إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان [53 - 57]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • آيات الله الدالة على عظمته وقدرته وحكمته لا نهاية لها ولا حد، ففي البر آيات يعجز المرء عن حصرها، وفي البحر أكثر وأكثر، وليس الأمر كذلك فحسب؛ بل إن شاهد صدق النبي صلى الله عليه وسلم جلي لكل بصير، متفتق لكل عالم، فحديثه عن البحر بهذه الدقة التي عجز العلماء عن إدراكها في زمنهم يشهد بصدق النبي صلى الله عليه وسلم، فعجباً لمن يعرف هذه الآيات ثم يعبد غير الله!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي مرج البحرين...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الفرقان: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا * وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [الفرقان:53-57] .

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن بديع خلقه سبحانه وتعالى وكمال قدرته سبحانه، فيقول: وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53] فذكر في هذه الآية أنه مرج البحرين، وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ ، والمرج بمعنى: اختلاط الشيء بالشيء الآخر، وهنا المقصد منه: إدخال هذا في ذاك من غير أن يختلط حقيقة، فماء البحر بما فيه من ملوحة، وماء النهر بما فيه من حلاوة وعذوبة لا يختلطان بحيث يطغى أحدهما بصفاته على الآخر؛ لأن الله جعل بينهما برزخاً وحجراً محجوراً، وتقدم أن للفظ: مرج عدة معان، فهو يأتي بمعنى: أرسل، وبمعنى: خلّى سبيله، وبمعنى: خلط، والمراد منه هنا: أدخل النهر فصب في البحر وتميز الماءان كل منهما عن الآخر، بل وكذلك قد تخرج مياه جوفية من قلب البحر أو قلب المحيط وتظل محتفظة بخصائص المياه العذبة، ولا تختلط بماء البحر ولا بماء المحيط مع أنها تنبع من جوفها، وهذه آية عظيمة على قدرته سبحانه.

    ومن آياته العظيمة ونعمه العميمة التي امتن بها على عباده في البحر ما ذكره سبحانه في سورة فاطر: وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ [فاطر:12]، فجعل لنا من فضله سبحانه في هذه المياه عذبها ومالحها اللحم الطري ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هو الطهور ماءه الحل ميتته)، فيأكل المرء مما خلق الله عز وجل في هذا البحر لحماً طرياً وليس ذلك فحسب، بل ويستخرج منه حلية يلبسها ويتزين بها، وذكرت الآية أن الحلي يستخرج من كليهما، ومعلوم أن العرب لم يكونوا يعرفون أن الحلية تستخرج إلا من البحر المالح فحسب، أما البحر العذب أو ماء النهر؛ فإنهم ما كانوا يعرفون أنه يستخرج منه لؤلؤ ومرجان وحلي، فجاء العلم بعد ذلك ليثبت للناس صدق ما قاله الله سبحانه، حين استخرجوا من مياه الأنهار اللؤلؤ والمرجان وغير ذلك من الحلي.

    قوله عز وجل: وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا ، والبرزخ: هو المكان الذي يتوسط البحرين، ومنه مرحلة البرزخ في القبر؛ لأنها وسط بين الدنيا والآخرة، فالعباد لهم في الدنيا خصائص منها: أنهم أحياء روحاً وجسداً، وفي القبور مرحلة أخرى ينفصل فيها الجسد عن الروح حيث تذهب الروح إلى مستقرها إما في عليين وإما في سجين، وأما الجسد فهو في القبر، ويجعل الله عز وجل ما يأتي عليه من نعيم أو عذاب بما يشاء سبحانه، ثم تتبعها مرحلة ثالثة وهي مرحلة الدار الآخرة، وفيها ترجع الأرواح إلى الأجساد على هيئة أخرى غير التي كانت عليه في هذه الدنيا، إذ أنها في الدنيا كانت على الهيئة التي تفنى فيها، أما يوم القيامة فتكون على الهيئة التي تبقى، ولتخلد إما في الجنة وإما في النار، فكان القبر برزخاً أي وسطاً بين الدنيا والآخرة، وكذلك البرزخ الذي يتوسط البحر والنهر، فمع أن النهر يصب في البحر، إلا أن برزخاً يتوسط عند التقاء المائين يمنع من اختلاطهما، بل ويتميز عنهما بخصائص تجعله مخالفاً للبحر المالح والنهر العذب، كما تعيش فيه كائنات منفردة لا يمكنها العيش إلا فيه، قال تعالى: وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا [الفرقان:53]، والحجر بمعنى: المانع، ولذلك سمي العقل بالحجر؛ لأنه يمنع الإنسان من الخطأ والخطر والإثم والتعدي، وكما أن للإنسان حجر، فإن البرزخ كذلك، فيكون معنى: وحجراً محجوراً أي: مانعاً يحرم الدخول فيه والخروج منه إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، فلا يختلط ماء البحر بحيث يغير ماء النهر الذي يصب فيه ولا العكس، فقد منع الله عز وجل بهذا البرزخ أن يختلط أحدهما بالآخر فيتغير ماء البحر أو ماء النهر، وعن الكائنات التي تعيش في المكان، يقول علماء البحار بعد دراسات دامت سنين طويلة: إن هذا البرزخ يمنع الكائنات التي في ماء البحر أن تدخل ماء النهر والعكس كذلك، كما أن في منطقة البرزخ نفسها كائنات كأنها محجور عليها في هذا المكان، فلا تخرج منه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي خلق من الماء بشراً...)

    لما أرانا الله عز وجل بديع قدرته في المياه المالحة والعذبة والبرزخ الذي يتوسطهما وما فيه من كائنات، أرانا من بديع ما خلقه عز وجل في الإنسان، فقال معقباً بعد ذكر الماء الذي يعد أساس الكائنات، فهذه البحار مياه وهذه الأنهار مياه، وما فيها من كائنات مخلوقة من الماء، وكذلك الإنسان الذي يعيش على البر مخلوق من الماء.

    قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا [الفرقان:54] خلق الله عز وجل الإنسان من ماء، وجعل أكثر ما يتركب منه الإنسان الماء، فقوله: (خلق من الماء) أي: من نطفة من ماء مهين، فجعل من هذه النطفة إنساناً، وجعل النسب، وجعل الصهر، والمراد بالنسب: هم من ينتسب إليهم الإنسان من أقربائه، فكأن النسب الأقرباء: الأب؛ الأم؛ الأخ؛ الأخت؛ الابن؛ البنت؛ الأحفاد؛ الأجداد؛ الأعمام؛ ومن الخطأ لغة وشرعاً ما نقوله عن الأنساب أنهم أقارب الزوجة، أو أقارب الزوج، والصحيح: أنهم الأصهار، والأصهار من المصاهرة، أي: كأنهم صهار، وكأن شيئين متباعدين اختلطا فانصهر أحدهما في الآخر، ومثله ما يقع في صهر المعادن، حيث يؤتى بمعدنين ثم يذابا ويخلط أحدهما بالآخر، ومنه يعلم أن الله عز وجل قد جعل النسب شيئاً والصهر شيئاً آخر، فخلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً. يقول العلماء: إن الصهر يعني: الذي يحل نكاحهم، وأما النسب فيعني: الذين لا يحل نكاحهم، وقالوا أيضاً: اشتقاق الصهر من صهر الشيء بمعنى: خلطه، فالناس يتزوجون بينهم فيختلط الماءان من هذا ومن ذاك، ويأتي النسب بعد ذلك من الأبناء، حيث ينسبان إلى الأب وإلى الأم.

    ويقال في أقارب الزوجة: أختان، ويقال في أقارب الزوج بالنسبة للزوجة: أحماء، مفردها: حمو، فيطلق الحمو على أخي الزوج وأبيه، وما يتبعهم من أقارب الزوج، والأختان والأحماء هم الأصهار، فيدخل تحت الأصهار الأحماء ويدخل تحتها الأختان، وبذلك يُعلم أن الله عز وجل خلق الإنسان وجعل له النسب وجعل له المصاهرة، وذكر الله عز وجل المحرمات من النسب والمصاهرة والرضاعة في سورة النساء فقال: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا [النساء:22]، ثم ذكر المحرمات من النسب فقال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ [النساء:23]، فذكر سبعاً من النسب، ثم قال: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23]، فذكر اثنين من الرضاعة، إذ هما ملحقان بالنسب، ثم ذكر بعد ذلك المصاهرة فقال: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ ... * وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ [النساء:22-23]، وذكر قبل ذلك: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22]، فذكر من المحرمات بالمصاهرة أصنافاً أربعة.

    فقد جعل الله عز وجل الإنسان آية من آياته سبحانه وتعالى حيث خلقه من ماء مهين، فجعل النطفة من الرجل، وجعل من المرأة ما يتم خلق الإنسان به، وهي البويضة، ثم جعل الله عز وجل النسب والصهر من ذلك، وهذا من كمال قدرته وحكمته سبحانه، قال سبحانه: وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا فعبر بكان التي تفيد المضي، ولكن في هذا الموضع تفيد: الماضي، والحاضر، والاستقبال، وهي الأداة الوحيدة التي تدل على ذلك في مثل هذا المعنى، ولذلك كثيراً ما يسند الله عز وجل صفاته إلى الفعل كان، كقوله سبحانه: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:96]، وكان من الأزل، وهو الآن كذلك، ولا يزال كذلك إلى الأبد سبحانه، وبذلك عُلم أن كلمة كان هنا لا تفيد الماضي فقط، ولكن تفيد الاستمرارية من الماضي إلى الأمد البعيد وإلى ما لا نهاية، فقوله: (كان الله خبيراً بصيراً)، وقوله: وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا [الفرقان:54]، يدلان على أنه قادر على كل شيء، ولم يزل كذلك ولا يزال كذلك، فالله قادر على أن يخلقَ وعلى أن يرزق، وعلى كل شيء سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ...)

    لما ذكر الله الآيات التي تدل على قدرته في خلقه سبحانه، وبين كيف يخلق لنا أشياء في غاية الكمال والجمال والإبداع، أخذ يذكر أن الإنسان وبالرغم مما يرى من آيات الله الباهرة يكفر ويعبد غير الله سبحانه وتعالى، قال سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ [الفرقان:55]، فقوله: (ويعبدون من دون الله) أي: أن كل ما سوى الله فهو دون، فكل من يعبد من دون الله أو من الذين هم غير الله سبحانه وتعالى لا ينفعون ولا يضرون لا أنفسهم ولا غيرهم، قال تعالى: مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ [الفرقان:55]، وفي هذا الموضع قدم النفع على الضر وفي غيره من المواضع يقدم الضر على النفع، وهم لا يملكون لا هذا ولا ذاك، إذ الإنسان لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، إلا أن يشاء الله سبحانه فيقدره على ذلك، وفي قوله: (مالا ينفعهم ولا يضرهم) تعريض أنهم يعبدون أصناماً وأوثاناً لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً، ثم قال: وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [الفرقان:55]، أي: أن الكافر يعين غيره من الكفار على هدم دين الله سبحانه وتعالى، والمظاهرة بمعنى: التقوية، والمعنى: يقوي الكافر غيره من الكفار على عصيان الله سبحانه وتعالى، ومن يظاهر على المعصية يظاهر على هدم دين الله سبحانه، ويقوي الشيطان فيما هو فيه من عناد واستكبار ويعينه على المسلمين، قال سبحانه: وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [الفرقان:55].

    قال ابن عباس رضي الله عنهما: الكافر هنا: أبو جهل لعنه الله، والمعنى: أن أبا جهل كان يستظهر بعبادة الأوثان على أولياء الله سبحانه وتعالى، وهذه الآية وإن كان سبب نزولها هو أبو جهل ، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ لأن الله عز وجل قال: (وكان الكافر)، فاللام في لفظ الكافر للجنس وهي من ألفاظ العموم، ولذا فكل كافر على ذلك، فهو لا يحب المسلم ولن يرضى عنه حتى يدخل المسلم في دين هذا الكافر، فتلك إعانته الكفار والشيطان على أولياء الله عز وجل.

    قوله: عَلَى رَبِّهِ ، أي: على الله عز وجل، والمعنى: يظاهر على هدم دينه سبحانه وتعالى، وقيل: بل الكافر هو إبليس، ولكن العبرة بالعموم، فعموم الكفار يعين بعضهم بعضاً على هدم دين الله سبحانه.

    يقول الحسن في معنى (ظهيراً) أي: معيناً للشيطان على المعاصي من المظاهرة وهي: التقوية والإعانة. هذا معنى من المعاني، والمعنى الآخر لقوله تعالى: وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا [الفرقان:55]، أن الظهير مأخوذ من الظهر، نقول: ألقيت الشيء ورائي ظهرية، أي: لم ألتفت إليه، ومعنى: (على ربه) أي: عند ربه، والمعنى: كان مقام الكافر عند ربه مقام الذل والمهانة لا قيمة له، ولذلك يلقيه الله في نار جهنم وأمثاله، ويذكر عنهم أنه يجعلهم كالمنفيين في نارهم، قال سبحانه: فَالْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا [الجاثية:34]، وليس المعنى أن الله ينسى، فالله لا ينسى شيئاً سبحانه، وقوله: نَنسَاكُمْ بمعنى: نعاملكم معاملة المنسيين فنقذفكم في نار جهنم كالمنفيين، فأنتم مطرودون من رحمة الله لا نأبه بكم، وقد ذكر الله في آيات أخر أنهم يصرخون وينادون فلا يغاثون ولا يجيبهم ربهم سبحانه، ومثل النسيان ما دل من الآيات على أن الله لا ينظر، والمعنى: لا ينظر إليهم بنظر رحمة سبحانه وتعالى، إذ الله يبصر كل شيء ويرى كل شيء سبحانه.

    والقول الثالث في معنى قوله تعالى: وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا قالوا: بمعنى مظهور، أي: أن كفر الكافرين هين على الله سبحانه وتعالى، فالله لا يأبه بكفرهم شيئاً، فهو الغني سبحانه وهو القدير، فلا يضرون ربهم شيئاً وإنما يضرون أنفسهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى:(وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً...)

    أخبر الله نبيه بمهمته الذي كلف بها فقال له صلوات الله وسلامه عليه: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الفرقان:56]، أي: وظيفتك يا محمد! البشارة والنذارة فحسب، ومثله قوله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ [آل عمران:144]، فوظيفة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الدنيا أنه رسول رب العالمين عليه الصلاة والسلام، والرسول: هو صاحب الرسالة أو موصلها، فالنبي صلى الله عليه وسلم جاءته رسالة من عند رب العالمين ليوصلها إلى الخلق، فأداها بأمانة صلوات الله وسلامه عليه كما أمره ربه حيث قال: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67]، أي: أنك إن تهاونت في شيء من رسالة الله عز وجل، فكأنك تهاونت بالجميع ولم تبلغ هذه الرسالة، وقد بلغ رسالة ربه سبحانه وأشهد الناس على ذلك وقال لهم: (ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم! قال: اللهم فاشهد)، فأشهد ربه سبحانه أنه بلغ الخلق هذه الرسالة التي مقتضاها تبشير من يطيع الله سبحانه وتعالى بالجنة، وبذلك سمي مبشراً عليه الصلاة والسلام، وهو منذر يخبرهم ويتوعدهم بالنار إذا عصوا ربهم سبحانه، فمعنى الآية: وما أرسلناك إلا مبشراً للمؤمنين ومنذراً للكافرين والعصاة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل ما أسألكم عليه من أجر ...)

    قال تعالى: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا [الفرقان:57]، ينفي النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلب أجرة على تبليغ هذه الرسالة صلوات الله وسلامه عليه، فهو مبلغ لرسالة ربه سبحانه، ورزقه على ربه سبحانه وتعالى، وقوله: مِنْ أَجْرٍ ، نفي أن يسألهم النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً من الأجر مهما كان يسيراً، إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ، وهذا استثناء منقطع، أي: غير متعلق بما قبله، فالمعنى: ما أسألكم عليه من أجر، ولكن الذي أطلبه منكم أن تطيعوا الله سبحانه وتعالى، وأن تتخذوا إليه السبيل باتباع هذا الدين.

    وقوله في الآية الأخرى: قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى [الشورى:23]، استثناء منقطع أيضاً، والمعنى: لا أطلب شيئاً من أموالكم ولكن الذي أطلبه منكم أن تراعوا قرابتي، فأنتم الأقربون، فبدلاً من أن تعينونني على هذه الدعوة تعادونني؟! فغاية ما أطلب منكم أن تراعوا ما بيني وبينكم من المودة فتتركونني أبلغ رسالة ربي سبحانه ولا أطلب أموالكم، وقد عرضوا عليه صلوات الله وسلامه عليه أن يعطوه من الأموال ما يشاء، أو يملكوه عليهم، أو يزوجوه خير نسائهم، فأبى إلا أن يراعوا قرابته وأن يطيعوا الله سبحانه وتعالى، فإن لم يفعلوا فليكفوا شرهم عنه حتى يبلغ دين ربه، وبلغ صلوات الله وسلامه عليه دين الله سبحانه حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً.