إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان [27 - 29]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يندم الإنسان يوم القيامة فلا توبة تنفعه ولا ندم، فقد كان في الدنيا يعرف الحق، ولكنه ضل وانحرف، وكان من أصدقاء السوء من يبعده عن طريق الحق ويشجعه على اتباع الباطل، وهذه الآيات من سورة الفرقان توضح ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم يعض الظالم على يديه...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الفرقان: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا [الفرقان:27-29].

    في هذه الآيات من سورة الفرقان يخبرنا الله سبحانه وتعالى عن ندم العصاة والظلمة يوم القيامة وندم المجرمين يوم لا ينفع الندم، فالإنسان يندم في الدنيا وينفعه ندمه، ويتوب إلى الله وتقبل توبته، فإذا غرغرت نفس الإنسان وخرجت فلن تقبل له توبة، فذاك حين لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام:158].

    ويوم القيامة يريد الكافر أن يؤمن؛ لأنه قد رأى أمامه ما كان غيباً قبل ذلك، فلا ينفعه هذا الإيمان، وإنما ينفعه في الدنيا حين كان الإيمان بالغيب، قال تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3]، فالإيمان ينفع حين يكون الأمر غيباً، أما أن يؤمن والأمر مشاهد أمامه فلا ينفعه ذلك، فيوم القيامة يكثر الندم، قال تعالى: ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ [التغابن:9]، يوم يرى المؤمن نفسه مقصراً فكيف بالفاجر؟ وكيف بالعاصي؟ وكيف بالكافر؟ المؤمن يقول: ضيعت من عمري أياماً كان من الممكن أن أفعل فيها طاعات فترتفع درجاتي، وآخذ بها ثواباً أكثر مما أنا فيه، وسمى الله عز وجل ذلك اليوم بيوم التغابن؛ لأن كل إنسان يرى أنه مغبون، والغبن في الدنيا: أن تشتري السلعة بأكثر من ثمنها، أو تبيع السلعة بأقل من ثمنها، فالإنسان يرى أنه اشترى الدنيا ودفع فيها الكثير، فضيع من وقته وضيع من جهده ودينه، فيوم القيامة يندم؛ لأنه اشترى هذه الدنيا ودفع فيها العمر الذي كان من الممكن أن يستغله في شيء أفضل من ذلك، كذلك يرى أنه باع الآخرة بثمن بخس قليل في الدنيا، باع آخرته بالمعاصي التي فعلها، وبشهوات ضاعت، وبلذات انقضت، وبأموال تركها لورثته، فذلك يوم التغابن، يوم يشعر فيه كل إنسان أنه غبن نفسه وخدعها، وخانته نفسه. وفي هذه السورة يخبرنا الله عز وجل عن الظالمين والمجرمين والمشركين والكفرة يوم القيامة، وذلك حين يعض الظالم على يديه، فالإنسان عندما يستشعر الندم لشيء ضيعه يعض أصبعه، كذلك النادم يوم القيامة يعض يديه، قال تعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان:27].

    سبب نزول قوله تعالى (ويوم يعض الظالم على يديه...)

    قال المفسرون: هذه الآية نزلت في خصوص بعض المشركين، وإن كانت العبرة بعموم اللفظ، فلا مانع من أن نعرف هؤلاء الذين نزلت في خصوصهم هذه الآية، وإن كان كل ظالم يوم القيامة يفعل ذلك: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ [الفرقان:27]، فالذي لم يتبع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقتد به ولم يدخل في دينه، يعض على يديه يوم القيامة ويقول ذلك.

    يقول ابن عباس وسعيد بن المسيب : إن الظالم هاهنا يراد به عقبة بن أبي معيط وخليله أمية بن خلف ، فقوله تعالى: يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا [الفرقان:28]، هي على عمومها، فكل إنسان صادق إنساناً من أهل السوء ومشى معه، وأحبه للدنيا يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ [البقرة:166]، فلا صلات فيما بينهم، ولا قرابات تنفعهم، فيندم كل إنسان على ما فرط وضيع، ويقول: يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا [الفرقان:28]، قال ابن عباس : سبب نزول هذه الآية أن عقبة بن أبي معيط كان خليلاً لـأمية بن خلف ، وأمية بن خلف وأبي بن خلف أخوان، وكان الثلاثة يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم.

    و عقبة بن أبي معيط ابنته من المؤمنات المهاجرات رضي الله عنها، واسمها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط هاجرت وحدها إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأبوها من رءوس الكفر، يقول ابن عباس : يراد بهذه الآية عقبة بن أبي معيط وخليله أمية بن خلف ، فأما عقبة فقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكان عقبة في الأسارى في يوم بدر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله؛ بسبب إيذائه الشديد للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة، ولو كان هذا الرجل أسلم لتركه النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن ظل على كفره فأمر بقتله صلوات الله وسلامه عليه، فقال: (أأقتل دونهم؟ فقال: نعم بكفرك وعتوك)، أي: أنت كنت كافراً شديد الإفساد وشديد العتو، فقال عقبة : من للصبية؟ قال: (النار)، فقتله علي رضي الله تبارك وتعالى عنه.

    مقتل أمية بن خلف في غزوة بدر

    وأما خليله أمية بن خلف فقتله النبي صلوات الله وسلامه عليه، وفيها قصة يرويها الإمام البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله تبارك وتعالى عنه قال: انطلق سعداً بن معاذ معتمراً فنزل على أمية بن خلف وكنيته: أبو صفوان ، وكان أمية إذا انطلق إلى الشام فمر بالمدينة نزل على سعد ، إذ كانا صديقين أي: أن سعد بن معاذ كان صديقاً لـأمية بن خلف ، وأمية هذا كافر في مكة، وذاك أسلم وهو في المدينة رضي الله عنه، فكان سعد إذا راح إلى هنالك يطوف بالكعبة ينزل على أمية بن خلف ، وكان أمية كذلك إذا جاء المدينة نزل على سعد ، فلما نزل سعد في مكة قال أمية : انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت، وذلك بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وإيواء الأنصار له، وكان على رأس الأنصار سعد بن معاذ رضي الله عنه، وكان يحبه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء هم الذين آووا النبي صلى الله عليه وسلم ونصروه، وكونه يذهب إلى مكة فإن أهل مكة يعرفون أن هذا سعد بن معاذ الذي آوى النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك ستحصل مشاكل هنالك.

    لذلك نزل على أمية بن خلف صديقه، فـأمية بن خلف قال: انتظر لا تطف حتى ينتصف النهار، فلما انتصف النهار أخذ يطوف، فبينما هو يطوف إذا بـأبي جهل لعنة الله عليه يقول: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد : أنا سعد ، فقال أبو جهل : تطوف بالكعبة آمناً وقد آويت محمداً -صلوات الله وسلامه عليه-؟ فقال له: نعم أطوف آمناً بالبيت وقد آويناً محمداً صلوات الله وسلامه عليه، وكان شجاعاً رضي الله تبارك وتعالى عنه، فتلاحيا بينهم، يعني: كل واحد شتم الثاني، أبو جهل شتمه، وهو رد عليه الشتمة، ولاحظ أنه وحده رضي الله عنه وأبو جهل في وسط الناس وفي وسط الكفرة الذين يبغضون النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج أمية وقال لـسعد : لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي، فقال سعد : والله لإن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام، وقد قال الله سبحانه يمن على قريش: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ [قريش:1-2]، أي: يذهبون إلى الشام فيتاجرون، ويذهبون إلى اليمن فيتاجرون، فجعل أمية يقول: لا ترفع صوتك على أبي الحكم فقال له: دعنا عنك، فإني سمعت محمداً صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك، وكلمة يزعم هنا بمعنى: يقول وليس معناه: أنه ظن أو كذب، فقال أمية : أنت سمعت هذا من محمد -صلى الله عليه وسلم- قال: نعم، فقد كانوا يلقبون النبي صلى الله عليه وسلم بالصادق الأمين، فمهما كذب هؤلاء الملاعين النبي صلى الله عليه وسلم فإنه في قرارة أنفسهم أنه صادق؛ ولذلك قال ربنا سبحانه: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33]، لذلك لما قال سعد لـأمية : إن النبي صلى الله عليه وسلم زعم أنه قاتلك، قال: أنت سمعت هذا من محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: نعم، فقال أمية : والله ما يكذب محمد إذا حدث، فرجع إلى امرأته فقال: أما تعلمين ما قال لي أخي اليثربي؟ فقالت: وما قال؟ قال: زعم أن محمداً يزعم أنه قاتلي، قالت: فوالله ما يكذب محمد -صلى الله عليه وسلم- وهي كافرة وزوجها كافر، وهم الذين يقولون عنه كاذب، ويكذبونه عليه الصلاة والسلام، ولكن بينهم وبين أنفسهم هو ليس بكذاب، بل هو صادق صلى الله عليه وسلم، فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخ في يوم فنادوا: تعالوا نقاتل محمداً ومن معه عليه الصلاة والسلام، فقالت له امرأته: أما ذكرت ما قال لك أخوك اليثربي؟ فقال: نعم، فأراد ألا يخرج؛ لأنه خاف من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتله، وقدر الله سبحانه وتعالى أن يلقاه أبو جهل ويقول له: إنك من أشراف الوادي، فاخرج معنا يوماً أو يومين، فسار معه حتى كانت نهايته بعد ذلك، وكان من المحفزين له على الخروج عقبة بن أبي معيط ، ذلك الملعون الذي قال له: اخرج، وأتى بجمرة فيها بخور ووضعها أمامه وقال: اقعد إنما أنت مع النساء، فقال أمية : قبحك الله وأخذته العصبية وخرج معهم حتى يقتل هنالك.

    ويخبر عبد الرحمن بن عوف فيما رواه البخاري أنه كان بينه وبين أمية مكاتبة قال: كتب أمية بن خلف بأن يحفظني في ضيعتي بمكة وأحفظه في ضيعتي في المدينة، فلما جاء يوم بدر وخرج أمية بن خلف ، وقد حضر لنفسه أجود بعير في مكة ليهرب منه صلوات الله وسلامه عليه، فلما جاء إلى بدر أراد أن يهرب، وحاول عبد الرحمن بن عوف أن يحميه، فإذا بـبلال رضي الله عنه يراه، وقد كان أمية يعذب بلالاً رضي الله عنه، فقال: أمية بن خلف رأس الكفر لا نجوت إن نجا، فنادى الأنصار فحاول عبد الرحمن بن عوف أن يحمي أمية فلم يستطع، وكان مع أمية ابنه علي بن أمية بن خلف ، فقال عبد الرحمن بن عوف : فشغلتهم بابنه فقتلوه، وجاء من وراءه أمية حتى لا يقتلوه، قال عبد الرحمن بن عوف : فقلت له: ابرك ونم على الأرض، ونام فوقه عبد الرحمن بن عوف يريد أن يحميه، فإذا به تتناوشه السيوف من تحت عبد الرحمن بن عوف وجرحوا عبد الرحمن بن عوف رضي الله تبارك وتعالى عنه، وقتلوا رأس الكفر أمية بن خلف وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أسر عقبة بن أبي معيط يوم بدر وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله

    وأما عقبة بن أبي معيط خليل أمية فله قصة أخرى مع النبي صلى الله عليه وسلم في إساءته إليه، روى البخاري من حديث عمرو بن العاص وقد سأله عروة عن أشد ما آذى الكفار النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله.

    أيضاً: جاء أن ابن أبي معيط وأبي بن خلف التقيا، وكان عقبة خليلاً لـأبي بن خلف ، وقد كان أبي ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكاد يسلم، فصنع وليمة ودعا لها النبي صلى الله عليه وسلم فرفض النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتيها؛ لأنه كافر، فقال: أريد أن أسلم، فلما قال ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم إذا بـعقبة بن أبي معيط يلومه ويقول له: لم تبق بيني وبينك مودة ولا محبة حتى تذهب إليه وتشتمه وترد عليه الذي قال.

    وذكر في رواية أخرى أنه أمره أن يذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأن يدخل عليه ويشتمه، فلما كان يوم بدر أسر عقبة بن أبي معيط في الأسارى، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله، بسبب أفعاله الشنيعة التي استحق بها أن يقتل وألا يعفى عنه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علياً فقتله.

    مقتل أبي بن خلف على يد النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد

    وقد كان أبي بن خلف يريد قتل النبي صلى الله عليه وسلم فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أبياً بن خلف يقول ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: (بل أنا قاتله إن شاء الله)، وقتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة عليه الصلاة والسلام، أما أخوه أمية فقتله الأنصار الذين كانوا مع بلال رضي الله عنه، وانطلق أبي للنبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يلتمس غفلة من النبي صلى الله عليه وسلم ليحمل عليه، وكان ذلك يوم أحد، فإذا بالمسلمين يحولون بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: (دعوه)، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم رمحاً لا نصل له فرماه بها، فنزلت من تحت درعه في رقبته فخنقته، ورجع وقد خدش منه خدشاً صغيراً، فرجع إلى قومه وحملوه، وقال: قتلني محمد، فضحكوا منه فقال: بل قتلني محمد -صلى الله عليه وسلم- ووالله لو تفل علي لقتلني، وفعلاً قتل بهذه الضربة من النبي صلوات الله وسلامه عليه، قالوا: فلم يخرج كثير دم، واحتقن الدم في جوفه فجعل يخور كما يخور الثور فأقبل أصحابه حتى احتملوه، ونزلت فيه هذه الآية، وهي قول الله سبحانه: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان:27]، نزلت في عقبة بن أبي معيط وأمية بن خلف وأبي بن خلف ، ومن كان على شاكلتهم ممن عصى الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتبعوه على دينه، يقول هذا الظالم: يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا [الفرقان:28].

    أما القراءات في هذه الآية: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ [الفرقان:27]، فهذه قراءة الجمهور بإظهار الذال، وهي قراءة يعقوب وابن كثير وحفص عن عاصم ورويس عن يعقوب، فإنهم يقرءون: يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا [الفرقان:27]، أما بقية القراء فيقرءونها: (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذتُّ)، بإدغام الذال في التاء، فتقرأ تاء فقط.

    وقوله تعالى: يَا وَيْلَتَا [الفرقان:28]، وقفاً ووصلاً، والجمهور يقرءونها كذلك: يَا وَيْلَتَا [الفرقان:28]، ويقرأ رويس وقفاً فيها: (يا ويلتاه)، يعني: كأن الواو للندب هنا، فهو يندب حظه ويندب على نفسه، وأصلها: (يا ويلي) للويل، والويل: الهلاك والموت، وكأنه ينادي: يا هلاك احضر! تعال خذني لأموت، فعندما يدعو الإنسان على نفسه يقول: (يا ويلي) معناها: يا هلاكي احضر! ولا موت يوم القيامة.

    وكل إنسان كان له خليل يدعوه إلى السوء يوم القيامة يتبرأ منه ويقول: يا ليتني ما صادقتك؛ ولذلك على المؤمن أن يحذر من رفقاء السوء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني...)

    يقول الله عز وجل هنا عن هذا الإنسان حاكياً قوله: لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ [الفرقان:29]، أي: لقد أضلني عن كتاب الله، وعن ذكر الله، وعن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم بعد إذ جاءني هذا الذكر، وجاءتني التذكرة، وجاءتني الموعظة، فأضلني وأبعدني عن دين رب العالمين سبحانه، فقوله: لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ [الفرقان:29]، أي: رماني في الضلال بعد أن جاءني الذكر، يقول الله عز وجل: وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا [الفرقان:29]، فالشيطان ضحك على الإنسان في الدنيا، وخدعه وخذله يوم القيامة وتبرأ منه، قال تعالى: مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [إبراهيم:22]، أي: أنتم أشركتموني، ولكن أنا كافر بشرككم، فتبرأ الشيطان منهم يوم القيامة، والمسلم ينظر في هذه الآيات، فيعتبر بما يكون يوم القيامة، ويعمل من الآن، فيعبد الله عز وجل ولا يشرك به شيئاً، ويطيع الله ويطيع الرسول صلى الله عليه وسلم، ويفارق رفقاء السوء، فإنهم يضرونه ولا ينفعونه وقت الحاجة إليهم.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.