إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان [48 - 52]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أنعم الله عز وجل على خلقه نعماً كثيرة لا تعد ولا تحصى، ومن هذه النعم: أنه سخر لنا ما في الكون لننتفع به، مما لا حول لنا ولا قوة عليه، ومن هذه النعم: الرياح التي تسوق السحاب بالمطر إلى حيث يشاء الله، وكذلك نعمة الماء التي لا يستغني عنها أي كائن حي، ومع تسخيره سبحانه لنا هذه النعم إلا أن أكثر الناس لا يشكرون نعمة الله، ولا يقدرونه تعالى حق قدره، بل أبوا إلا الكفر والعناد والبعد عنه سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وهو الذي أرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته ... )

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الفرقان: وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا * وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:48-52].

    في هذه الآيات من سورة الفرقان يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن بعض نعمه العظيمة على عباده سبحانه.

    ومن هذه النعم: أنه أرسل الرياح سبحانه وتعالى بشراً بين يدي رحمته سبحانه، فيستبشر العبد بقدوم الرياح التي يرسلها الله عز وجل، فهي ترطب بدن الإنسان مما هو فيه من حرارة، وكذلك يجعلها سبحانه تحرك السحاب في السماء من مكان إلى مكان؛ لينزل المطر في المكان الذي أراده الله، فيحيي الله عز وجل به الأرض بعد موتها، وهذه من رحمة رب العالمين سبحانه، ويرسل الرياح فتتحرك بها السفن بفضل الله عز وجل وبرحمته، ويحرك بها ما يشاء سبحانه، ويسخرها للعباد يستخدمونها فيما يصنعونه من آلات ومحركات، فقد جعل الله عز وجل الهواء والرياح رحمة منه سبحانه، وقد يقلبها ويصيرها على قوم عذاباً من عنده والعياذ بالله، فالله على كل شيء قدير، يصرف الآيات ويقلبها، فيجعل الرحمة ويأتي بغيرها، من فضله ومن رحمته سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، والمقصود بالسماء هنا: السحاب التي في السماء، قال تعالى: أَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا [الفرقان:48]، والطهور هو: الطاهر في نفسه المطهر لغيره، وهذا أنقى أنواع الماء، ومنه: الماء الذي ينزل من السحاب، وهذا الماء يخرج من الأرض ويكون فيه الطيب والنجس، وقد يكون مالحاً أو مراً أو كدراً، ولكنه يتبخر إلى السماء فلا يصعد إلا الماء النقي، فتتكون منه السحب، فالماء الذي في السحاب أنقى أنواع المياه مطلقاً، فإذا نزل إلى الأرض نزل ورجع إليها ماء نقياً، ولكن قد تعتريه بعض الأتربة والغبار في الجو، وأما وهو في السحاب فهو أنقى أنواع الماء، فإذا نزل على العباد نزل عليهم ماء طهوراً، أي: طاهراً في نفسه مطهراً لغيره.

    قال الله سبحانه: لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا [الفرقان:49]، أي: هذا الماء الطهور الذي نزل من السحاب يحيي الله عز وجل به البلدة الميتة، كما قال: لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [الفرقان:49]، وقد قرأها الجمهور: ميتاً، وقرأها أبو جعفر (ميِّتاً). والمعنى واحد، يعني: أن الله عز وجل يحيي بهذا الماء الذي ينزل من السماء الأرض الميتة، أي: المجدبة التي لا زرع فيها، فإذا نزل الماء أحياها الله عز وجل به، فقد جعله سبحانه كالروح للأرض.

    قال تعالى: لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [الفرقان:49]، أي: إما أنه بواسطة هذا الماء تخرج الأرض زرعها، وإما أن تكون الأرض سبخة لا زرع فيها، ولكنها تجمع هذا الماء فيشرب منه الإنسان فقد جعل الله عز وجل الماء سقياً للبشر وسقياً لكل حيوان، وجعله روحاً للأرض، ينبت الله عز وجل به النبات من فضله ورحمته.

    وقوله تعالى: وَنُسْقِيَهُ [الفرقان:49]، أي: نسقي هذا الماء، وهو من أسقى الرباعي، ويأتي نسقى من الثلاثي، فيأتي من الاثنين، وفيها في القرآن في غير هذه الآية القراءتان: نَسقي ونُسقي، وأما هنا نُسْقِيَهُ [الفرقان:49]، ففيها قراءة واحدة فقط من الفعل الرباعي، قال تعالى: وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا [الفرقان:49]، يعني: هذا المطر نزل من السماء لكل حيوان، فيسقي الله عز وجل به الإنسان والحيوان.

    وقوله تعالى: مِمَّا خَلَقْنَا [الفرقان:49]، أي: من كل ما خلقنا، فنسقي بهذا المطر أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [الفرقان:49]، أي: بشراً كثيراً، وقوله: أَنَاسِيَّ [الفرقان:49]، إما أن واحدها إنسي أو إنسان فيجمع على هذا الجمع، فالله سبحانه وتعالى بفضله وبرحمته يتكرم على عباده بإنزال هذا المطر، وقد يستحق الإنسان هذا المطر وقد لا يستحقه، ولكنه سبحانه لم يمنعه عنهم حتى لا يجدوا شيئاً منه؛ لأن رحمته تأبى إلا أن ينزل المطر، ولكن قد يقلله على قوم ويزيده لأقوام آخرين.

    فهو سبحانه ينزل المطر من السماء، وإن لم يستحقه الإنسان استحقته البهائم، فينزل من السماء مطراً ليسقي به هذه البهائم، وينتفع الإنسان، كما قال تعالى: وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا [الفرقان:49]، وقد قدمها هنا لأنها لا تذنب، وأما العباد فيذنبون فقد يستحقون المطر وقد يستحقون القحط، ولكن الأنعام لا ذنب لها فقدمها، قال تعالى: ونُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا [الفرقان:49]، وقد تكفل سبحانه بالرزق لجميع هذه الأنعام التي عرفت ربها؛ لأن هذه الأنعام التي لا تذنب في حق خالقها سبحانه تستحق أن يأتيها الله عز وجل بأرزاقها، فقدمها على الناس، قال تعالى: وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا [الفرقان:49]، قال: وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [الفرقان:49]، يعني: قد يُحرم الماء من يشاء سبحانه من الإنس ويسقي الكثيرين منهم، فقال: وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا [الفرقان:49].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ... )

    قال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا [الفرقان:50]، وأقرب مذكور بهذه الآية هو المطر، أي: ولقد صرفنا هذا المطر بين الناس ليذكروا، وإن قد كان ذكر بعض المفسرين أن المقصود بقوله: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ [الفرقان:50]، يعني: القرآن، قالوا: لأن هناك إشارة إليه في أول السورة في قوله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان:1]، وكذلك في قوله: لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا [الفرقان:29]، وكذلك في قوله تعالى: اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا [الفرقان:30]، قالوا: فهذه إشارات إلى أن المقصود هنا هو: القرآن، يعني: صرفنا هذا القرآن على وجوه بالأوامر وبالنواهي، وبالتذكرة وبالعظات، وبضرب الأمثال وغير ذلك، أو: صرفنا هذا المطر الذي ننزله من السماء بوجوه التصريف، فينزل على هذه الأرض فيخرج منها الزرع والثمار، وقد ينزل في مكان آخر فلا تنتفع به الأرض، ولكن تجمعه فينتفع به الإنسان، وقد ينزل في مكان رخو فتشربه الأرض وينزل إلى المياه الجوفية، فيصرفه الله عز وجل بوجوه التصريف.

    كما قال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ [الفرقان:50]، سواء تصريف المطر كما ذكرنا، أو تصريف القرآن بالأوامر وبالنواهي وبالعظات وغير ذلك، فهذا كله للتذكرة، كما قال تعالى: لِيَذَّكَّرُوا [الفرقان:50]، أي: وليذكروا الله سبحانه وتعالى، وليعتبروا وليتذكروا وليتبصروا وليشكروا ربهم سبحانه وتعالى على نعمه، ويخافوا أن يحرمهم منها بتقصيرهم، وقوله تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا [الفرقان:50]، هذه قراءة الجمهور، وقرأ حمزة والكسائي وخلف : (ليذْكُروا)، أي: الله سبحانه تبارك وتعالى، ويشكروه على هذه النعم العظيمة.

    قال تعالى: فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الفرقان:50]، فأما البهائم فقد عرفت ربها سبحانه ولم تعصه سبحانه تبارك وتعالى، وأما الإنسان فمن الناس من يعبد الله، ومنهم من يشرك به سبحانه وتعالى؛ ولذلك جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه على إثر سماء كانت من الليل: (أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: لا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يقول الله عز وجل: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فهذا كافر بي مؤمن بالكوكب). فعندما ينزل المطر من السماء فمن العباد من يكفر بالله سبحانه ويشرك به، ومنهم من يحمده سبحانه ويشكره ويوحده، فهؤلاء الشاكرون هم الذين يقولون: مطرنا بفضل الله وبرحمته، أي: جاء المطر من عنده وبرحمته سبحانه.

    وأما الذين يشركون فهم الذين يقولون: جاءت النوء بكذا، ومطرنا بنوء كذا، والنوء: هو نزول القمر في منازل أو في أماكن معلومة خلال الشهر، ففي كل يوم له منزل ينزل فيه، وأيضاً الشمس في كل ثلاثة عشر يوماً تنزل في منزل من هذه المنازل، فالقمر يدور خلال الشهر كله، التسعة والعشرين أو الثلاثين يوماً خلال هذه المنازل التي في السماء، والشمس خلال السنة جميعها تدور في هذه المنازل، فقد جعل الله هذه النجوم زينة للسماء، وموعظة للعباد، ورجوماً للشياطين، وهداية للخلق، يعرفون طرقهم بها، فإذا ترك الإنسان ذلك وبدأ ينظر في النجوم ويتكلم في الحظ، وينظر في منازل القمر والنجوم ويقول: إذا القمر نزل في المنزل الفلاني فإن هذا اليوم سيكون فيه مطر، أو إذا القمر عمل كذا فسينزل المطر، وكأن النجوم هي التي تأتي بالمطر، أو كأن القمر هو الذي يأتي بالمطر، فالله عز وجل يقول: (أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر). فالكافر هو الذي يقول: لما نزل القمر في المنزل الفلاني أتى لنا بالمطر، والنجم أتى بالمطر، فهذا كافر؛ لأنه نسب الفضل الذي لله عز وجل لمخلوق من مخلوقاته، وهو مسير بأمر الله لا يملك نفسه فضلاً عن أن يملك غيره، فهذا الذي يقول: مطرنا بنوء كذا أصبح كافراً بالله.

    وفرق بين أن نقول: مطرنا في نوء كذا، وبين أن نقول: مطرنا بنوء كذا، فقولنا: بنوء، كأن النوء هو الذي أتى بالمطر، وكأن القمر أو النجم هو الذي أتى بالمطر، وأما قولنا: في نوء كذا، فهو بمعنى: في زمن كذا، كما نقول: مطرنا في شهر أكتوبر، أو في شهر كذا، ولا نقول: شهر أكتوبر هو الذي يأتي لنا بالمطر؛ لأن شهر أكتوبر زمن من الأزمان خلقه الله عز وجل، لا يأتي بشيء، والذي يأتي بالمطر هو الله سبحانه وتعالى.

    ففرق بين مطرنا في نوء كذا، ومطرنا بنوء كذا، وإن كان الأفضل ألا تقال أصلاً؛ لأن الكثيرين من الناس لا يفرقون بين بنوء وفي نوء، فالأفضل تركها، وألا يقول الإنسان ذلك، قال تعالى: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا [الفرقان:50]، أي: كفروا بالله سبحانه، إما لأنهم نسبوا هذا المطر لغير الله سبحانه قاصدين ذلك فكفروا، أو لأنهم مقلدون في الكلام لغيرهم فوقعوا في ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً ... وجاهدهم به جهاداً تكبيراً )

    قال تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا * فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:51-52]، في هاتين الآيتين إشارة جميلة للنبي صلى الله عليه وسلم إلى قدره العظيم عند رب العالمين سبحانه، فقد ذكر المطر أولاً وهو خير عميم ينزل من السماء، فقال سبحانه: وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ [الفرقان:50]، أي: يرسل المطر إلى هذه القرية وإلى غيرها وغيرها، وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى كل الخلق، ففي هذه الآية إشارة جميلة إلى أنه صلوات الله وسلامه عليه رحمة للعالمين جميعهم، كما أن المطر رحمة لمن ينزل عليهم، فأشار سبحانه إلى المطر وإلى إرساله إلى أقوام، ومنعه على أقوام، ثم أشار إلى إرساله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى الخلق جميعهم إنسهم وجنهم إلى قيام الساعة، فقال له: وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ [الفرقان:51]، أي: كما نزلنا المطر على قرى ومنعنا منه قرى فلو شئنا لفعلنا مثل ذلك وأرسلنا إلى كل قرية رسولاً، ولكن جعلناك أنت رحمة للعالمين جميعهم، فأرسلناك إلى الخلق جميعهم.

    قال تعالى: وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا [الفرقان:51]، أي: ينذرهم، ولكن جعلناك وحدك لنرفع درجاتك، وجعلناك رحمة للعالمين.

    قال تعالى: فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ [الفرقان:52]، وقد كان الحمل ثقيلاً على النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5]، والمسئولية عظيمة عليه عليه الصلاة والسلام، ولكن كان الله يعينه عليها، وقد جعله وحده يدعو إلى الله، فبدأ الإسلام غريباً به وحده صلوات الله وسلامه عليه حتى هدى الله عز وجل به من شاء من خلقه، وقال له: فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ [الفرقان:52]، أي: أنهم يريدون أن يصرفوك عما أوحينا إليك، ويريدون إبعادك عن الدعوة إلى الله سبحانه، فاحذر أن تطيعهم في شيء.

    وهذه السورة سورة مكية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم في الأعوام التي كان فيها في مكة يؤذى ويضطهد ويمنعه الكفار من الدعوة إلى الله عز وجل، ويمنعون الناس من سماعه عليه الصلاة والسلام، فيقول له ربه: لا تطع هؤلاء الكافرين، وَجَاهِدْهُمْ بِهِ [الفرقان:52]، أي: بهذا القرآن وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا [الفرقان:52]، يعني: بلغ هذا الدين العظيم، وبلغ ما أوحينا إليك من القرآن، وعلم الناس، ومهما أرادوا منعك فلا تطعهم، ولكن جاهدهم به جهاداً كبيراً.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.