إسلام ويب

تفسير سورة الأحزاب الآية [1]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • النبي صلى الله عليه وسلم هو أتقى الناس لله وأعلمهم به، ولكن الله يأمره بالتقوى بقصد المداومة عليها، ومن أجل أن يتبعه المؤمنون على ذلك، وقد حذره الله من طاعة الكفار والمنافقين؛ لأنهم يريدون فساد الدين.

    1.   

    الكلام عن موضوعات سورة الأحزاب وأهم ما ذكر فيها

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الأحزاب: بسم الله الرحمن الرحيم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب:1-4].

    وقد قدمنا أن هذه السورة الكريمة من السور المدنية، وأن آيات هذه السورة ثلاث وسبعون آية، وأنها نزلت في غزوة الأحزاب أو بعدها في أواخر سنة خمس من الهجرة على الصحيح فيها، وقد كانت غزوة الأحزاب في شوال أو في ذي القعدة من سنة خمس.

    وقد نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم لتبين له أحكاماً من أحكام المنافقين والكافرين وغيرهم، فبدأ ربنا سبحانه وتعالى فيها بقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1].

    وقد كان عدد الكفار لما أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة عشرة آلاف وعشرة رجال، وكان عدد المسلمين يومئذ ثلاثة آلاف، فقد تجمعت قريش والأحابيش وغطفان وغيرهم وجاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن استشار المؤمنين، فأشار عليه بعضهم بأن يحفر خندقاً بينه وبينهم، فكان الأمر وجاء النصر من عند الله سبحانه كما ذكرنا.

    والحق أن أهم ما ذكر في هذه السورة: هو الرد على الكفار والمنافقين؛ لأنهم تقولوا بأقوال كاذبة فردها الله سبحانه وتعالى عليهم، وفيها الرد على قولهم لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بـزينب بنت جحش كيف يتزوج بامرأة ابنه وقد حرم ذلك ربنا تبارك وتعالى؟

    فرد ربنا سبحانه بالنهي عن التبني وإبطال نسبة الولد إلى أبيه بالتبني، وذلك في قوله سبحانه: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب:5]، وقال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6]، وقال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36].

    فالاختيار يكون لله سبحانه وتعالى، فهو من يختار لنا ما يليق بنا وينفعنا ثم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، فإذا اختار لنا شيئاً فالخيرة فيما اختاره الله سبحانه وما اختاره النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

    كذلك يوجد في هذه السورة تحريض للمؤمنين على التمسك بشرع الله تبارك وتعالى كما ذكر أنه أخذ العهد على النبيين من قبل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقد أخذ العهد والميثاق على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى نوح والنبيين من بعد نوح عليه الصلاة والسلام.

    وفيها: وجوب التمسك بعهد الله وميثاقه الذي أمر به.

    وأيضاً الاعتبار بما أظهره الله سبحانه وتعالى بنصر المؤمنين على أعدائهم من الكفرة، فيعلم الإنسان أن النصر من عند الله؛ لأن المؤمنين إذ ذاك لم يتوقعوا انتصاراً في هذه الغزوة؛ وبالذات لأن عددهم ثلاثة آلاف وعدد الكفار عشرة آلاف.

    وقد جعلوا حصناً منيعاً بينهم، حتى اضطر المؤمنون إلى اللين مع اليهود حتى يحفظ اليهود ظهورهم، فإذا باليهود يغدرون بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأصبح المشركون من أمامهم واليهود من ورائهم، فشعر المسلمون أنهم بين فكي كماشة.

    ثم إذا بالنصر يأتي من عند رب العالمين تبارك وتعالى، في وقت يأس المسلمين من النصر، فإذا به يأتي من عند الله من حيث لا يتوقعون، فأرسل الرياح حتى جعلت الكفار يهربون ظناً منهم أن المؤمنين قد هاجموهم في ذلك الوقت، ففيها: أن الله سبحانه وعد المؤمنين بالنصر متى يشاء سبحانه إن استحقه المؤمنون.

    وفيها أيضاً: الثناء على صدق المؤمنين وثباتهم في الدفاع عن دين رب العالمين سبحانه وتعالى، كما قال الله سبحانه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23]، فمن كان بهذه الصفة صح فيه المدح ودخل تحت هذه الآية.

    وفيها أيضاً: إظهار نعم الله سبحانه وتعالى على المؤمنين بأن مكنهم من الكفار ومن أهل الكتاب، وجعل لهم ديارهم وأموالهم، وجعل لهم الظهور عليهم، فهذه نعمة من الله تبارك وتعالى بأن نصر المؤمنين وأعطاهم الغنائم والفيء.

    وفيها أيضاً: ذكر أحكام العشرة الزوجية، وما يكون من الرجل مع أهله، وكيف يتزوج الإنسان، وكم هو العدد المسموح به في الشرع، وبيان خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم في هذا وأن المؤمنين لا يدخلون معه في ذلك؛ لأن الله سبحانه يعلم ما ينفع له وما ينفع للمؤمنين فشرع ذلك سبحانه وتعالى.

    وفيها كذلك: ذكر عدة المطلقة قبل الدخول بها والبناء عليها.

    وفيها أيضاً: ما ذكره سبحانه من صفات المنافقين، وكيف أنهم يرجفون بالمؤمنين، وأنهم أشد الناس جبناً وخوفاً مع ادعائهم القوة والشجاعة.

    ثم اختتمت هذه السورة بالذي افتتحت به، فكما قال سبحانه في أولها: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1] قال في آخرها: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:73].

    فذكرهم في أولها ثم بين عاقبتهم في آخرها وما هم صائرون إليه، وفي هذه السورة أيضاً: بيان القدوة والأسوة الحسنة وهو النبي صلى الله عليه وسلم، والحث على التأسي والاقتداء به صلوات الله وسلامه عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين ...)

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الأحزاب: بسم الله الرحمن الرحيم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ [الأحزاب:1-4].

    وقد قدمنا أن هذه السورة الكريمة من السور المدنية، وأن آيات هذه السورة ثلاث وسبعون آية، وأنها نزلت في غزوة الأحزاب أو بعدها في أواخر سنة خمس من الهجرة على الصحيح فيها، وقد كانت غزوة الأحزاب في شوال أو في ذي القعدة من سنة خمس.

    وقد نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم لتبين له أحكاماً من أحكام المنافقين والكافرين وغيرهم، فبدأ ربنا سبحانه وتعالى فيها بقوله: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1].

    وقد كان عدد الكفار لما أتوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المدينة عشرة آلاف وعشرة رجال، وكان عدد المسلمين يومئذ ثلاثة آلاف، فقد تجمعت قريش والأحابيش وغطفان وغيرهم وجاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن استشار المؤمنين، فأشار عليه بعضهم بأن يحفر خندقاً بينه وبينهم، فكان الأمر وجاء النصر من عند الله سبحانه كما ذكرنا.

    والحق أن أهم ما ذكر في هذه السورة: هو الرد على الكفار والمنافقين؛ لأنهم تقولوا بأقوال كاذبة فردها الله سبحانه وتعالى عليهم، وفيها الرد على قولهم لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بـزينب بنت جحش كيف يتزوج بامرأة ابنه وقد حرم ذلك ربنا تبارك وتعالى؟

    فرد ربنا سبحانه بالنهي عن التبني وإبطال نسبة الولد إلى أبيه بالتبني، وذلك في قوله سبحانه: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ [الأحزاب:5]، وقال تعالى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [الأحزاب:6]، وقال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [الأحزاب:36].

    فالاختيار يكون لله سبحانه وتعالى، فهو من يختار لنا ما يليق بنا وينفعنا ثم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، فإذا اختار لنا شيئاً فالخيرة فيما اختاره الله سبحانه وما اختاره النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

    كذلك يوجد في هذه السورة تحريض للمؤمنين على التمسك بشرع الله تبارك وتعالى كما ذكر أنه أخذ العهد على النبيين من قبل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقد أخذ العهد والميثاق على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى نوح والنبيين من بعد نوح عليه الصلاة والسلام.

    وفيها: وجوب التمسك بعهد الله وميثاقه الذي أمر به.

    وأيضاً الاعتبار بما أظهره الله سبحانه وتعالى بنصر المؤمنين على أعدائهم من الكفرة، فيعلم الإنسان أن النصر من عند الله؛ لأن المؤمنين إذ ذاك لم يتوقعوا انتصاراً في هذه الغزوة؛ وبالذات لأن عددهم ثلاثة آلاف وعدد الكفار عشرة آلاف.

    وقد جعلوا حصناً منيعاً بينهم، حتى اضطر المؤمنون إلى اللين مع اليهود حتى يحفظ اليهود ظهورهم، فإذا باليهود يغدرون بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأصبح المشركون من أمامهم واليهود من ورائهم، فشعر المسلمون أنهم بين فكي كماشة.

    ثم إذا بالنصر يأتي من عند رب العالمين تبارك وتعالى، في وقت يأس المسلمين من النصر، فإذا به يأتي من عند الله من حيث لا يتوقعون، فأرسل الرياح حتى جعلت الكفار يهربون ظناً منهم أن المؤمنين قد هاجموهم في ذلك الوقت، ففيها: أن الله سبحانه وعد المؤمنين بالنصر متى يشاء سبحانه إن استحقه المؤمنون.

    وفيها أيضاً: الثناء على صدق المؤمنين وثباتهم في الدفاع عن دين رب العالمين سبحانه وتعالى، كما قال الله سبحانه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب:23]، فمن كان بهذه الصفة صح فيه المدح ودخل تحت هذه الآية.

    وفيها أيضاً: إظهار نعم الله سبحانه وتعالى على المؤمنين بأن مكنهم من الكفار ومن أهل الكتاب، وجعل لهم ديارهم وأموالهم، وجعل لهم الظهور عليهم، فهذه نعمة من الله تبارك وتعالى بأن نصر المؤمنين وأعطاهم الغنائم والفيء.

    وفيها أيضاً: ذكر أحكام العشرة الزوجية، وما يكون من الرجل مع أهله، وكيف يتزوج الإنسان، وكم هو العدد المسموح به في الشرع، وبيان خصوصية النبي صلى الله عليه وسلم في هذا وأن المؤمنين لا يدخلون معه في ذلك؛ لأن الله سبحانه يعلم ما ينفع له وما ينفع للمؤمنين فشرع ذلك سبحانه وتعالى.

    وفيها كذلك: ذكر عدة المطلقة قبل الدخول بها والبناء عليها.

    وفيها أيضاً: ما ذكره سبحانه من صفات المنافقين، وكيف أنهم يرجفون بالمؤمنين، وأنهم أشد الناس جبناً وخوفاً مع ادعائهم القوة والشجاعة.

    ثم اختتمت هذه السورة بالذي افتتحت به، فكما قال سبحانه في أولها: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1] قال في آخرها: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الأحزاب:73].

    فذكرهم في أولها ثم بين عاقبتهم في آخرها وما هم صائرون إليه، وفي هذه السورة أيضاً: بيان القدوة والأسوة الحسنة وهو النبي صلى الله عليه وسلم، والحث على التأسي والاقتداء به صلوات الله وسلامه عليه.

    الفرق بين النبوة والرسالة

    قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الأحزاب:1].

    وهذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بتقوى الله، مع أن النبي صلوات الله وسلامه عليه هو أتقى الخلق لربه تبارك وتعالى وهو أعلم بما يتقي، فإذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتقوى كان غيره من باب أولى أن يؤمر بتقوى الله سبحانه.

    والتقوى: هي المدافعة عن النفس، فتتقي الشر والظلم بأن تجتنب ذلك وتخاف أن يصيبك منه شيء، وتتقي الله بمعنى: تدفع غضب الله سبحانه وتعالى عنك بعملك الصالح، فتخاف من عذابه وعقوبته، وتدفع ذلك بالإيمان بالله سبحانه والعمل الصالح.

    قال: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:1]، وهذه قراءة الجمهور.

    وقرأ نافع (النبيء) في كل القرآن بإلحاق الهمزة، وأصلها من النبوءة، أي: أنه أخبر بالغيب، فهو المنبأ صلوات الله وسلامه عليه.

    إذاً: فالنبي هو المبلغ أخبار الله سبحانه وتعالى مما غاب عن الخلق، فهو منبئ مخبر بما غاب عن غيره من وحي الله تبارك وتعالى، والرسول: هو الذي أرسل برسالة من الله عز وجل، والنبي هو المنبأ بوحي أو بغيب وأمر بتبليغ هذا الشيء الذي غاب عن غيره، كتوحيد الله والأعمال الصالحة من الصلاة والصيام والزكاة والجهاد ... إلخ.

    والفرق بين النبي والرسول: هو أن النبي من يحكم بشرع من قبله من الأنبياء، أما الرسول فهو صاحب كتاب منزل من الكتب السماوية؛ فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، وقد نبئ النبي صلى الله عليه وسلم لما أمره الله سبحانه بقوله: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ [العلق:1]، ثم أرسل بالمدثر والمزمل: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:1-2].. يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:1-2]، أي: اذهب وأنذر الناس وبلغ رسالة الله سبحانه كما قال: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67].

    وصاحب الرسالة أعلى وأشرف من صاحب النبوة؛ ولذلك كان أولو العزم من الرسل لا من الأنبياء كنوح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وكذلك موسى وعيسى ونبينا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

    بيان خطر الكفار والمنافقين على المجتمع الإسلامي

    قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ [الأحزاب:1].

    فأمره الله عز وجل بتقواه، ونهاه أن يطيع الكافرين والمنافقين فقال: وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1]، وطاعة الكفار المنافقين شر كلها؛ لأن الكافر يأمرك بالمنكر، فليس بعد الكفر ذنب، وإذا كانت علاقته بالله سبحانه مبنية على الجحود والنكران والكفر بالله سبحانه وتعالى فكيف ستكون علاقته مع الخلق؟!

    ولذلك حذرنا الله بقوله: وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ [الأحزاب:1]؛ فإنه يأمرك بالكفر بالله سبحانه، ولن يرضى عنك الكافر أبداً حتى تصير مثله، حتى وإن قال لك: إن هناك تسامحاً في الأديان، فكلنا شيء واحد تحت مظلة الإنسانية والحرية، فهو كذاب في دعواه، بل قد يكون من أكثر الناس دعوةً إلى الكفر والباطل.

    وقد يزعمون أن هذه الدولة دولة علمانية ثم إذا خالف أحد نظامها قالوا عنه: إنه من اليمين المتطرف، أي: يدعو الناس إلى التطرف، ومثل هؤلاء يعرفون في لحن القول كما قال الرئيس الأميركي في حرب العراق: إنها حرب صليبيه، فهم في الحقيقة يحاربون لا لشيء إلا للدين، وصدق الله العظيم إذ يقول محذراً المؤمنين: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120].

    ومع ذلك تجد المسلمين يتناسون ذلك ويتغافلون عنه، ويصدقون كلام هؤلاء الكذابين الذين ينادون بحرية الأديان والتسامح الديني وحرية المرأة ونزع الحجاب؛ حتى لا يكون هناك فرق بين المسلمين والكفار؛ ولذلك تجد الكفار يسعون جاهدين لتحرير المرأة راجين بذلك الوصول بالمسلم إلى أوحال المعاصي والمنكرات، وما ذلك إلا بسبب الغل والغيظ والحقد الذي يكنونه للمسلمين ولدين الإسلام؛ ولذلك فالله عز وجل يحذرنا من طاعة الكفار فيقول: وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ [الأحزاب:1]؛ فإنهم يضلونك.

    والحق أن هذا هو دأب الكفار في كل زمان ومكان، فقد كان كفار قريش يعرضون الدخول في دين الإسلام على النبي صلى الله عليه وسلم بشرط أن يذكر آلهتهم كاللات والعزى بخير وألا يشتمها، استدراجاً له صلى الله عليه وسلم، فإذا بالتحذير الرباني يصل مباشرة فيقول: وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ [الأحزاب:1]، ثم يأتون إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيجدون حوله الفقراء من أصحابه رضي الله تبارك وتعالى عنهم فيقولون: نحن نجلس مع هؤلاء -وكان فيهم بلال وغيره- بل اجعل لنا يوماً ولهؤلاء يوماً حتى لا تتحدث العرب أنا جلسنا مع هؤلاء الضعفاء والفقراء.

    فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يوشك لحرصه على الدعوة إلى دين الله أن ينفذ ما طلبوه، لكن التحذير الرباني يصل إليه مباشرة فيقول: وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا [الكهف:28]، فلا تترك هؤلاء الذين يحرصون على الحضور والاستجابة لك، والذين يدعون ربهم بالغدو والآصال يبتغون وجه الله سبحانه وتعالى، قال: وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ [الكهف:28]، أي: لا تبتعد عيناك عن هؤلاء المؤمنين الصالحين تريد زينة الحياة الدنيا وطاعة هؤلاء الكفار، وهنا قال: وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1].

    فالكافر يضلك ويدعوك إلى ما هو عليه، والمنافق أشد من ذلك، فالمنافق أبطن النفاق في قلبه وأظهر الإسلام على لسانه فهو غير معلوم، أما الكافر فمعلوم كفره باطناً وظاهراً.

    علامات المنافقين

    وقد حذر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم من طاعتهم؛ لأن المنافق ينصرف عن المؤمن ويأنف أن يكون معه في أوقات الجد والشدة، كما صنع عبد الله بن أبي بن سلول مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد لما انسحب بثلث الجيش عن النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن كانوا ألف مقاتل والكفار ثلاثة آلاف، فصار النبي صلى الله عليه وسلم في سبعمائة مقاتل، وانصرف المنافق ومن معه في وقت الشدة والحرج.

    ومن علامات المنافقين أيضاً: سلاطة ألسنتهم وبذاءتها على النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين، كما قال بعضهم: والله ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء.

    فقراء القرآن في نظرهم أجوع الناس وأجبنهم عند القتال والجهاد، وكأن هؤلاء المنافقين هم الذين يجاهدون في سبيل الله عز وجل.

    وكانت النتيجة أن فضحهم الله سبحانه وتعالى في سورة التوبة، فذكر أوصافهم وأحوالهم بدقة متناهية، حتى إنهم خافوا أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم، فتبين أن المنافقين هم أشد خطراً على المؤمنين من الكفار؛ لأن الكفار معلومون ظاهرون، أما المنافقون فقد يصلون ويتصدقون، ولكنهم يفسدون العلاقة بين المسلمين مع بعضهم.

    وانظروا إلى عبد الله بن أبي بن سلول وأفعاله مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين، فقد خرج ذات مرة في غزوة مع المسلمين فلما رجع قال لمن معه: لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المنافقون:7]، أي: حتى لا يبقى أحد مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يتركنا وينصرف، ثم يقول لمن حوله: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ [المنافقون:8]، أي: إذا رجعنا إلى المدينة فسنخرج هؤلاء الضعفاء الأذلين من بيننا -يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه- فإذا سئل عن ذلك ومن معه إذا بهم يحلفون بإنكار ذلك عنهم، كما قال تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا [التوبة:74].

    وكذلك المنافق في كل زمان، فهو إنسان متسلق يريد أن يصعد على أي شيء مهما كان ثمنه؛ فلا تكاد تجد في قلبه الخوف من الله سبحانه وتعالى، بل لا تجد في قلبه سوى حب المنصب والعلو على الخلق.

    ومن علاماتهم كذلك: التكاسل عن العبادات والتذبذب، فلا تجده يقف على قدم ثابتة أبداً، بل يصلي إذا وجد القوة مع المصلين، وإلا فالأصل فيه التكاسل والتشكك في وعد الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، فالله عز وجل هنا يحذر نبيه صلى الله عليه وسلم منهم فيقول: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ [الأحزاب:1] أي: خف الله يا محمد! ولا تمل لهؤلاء الكافرين والمنافقين، وإذا كان ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فهو للمؤمنين من باب أولى.

    إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا [الأحزاب:1] أي: عليماً بما تقولون وما تفعلون وما تنوون، حكيماً سبحانه وتعالى في أوامره ونواهيه، فإذا نهاكم عن الشيء فاحذروه واتركوه سواء فهمتم الحكمة أم لم تفهموا؛ لأن الله حكيم في أوامره ونواهيه، فما عليك إلا أن تنفذ أمر الله وستجد الخير من وراء ذلك.

    ولذلك اتبع الصحابة النبي صلوات الله وسلامه عليه في كل ما يقوله لهم، لعلمهم بأن الخير يجري على لسانه صلوات الله وسلامه عليه، فهو لا ينطق عن الهوى، وكذلك يجب على كل مسلم أن يطيع الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، ويعلم أن الله له العلم الكامل وله الحكمة البالغة سبحانه.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.