إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان [43 - 47]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الذين يعبدون أهواءهم من دون الله يسمعون ولا يعون ولا يعقلون، فهم أضل من الأنعام، إذ الأنعام تعرف ربها وتسبحه وهي لا تعقل، ثم يذكِّر الله عباده بنعمه عليهم وفضله عليهم بالليل والنهار، وسورة الفرقان إحدى السور المكية التي تبين ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( أرأيت من اتخذ إلهه هواه ... وجعل النهار نشوراً )

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الفرقان: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا * أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا * أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان:43-47].

    لما عجب الله عز وجل نبيه صلوات الله وسلامه عليه من هؤلاء المشركين الذين اتخذوا الهوى إلهاً من دون الله سبحانه، فقال له: أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا [الفرقان:43] .

    أي: من كان بهذا الحال لا عقل عنده، ولا يستجيب لدعوة ربه سبحانه، ولا يستجيب لما يدعوه إليه عقله وفطرته، وهو أن يعبد الذي خلقه ورزقه سبحانه، فهل أنت تكون عليه حفيظاً وكفيلاً بأن تدخله في هذا الدين؟ لا تقدر على ذلك، فإن الذي يغير القلوب ويحول الناس من حال إلى حال هو الله سبحانه وتعالى، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ [الفرقان:44].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ...)

    هؤلاء الكفار المشركون هل تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ [الفرقان:44]، أي: يسمع سمعاً ينفعه، فيعي ويفهم ويتأمل ويتدبر، حتى يتعلم، ويعلم الحق، بل إنهم يسمعون الكلام والتلاوة لكنهم لا يسمعونها سماع من يبتغي الحق.

    قال: أَوْ يَعْقِلُونَ [الفرقان:44]، أي: يتفكرون ويتدبرون ما جاء من عند رب العالمين، فهم كذلك لا يفعلون ذلك.

    قوله تعالى: أَمْ تَحْسَبُ [الفرقان:44]، هي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة وأبي جعفر : بفتح السين، وباقي القراء يقرءونها: (أم تحسِب) والمعنى واحد. أَنَّ أَكْثَرَهُمْ [الفرقان:44]، ولم يقل: كلهم يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ [الفرقان:44] ؛ لأن الله قد علم أن منهم من سيسمع ويعقل ويدخل في هذا الدين، وقد كان دخل منهم الكثير في دين الله سبحانه، لكن الأكثرون يسمعون ولا يعقلون، ينظرون إلى الآيات ولا يفهمون ما فيها ولا يحاولون ذلك، يقول الله سبحانه: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ [الفرقان:44]، يعني: في حال سماعهم، وعدم تفكرهم، وعدم تعقلهم، إن هم إلا كالبهائم.

    والأنعام خلقها الله سبحانه وتعالى ولم يجعل لها عقولاً تفهم بها كعقول الآدميين تخاطب، ولكنها عرفت ربها سبحانه فسبحته بحسب ما علمها سبحانه وتعالى، وفضل الإنسان بالعقل الذي يفهم ويعي ويتدبر ويتفكر به ومع ذلك لا يعقلون، ولا يفهمون عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فأيهما خير، البهائم التي لم يعطها الله عقلاً أم هؤلاء الذين لهم عقول وهم لا يسمعون ولا يعقلون؟ قال سبحانه: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ [الفرقان:44] أي: أنهم أشد من الأنعام وأقبح بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44] .

    فبهيمة الأنعام إذا قدتها في طريق مرة أو مرتين عرفت طريقها، أما هؤلاء فلا يحاولون أن يفهموا ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم مع كثرة ما يكرره عليهم صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا يقفون له بالمرصاد، ويكذبونه، ويحذرون الناس منه، حتى أن البعض من الناس كان من كثرة ما يسمع من هؤلاء يدخل إلى مكة وقد جعل أصابعه في أذنيه حتى لا يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، ويأتي أحدهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: والله ما جئتك حتى حلفت بعدد أصابعي ألا آتيك، يعني: من شدة تحذير الكفار لهؤلاء فقد كانوا يقولون للرجل لا تذهب إلى محمد ولا تستمع منه، ويحلفونه على ذلك مرة ومرتين وأكثر، فهم يصدون الناس هذا الصد الشديد عن سبيل الله وهم لا يفهمون ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحاولون ذلك، فهم كالأنعام إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44].

    يقول مقاتل : البهائم تعرف ربها، وتهتدي إلى مراعيها، وتنقاد لأربابها التي تعقلها.

    فصاحب البهيمة يجيء ليربط البهيمة فتقف له حتى يربطها، ويسوقها فتنقاد له، ومعنى أنها تنقاد لأربابها التي تعقلها أي: التي تربطها، أما هؤلاء المشركون فلا ينقادون ولا يعرفون ربهم الذي خلقهم ورزقهم، وإن عرفوا ذلك وأقروا به لم يعبدوه، فلم تنفعهم المعرفة.

    وقيل: لأن البهائم إن لم تعقل صحة التوحيد والنبوة فهي لم تعتقد كفران ذلك، ولكن الأولى أن يقال: إن البهائم عرفت ربها سبحانه لما جعل فيها من معرفة، وأمرها سبحانه فسبحت بحمده كما أمرها سبحانه وتعالى، قال الله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44].

    فالبهائم تعرف ربها وتسبحه سبحانه وتعالى، وإذا جاءت يوم القيامة شكت إلى ربها سبحانه سوء صنيع أربابها، وما صنعوا بها من عدم إطعامها وإشرابها، ومن إساءة معاملتها، بل ويقتص للبهائم يوم القيامة، فيقتص للجلحاء من ذات القرن، ثم يأمر الله الأنعام فتصير تراباً.

    أما الإنسان الذي فهم وعقل فإنه يأتي يوم القيامة وينظر إلى الأنعام كيف يقتص لبعضها من بعض، وكيف أن الله يأمرها بأن تكون تراباً، وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40] ، وهيهات أن يكون ذلك.

    فقد خلقه الله لعبادته، وحذره من معصيته، وحذره من الشرك به، حذره من النار التي يخلد فيها المشركون ولا يزولون عنها، فأبى إلا أن يعصي وأن يشرك بالله، فكان جزاؤه أنه في الدنيا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44]، فهم في تحير في الدنيا وتخبط، ويوم القيامة في النار، والعياذ بالله.

    تفسير قوله تعالى (ألم تر إلى ربك ... )

    يقول الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه وللمؤمنين بالتبع: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا [الفرقان:45-46].

    السورة مكية، وفيها خصائص السور المكية من تقرير أمر العقيدة: الإيمان بالله، الإيمان بالملائكة، الإيمان برسل الله سبحانه، كما أن فيها ذكر صفات رب العالمين سبحانه وتعالى، وفيها: تقرير توحيد الله في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى، وفيها ضرب الأمثال، والحجج والبينات، وفيها الآيات التي تخاطب عقول الناس، أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [الفرقان:45]، أي: هذا الظل الذي تراه انظر كيف مده الله سبحانه وتعالى! فيكون الظل ثم يتناقص شيئاً فشيئاً، وأعلى ما يكون الظل في الليل، قال العلماء: الظل: الليل، وفرق البعض فقال: الظل ما بين الفجر إلى طلوع الشمس، ثم بعد ذلك تأخذ الشمس من الظل شيئاً فشيئاً حتى تغرب فيكون الليل بعد ذلك.

    أما علماء الفلك فيقولون: الظل: هو الليل، يأتي الليل فيسود الكون كله، ثم تأتي الشمس تنقص من الليل شيئاً فشيئاً فيتناقص الظل، ويبدأ وقت الظل من الزوال، فقبل صلاة الظهر تكون الشمس فوق الرءوس، ويكون الكل في شمس وفي ضياء، ثم تزول الشمس شيئاً فيبدأ الظل يكبر شيئاً فشيئاً، وكلما مالت الشمس ناحية الغروب كلما انتشر الظل إلى أن يدخل الليل فيستوعب الظلام كل الكائنات.

    قال: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان:45]، أي: لو شاء الله لأثبته وجعله ليلاً، ولو شاء سبحانه لجعل الشمس دائمة، قال سبحانه: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ [القصص:71-72].

    فالإنسان يجب عليه أن يتفكر ويسمع ويعقل آيات رب العالمين، فلو شاء سبحانه لثبتت الشمس في مكانها وبقي النهار أبداً، فمن غير الله عز وجل يأتيكم بهذا الليل الذي تستريحون فيه؟ وإذا انعكس الأمر من إله غير الله يأتيكم بنهار ويأتيكم بضياء؟ وهنا يذكر لله لنا المعنى نفسه: لو أن الله سبحانه ثبت هذا الظل فدام الظل وانتهت الشمس فمن سيأتيكم بضياء؟ ثم قال سبحانه: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [الفرقان:45]، فلا يعرف الظل حتى تشرق الشمس فتفرق بين هذا وذاك، ولذلك قالوا: والضد يظهر حسنه الضد، وبضدها تتميز الأشياء، فلولا النهار لما عرفنا فائدة الليل، ولولا الليل لما عرفنا قيمة النهار، فالله جعل ليلاً ونهاراً، أسود وأبيض وجعل أشياء مختلفة لولا هذا الاختلاف لما تبين لنا جمال هذا الشيء الذي أوجده الله عز وجل لنا، فالإنسان في النهار يخرج إلى معاشه، ينظر، ويقرأ، ويكتب، ويرى في النور ما لا يراه في الظلام، فهو في النهار يتعب ويعمل، والجسد يحتاج إلى الراحة، ولو ظلت الشمس ثابتة فمن أين تأتي الراحة؟ إذاً: لابد من ليل، لابد من سكون حتى يستريح الإنسان، فيأتي الليل فيستشعر جمال الليل، وحين يتعب ويستريح يستشعر جمال الراحة بعد تعبه وهكذا، فجعل الله عز وجل الليل والنهار يتقلبان على الإنسان، يستريح في الليل ويعمل في النهار، ألم تر إلى ربك كيف مد الظل وجعله لك آية تستظل به من الشمس، وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا [الفرقان:45]، ثابتاً قليلاً أو كثيراً أو ظلاماً، قال: ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا [الفرقان:45]، فالشمس تقبض الظل شيئاً فشيئاً حتى إذا كان قبيل الزوال زال الظل كله، ثم بعد ذلك ينتشر الظل.

    ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا [الفرقان:46]، أي: ليس فجأة، ولكن الله عز وجل يجعل الإضاءة شيئاً فشيئاً، فالسماء بعد أن كانت سوداء يكون لونها بنياً ثم تبيض وتطلع الشمس شيئاً فشيئاً من رحمة رب العالمين سبحانه، ولو شاء لجعل الليل يأتي فجأة والنهار يذهب فجأة ولكنه سبحانه يقبضه شيئاً فشيئاً حتى لا ينزعج الإنسان ويتحير في ذلك، فخروج الليل من النهار والنهار من الليل يكون تدريجياً.

    والزروع منها ما ينتفع بالظل ومنها ما ينتفع بالشمس، ولو دامت عليه الشمس لفسد، ولو دام عليه الظل لفسد، فجعل الله عز وجل الظل والشمس، وجعل الليل والنهار رحمة منه سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وهو الذي جعل لكم ... النهار نشوراً )

    قال سبحانه: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان:47] .

    والإنسان مخلوق ضعيف فحين تطلع الشمس يذهب فيعمل ليأتي برزقه الذي قدره الله عز وجل له، وبعد أن يعمل يجوع فإذا جاع أكل وشرب، فإذا جاء الليل نام، ولو واصل يوماً ويوماً لما استطاع الخروج واكتساب رزقه ولربما مات من ذلك، فجعل الله لنا الليل لباساً يعني: يغطي الكون كله، والإنسان يحتاج إلى ظلمة الليل في النوم، لأن نوم النهار لا يغني عن نوم الليل، فإذا نام الإنسان في النهار ساعات طويلة فإنه لا يستريح بهذا النوم، فهو يحتاج إلى الليل حتى ينام فيستريح في ظلمة الليل، ولذلك نوم الليل للإنسان أفضل بكثير من نوم النهار، فجعل لكم الليل لباساً، وجعل النوم في الليل أو النهار سباتاً، والسبات: هو الراحة والانقطاع، فالإنسان الذي أصابه أرق في النوم يصبح مريضاً، لكن إذا نام وانقطع عن هذه الدنيا فإنه يستيقظ مستريحاً، والسبات مأخوذ من السبت بمعنى: القطع، وسمي يوم السبت؛ لأن اليهود كانوا ينقطعون فيها للعمل باختيارهم، وعقوبة لهم منعهم الله من العمل في يوم السبت، فجعل النوم سباتاً أي: كأنه انقطاع عن العمل، وانقطاع عن الدنيا، والنوم سماه النبي صلى الله عليه وسلم: الموتة الصغرى، والله عز وجل قال اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42]، فيتوفى الله الأنفس حين تموت، بقبض الأرواح، والنوم موتة صغرى يتوفى الله عز وجل فيها نفس الإنسان فيستريح الإنسان في هذا النوم ثم يرد عليه روحه حين يستيقظ، فسمي النوم لذلك بالموتة الصغرى، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ يقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور).

    ولا ينام أهل الجنة في الجنة، فلما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب ذلك قال: (النوم أخو الموت) ، فأهل الجنة في نعيم لا ينقطع عنهم النعيم بنوم ولا يحتاجون إلى النوم؛ لأنهم في راحة لا يتعبون ولا ينصبون فلا يحتاجون إلى النوم، فجعل الله في الدنيا للعباد النوم سباتاً رحمة منه سبحانه وتعالى، وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان:47] ، والنشور بمعنى: الارتفاع، والنشر: هو الشيء المرتفع، والنشرة: رفع الشيء من شيء إلى شيء، وهنا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا [الفرقان:47]، أي: يحيا الإنسان فيه، فبعدما أماته بهذا النوم، وبعدما ذهب في سبات عميق يحيه الله عز وجل فيقوم لعمله يباشره، وهذه من نعم الله التي يدل الإنسان عليها، فكأنه يقول: الذي جعل لكم الليل لباساً، وجعل النوم سباتاً، وجعل النهار نشوراً ألا يستحق أن تحمدوه وتشكروه على هذه النعم وتعبدوه وحده لا إله إلا هو؟

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.