي إذا انقلب إذا بالعبد يشرك بالله ويجحد ربه سبحانه ويفعل المعاصي والذنوب، فالقلب في الإنسان قد يذكر أنه الذي في الجوف كما قال: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب:4] وقد يذكر في آية أخرى أن القلب في الصدر كما قال: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] .

    إذاً: هنا قلب الإنسان الذي في صدره هو محل الإيمان ومحل الكفر، ومحل العقل الذي يتعقل به الإنسان، فهو يعقل بهذا القلب، ويشعر به، ويحس به، وفيه العاطفة، ولذلك الذين يعملون زرعاً للقلوب شعروا أن الإنسان الذي زرع له قلب مكان قلبه لا عاطفة فيه، بل قلبه قلب ميت لا إحساس ولا شعور ولا حب فيه، لا يوجد تعاطف بينه وبين الناس الذين من حوله، وصدق الله العظيم عندما يقول: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، ولم يقل: المخ الذي في رأس الإنسان، فالقلب هو محل تعقل الإنسان ومحل إيمانه، ومحل عاطفته، فذكر الله سبحانه القلوب التي في الصدور.

    معنى قوله: (وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون ...)

    قال تعالى: وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ [الأحزاب:4].

    والمظاهرة: هي أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي.

    وهذه الكلمة كانت مشهورة عند العرب، وكان الرجل يتغيظ من امرأته ويريد أن يهجرها فيقول لها: أنت علي كظهر أمي.

    والظهر يعبر به عن الركوب، وأصله ركوب الإنسان على ظهر الدابة، فعبر بهذا التعبير كناية عن جماع الإنسان لأهله، فكأن هذا الإنسان عندما يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي، كأنه يقول: كما لا يجوز لي أن آتي أمي كذلك لا يجوز لي أن آتيك، فيحرم ما أحل الله سبحانه وتعالى له، ويتكلم بالزور من القول.

    فالله عز وجل لا يرضى أن تجعل هذه المرأة أمك، وهي ليست بأمك، ولا يحل لك أن تقول ذلك.

    فحرم الله عز وجل الظهار في هذه الآية، وفي سورة المجادلة منع من ذلك أيضاً، قال تعالى: مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا [المجادلة:2]، أي: الذين يظاهرون من نسائهم.

    وهذا منكر من القول، وهو أن يزعم الإنسان شيئاً على غير الحقيقة ويعلم أنه كاذب فيما يقول، فقال هنا: وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ [الأحزاب:4] .

    وهاتان الكلمتان فيهما قراءات للقراء: اللَّائِي تُظَاهِرُونَ [الأحزاب:4] يقرأ هذه القراءة عاصم وحده.

    ويقرؤها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب والبصريون: (تَظَّهَّرون).

    ويقرؤها باقي الكوفيين (تَظَاهرون).

    ويقرؤها ابن عامر: (تَظَّّّاهرون).

    إذاً: هناك أربع قراءات في هذه الكلمة: (تَظَّهَرون)، (تَظَّاهرون)، (تُظَاهرون)، (تَظَاهرون).

    كذلك كلمة (اللائي) فيها قراءات:

    فيقرؤها أهل مكة والمدينة والبصرة: (اللاي) إذا وقفوا عليها، أو إذا وصلوها فإنهم يقرءوها بالتسهيل أو بالهمز الذي فيها.

    فبالترتيب يقرؤها قالون قنبل يعقوب : (واللاءِ تَظَّهَّرون) واللاء بالكسرة فيها والمد الذي في الوسط.

    ويقرؤها ورش أبو جعفر بالتسهيل: (واللاي تَظَّهَّرون) بتسهيل الهمز فيها.

    وإذا وقف عليها من يسهل فيها يقول: (واللاي).

    وباقي القراء يقرءونها: (واللائي تَظّاهرون)، (واللائي تُظاهرون)، (واللائي تَظَاهرون).

    وهناك قراءة أخرى وهي قراءة أبي عمرو وقراءة البزي: (واللاي تَظَّهَّرون).

    معنى قوله: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم)

    قال: وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ [الأحزاب:4].

    الابن المتبنى ليس ابناً حقيقة، ويحرم عليك أن ترتبط به ارتباط النسب فتقول: هذا ابني، وتكتب اسمه باسمك في النسب، كما يحدث من البعض حين يتبنى طفلاً من ملجأ أو من غيره، ثم يكتبه باسمه ثم يرثه فهذا لا يحل، وقد يكون لهذا الإنسان أقارب ومحارم فيدخل هذا الغريب عليهم بدعوى أن هذا صار أباه، وهذه عمته، فيدخل عليها ويراها، وهذا كله غير جائز، فمتى صار هذا الغلام بالغاً فهو ليس ابناً لهذا، وينبني عليه أن هؤلاء ليسوا محارم له، ويجوز له أن يتزوج منهن.

    إذاً: التبني يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله، فلا يجوز لأحد أن يتبنى أحداً.

    وهناك فرق بين إنسان يكفل إنساناً ويربيه ويسميه بأي اسم، وبين أن يسميه باسمه هو، ويأخذه ليربيه ويتبناه، فالدين لا يمنع من أن يكفل الإنسان يتيماً ويربيه، ولكنه يمنع من أن ينسبه إلى نفسه، فقال تعالى: وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ [الأحزاب:4]، أي: إنما هذا قول قلتموه بألسنتكم وليس قولاً صحيحاً، والله هو الذي يقول الحق سبحانه وتعالى، فقوله هو الحق وحكمه هو العدل سبحانه.

    قال تعالى: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب:4]، أي: يدل على السبيل ويوفق إليه، ويحول العبد من شيء إلى شيء بقضائه وقدره سبحانه.

    نسأله أن يهدينا سواء السبيل، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.