إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان الآية [20]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد أرسل الله عز وجل الرسل لهداية الناس، وتعبيدهم لرب العباد سبحانه وتعالى، وقد كان هؤلاء الرسل بشراً من جنس البشر، يأكلون كما يأكلون، ويشربون كما يشربون، وينامون كما ينامون، ويقضون حوائجهم ككل البشر، ولقد فتن الكفار بهؤلاء الرسل، وظنوا أن من شرط الرسول ألا يكون بشراً على طبيعتهم، جهلاً منهم بحقيقة الرسالة، ومقام النبوة، وقد رد الله على زعمهم هذا في هذه الآية الكريمة، وبين أن الرسل لا يكونون إلا بشراً، حتى يأنس بهم المرسل إليه، وحتى يتمكن الرسول من إبلاغ دعوته كما أراد الله تعالى.

    1.   

    بيان كون الرسل عليهم الصلاة والسلام بشراً كبقية البشر

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الفرقان: وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا [الفرقان:20].

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات من سورة الفرقان أنه ما أرسل قبل النبي صلى الله عليه وسلم من المرسلين إلا وحالهم أنهم يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، فكل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كانوا يعملون حوائجهم بأيديهم، وهذا من تواضعهم عليهم الصلاة والسلام، فكانوا يخرجون يبتاعون ويشترون، ويقضون حوائجهم بأنفسهم، وقد علمهم ربنا سبحانه وتعالى هذا الخلق العظيم، خلق التواضع، فعلموا الخلق ذلك، وقد قال تعالى منبهاً على ذلك: وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ [الفرقان:20].

    والتعبير بأنهم يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق إشارة إلى أنهم بشر كبقية البشر، فهم يأكلون الطعام، كما أن البشر يأكلون الطعام ويخرجونه، وكل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام كذلك، وليس النبي صلى الله عليه وسلم بدعة من الرسل، عليه وعليهم الصلاة والسلام، بل الكل يستوي في ذلك، فهم سواء في أكل الطعام ثم إخراجه، وفي ذهابهم إلى الأسواق لإحضار طعامهم وشرابهم، وهذا دأب المرسلين عليهم الصلاة والسلام.

    وقوله تعالى: وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ [الفرقان:20] ، يعني: لشراء ما يحتاجون إليه من الأسواق، ومشي الإنسان إلى السوق لشراء حاجته، قد يكون فيه أجر له، وقد يكون فيه وزر عليه، فيؤجر عندما يتعامل بما أمر عز وجل به، وعندما يبيع ويشتري بيع المؤمن للمؤمن، أو بيع المسلم للمسلم، فلا يخون ولا يغدر ولا يغش ولا يدلس ولا يغبن، فالمسلم الذي يبيع ويشتري على هذه الصورة بالعقود الصحيحة له أجر على ذلك؛ لأنه يخاف من الله سبحانه وتعالى، وأما الإنسان الذي يذهب إلى السوق للمراء والجدال مع الناس، وللاختلاط بالنساء، والنظر والتأمل فيما حرم الله سبحانه وتعالى، وليغش ويخدع ويدلس ويغبن، فإن عليه وزراً في ذلك.

    1.   

    ما يقول عند دخول السوق

    ودخول السوق فيه خطر عظيم جداً، ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن الترمذي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، وبنى له قصراً في الجنة) هذه رواية عند الترمذي .

    وفي رواية أخرى: (ورفع له ألف ألف درجة)، رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

    سبب عظم أجر هذا الذكر

    فينبغي على المسلم أن يحرص على ذلك، وقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم أجر هذا الذكر عظيماً؛ لأنه اشتمل على عدد من مسائل الاعتقاد، وهي: أن الله واحد لا شريك له سبحانه وتعالى، وأنه يحي ويميت، وأنه يخلق، وأنه يرزق سبحانه وتعالى، وأن الله هو الحي الذي لا يموت سبحانه، وهو الذي بيده الخير، وهو على كل شيء قدير ومسائل الاعتقاد أجرها عظيم عند الله.

    وأيضاً لأن السوق مليء بالأشياء التي قد يأثم بها الإنسان، فقد ينظر إلى نساء عاريات، قد يصطدم بامرأة أو برجل أو كذا، فلا يخرج منه إلا وقد امتلأ من الآثام الكثيرة، وقد يحلف كاذباً في بيعه أو شراءه، وقد يخدع، وقد يمد يده إلى شيء من غير إذن صاحبه، وقد يفعل معاصٍ كثيرة، فلا يخرج من السوق إلا وقد وقع في كبيرة من الكبائر، أو في كثير من الصغائر؛ فلذلك يذكره النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الذكر، فإذا قاله لم توقعه نفسه في شيء من هذه الأشياء؛ لأنه ذكر الله عز وجل، وأن الله حي لا يموت، وأن الله يحي ويميت، فيتذكر أنه راجع إلى ربه عز وجل مرة أخرى حين يموت، وأنه قد أخذ عليه العهود والمواثيق أن يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، وأن يفعل ما أمره الله عز وجل به، فيتذكر الإنسان أن الله حي الذي لا يموت، وأنه سيموت فيحاسبه الله سبحانه وتعالى، يتذكر أن الله على كل شيء قدير، فيخاف منه؛ لأنه ليس منه مهرب، ويتذكر أن الله سبحانه يرزق عباده، فهو الذي بيده الخير وهو على كل شيء قدير، فإذا تذكر ذلك فلن يسرق، أو يمد يده إلى شيء خفية، أو يغش؛ لأنه يعلم أن الله بيده الخير، وأن خزائنه مليئة لا تغيض، وأن المعطي هو الله، فيدع ما عند الناس، ولا يأخذ مالاً إلا بطيب نفس من صاحبه.

    فإذاً: على الإنسان المؤمن أن يذكر نفسه بهذا الذكر؛ حتى يتعامل مع الناس معاملة إسلامية صحيحة، فإذا دخل السوق فإنه يغض بصره، ولا ينظر إلى ما حرم الله، ولا يحسد الناس على ما أتاهم الله عز وجل من فضله سبحانه وتعالى، ولا يجادل كثيراً، ولا يماكس أو يساوم حتى يرهق الإنسان، وإنما يتخلق بالخلق الحسن، وكل ذلك يتذكره حين يقول هذا الذكر: (لا إله إلا الله)، يعني: لا أعبد إلا الله وحده لا شريك له، فعبادتي لله، فصلاتي وصيامي ودخولي السوق للبيع أو الشراء ومعاملاتي وآدابي وأخلاقي لله، وهي معاملة مع الله سبحانه، وكل هذه يتذكرها المسلم وهو يقول: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير). فإذا تذكر الثواب هانت عليه الدنيا، فإنه يعطى (ألف ألف حسنة، ويمحى عنه ألف ألف سيئة، وترفع له ألف ألف درجة)، وهذا شيء كثير جداً من فضل الله عز وجل، فإذا نظر إلى ذلك فإنه يحتقر الدنيا، فلم تعد لها عنده قيمة، فيعود ويسأل نفسه: لماذا يعمل كذا، ويحسد الناس على ما أتاهم الله من فضله؟ ولماذا ينظر إلى النساء الكاسيات؟ ولماذا يعمل كذا؟ فيتذكر عند ذلك جنة الله سبحانه، فتهون عليه الدنيا، فيدخل السوق ويحصل على الأجر من الله، ويحصل على ما يحتاجه من السوق ثم يخرج، وهذا فضل من الله.

    1.   

    بيان أن السوق مكان معركة الشيطان

    وأما غيره فإنه يدخل السوق معركة الشيطان، فقد جاء في صحيح مسلم عن سلمان رضي الله عنه قال: لا تكونن إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منه، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته.

    فالسوق معركة الشيطان، والمعركة مأخوذة من: الاعتراك، والاعتراك: مقاتلة الأبطال، فمكان معركة الشيطان داخل السوق، ينصبها هناك، ليصطاد ضحاياه، ويوقعهم في الهوى فيضلهم، فهذا يسرق، وهذا يبخس، وهذا يغش، وهذا يحتال، وهذا يماكس، وهذا يغدر، وهذا يدلس، وهذا يبيع الشيء المعيب، وهكذا فهو معركة الشيطان؛ لذلك كان سلمان يقول: لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منه، فإنها معركة الشيطان. يعني: فيها من يصطاده الشيطان ويضيعه.

    وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن الأنبياء أنهم دخلوا الأسواق، فيجوز للمسلم أن يدخل السوق، ولكن بالنية الحسنة، ولحاجته من البيع أو الشراء، مع التزامه بالآداب الشرعية.

    1.   

    بيان أن الخلق بعضهم فتنة لبعض

    يقول الله سبحانه وتعالى: وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً [الفرقان:20]، أي: كل خلق الله عز وجل، فقد جعل الله بعضهم لبعض فتنة، حتى المتناقضات في الدنيا، مثل الغني والفقير، فإن هذا نقيض لهذا، فالفقير فتنة للغني، والغني فتنة للفقير، فكل من الاثنين فتنة للآخر، فالفقير ينظر للغني ويقول: أعطاه الله ولم يعط، وليس بأفضل مني، فيكون فتنة له، والغني ينظر للفقير ويقول: لو كان صالحاً لأعطاه الله، وما حرمه إلا لأنه لا يستحق، والذي معي إنما هو بعقلي وذكائي وتدبري، فكل واحد منهما فتنة للآخر، وكذلك المؤمن والكافر كل منهما فتنة للآخر، فالمؤمن ينظر إلى الكافر ويرى أن الله يعطيه في الدنيا مالاً وبنين وكذا وكذا، فيكاد يتزلزل عن دينه، لولا أن الإيمان الذي في قلبه يثبته، ولولا شرع الله عز وجل الذي يقول له: لا، فنحن جعلنا هذا لك فتنة، فإياك أن تفتن بذلك، فإنما نبتليك بهذه الدنيا، فاصبر، كما قال تعالى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ [الفرقان:20]، فيقول المؤمن: أصبر على هذه الدنيا.

    والكافر ينظر إلى المؤمن، وإلى البلاء الذي هو فيه، وإلى الكرب والتضييق الذي عليه فيقول: لو كنت أسلمت لحصل لي هذا، فيكون فتنة له.

    وكذلك الصحيح والمريض، فإن المريض ينظر إلى الصحيح فيكون فتنة له، فيتساءل لماذا هو صحيح يمشي على رجليه وأنا لا أقدر على المشي بقدمي، وإنما على عصا؟ ولماذا هو بصير وأنا أعمى لا أرى؟ ولماذا هو يسمع وأنا لا أسمع؟ فجعل بعضهم لبعض فتنة، فهذا يفتن بهذا، وهذا يفتن بهذا.

    والإنسان البصير يرى أنه أحسن من المريض؛ لأنه ينظر والمريض لا ينظر. وهكذا يبتلي الله عز وجل العباد بعضهم ببعض. ثم أمرهم الله بالصبر على قضاء الله وقدره، فقال: أَتَصْبِرُونَ [الفرقان:20]؟ وجعل الرسل فتنة لأقوامهم، فمع أنهم هداية لأقوامهم من الضلال إلا أنهم فتنة لهم، كما قال أحد الكفار: لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31]، يعني: ألا يوجد عظيم في القريتين -مكة والطائف- ينزل عليه القرآن غير محمد صلوات الله وسلامه عليه؟ أفلا يوجد في مكة فلان وفلان، وفي الطائف فلان وفلان؟ ثم هو فقير ليس معه شيء ومع ذلك صار نبياً ورسولاً!! فكان صلى الله عليه وسلم فتنة للكفار، فامتنعوا من الدخول في دين الله عز وجل؛ لأنهم رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس أغناهم، ولا رئيس القبيلة التي هو فيها، ففتنوا بذلك، فقال الله عز وجل للمؤمنين: أَتَصْبِرُونَ [الفرقان:20]؟ أي: تصبرون على هذه الفتن وهذا البلاء أم تكفرون؟ فالمؤمن يصبر لأمر الله سبحانه وتعالى، ويعلم أن ما أصابه من مصيبة فبما كسبت يداه، وأيضاً الحكام والرعية فإن بعضهم لبعض فتنة، فالمحكوم يقول: إن الحاكم ظالم يظلمني، ويعمل كذا وكذا، والله يقول له: اصبر لأمر الله سبحانه وتعالى، وأما الحاكم فإنه يتعالى على المحكوم ويقول: أنا أحسن منه، ولم أصل إلى هذا المكان إلا بذكائي ومنزلتي، وصدق الله عندما قال: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ [الفرقان:20] .

    فالإنسان المسلم يصبر على قضاء الله وقدره، ويصبر عن معصية الله فلا يقع فيها، ويصبر على طاعة الله فيأتيها، فهو صابر لأمر ربه، وربنا يقول: أَتَصْبِرُونَ [الفرقان:20] .

    وقد روي أن الإمام المزني رحمه الله وهو من تلامذة الشافعي رضي الله عنهما أخرجته الفاقة والفقر يوماً -وقد كانوا يقولون: من طلب العلم الشرعي فلا بد أن يعانق الفقر، وقد كان أغلب العلماء رضي الله تبارك وتعالى عنهم فقراء- خرج يوماً فلم يجد ما يأكل ولا ما يشرب؛ فخرج يبحث عن رزق، فرأى رجلاً في مراكب ومواكب، وليس عنده علم، وإنما كان من الجهال، ويركب المراكب، وحوله مواكب يحمونه ويحرسونه، فلما نظر إليه سمع شخصاً يقرأ هذه الآية: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ، وهذا من رحمة الله به، فإنه يعظه، ويقول له: اصبر فهذا المزني رحمه الله.

    وروي أيضاً: أن ابن القاسم صاحب مالك تلا هذه الآية حين رأى أحد الأمراء وهو أشهب بن عبد العزيز في مملكته عابراً عليه، فتلا هذه الآية: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ .

    فالمؤمن حين يرى شيئاً لا يقدر عليه يقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، فلا يحسد أحداً، ثم يذكر نفسه بقوله تعالى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ، ويقول: سأصبر لأمر الله سبحانه وتعالى.

    أما أن يحسد المبتلى المعافى فهذه هي الفتنة، إذاً: فمعنى قوله تعالى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ، أن يقوم المبتلى والفقير وصاحب الحاجة والمريض وصاحب المنزلة الضعيفة والحقيرة يحسد من هو أفضل وأعلى منه، فهذه هي الفتنة أو أن يحتقر صاحب النعمة من هو أقل منه، فهذه فتنة، فالله عز وجل يقول للجميع: (أتصبرون)، فلا بد للإنسان من أن يصبر، ويقول: إن كان الله قد أعطاني المال، فسأنفقه في الوجوه التي يريدها سبحانه وتعالى، وأعطيه لله سبحانه وتعالى، ويقول الفقير: سأصبر على هذه الحاجة التي أنا فيها؛ لأني ابتغي جنة الله سبحانه وتعالى، وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ .

    وقد كان من الفتن التي فتن الله بها قريشاً: أنهم نظروا لهذا القرآن وعلموا أنه ليس من كلام البشر، بل من كلام الرب العظيم سبحانه، ثم نظروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، فرأوا معه أبا ذر وعبد الله بن مسعود وعماراً وبلالاً وصهيباً وعامراً بن فهيرة وسالماً مولى أبي حذيفة وهم فقراء وبعضهم عبيد، فقالوا: إذا أسلمنا أصبحنا مثلهم، وقعدنا معهم، فلن ندخل في هذا الدين، والذين قالوا هذا القول هم أبو جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وعقبة بن أبي معيط وعتبة بن ربيعة والنضر بن الحارث ، وكانوا مشايخ قريش وأغنيائها ورؤسائها، فهم الذين قالوا: لن نسلم ونجلس مع هؤلاء، وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نسلم فاجعل لنا يوماً لا يقعدون فيه معنا، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإجابتهم، وإذا بالله عز وجل ينزل على نبيه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنعام:52]. أي: احذر أن تطرد هؤلاء عنك، كما يريد الكفار من إبعادهم؛ حتى يجلسوا هم، ثم نصر الله عز وجل دينه، وأذل هؤلاء الكفار، فمنهم من مات على كفره، ومنهم من أسلم بعد ذلك، فرأى فضل هؤلاء السابقين عليه، والذين ذكرهم الله عز وجل بقوله: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ [الواقعة:10]، أي: الذين سبقوا، وقال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [التوبة:100]، ولذلك: فإن الإنسان المؤمن يصبر إن كان ضعيفاً أو فقيراً أو محتقراً عند القوم، وليعلم أن له عند الله عز وجل ما ترفع به درجته.

    1.   

    دلالة الآية على طلب الرزق

    وهذه الآية أيضاً أصل في تناول الأسباب والأخذ بها، وطلب المعاش بالتجارة والصناعة والاحتراف وغير ذلك.

    فالإنسان المؤمن يعمل ويكتسب بعرقه وبتعب يده، وهذا من أشرف الكسب، فيبيت وقد غفر الله عز وجل له بكسبه وتعبه، فلا يجلس فارغاً في بيته ويقول: لم أجد العمل المناسب، بل إذا وجد عملاً ولو غير مناسب أو ضعيف وهو حلال فهو أفضل له عند الله عز وجل من أن يتكفف الناس، ويمد يده إليهم، وينتظر من ينفق عليه.

    ولذلك نقول لإخواننا الشباب: اجتهدوا واتعبوا واشتغلوا ولا يجلس الواحد بعد أن يتخرج من الكلية في بيته فارغاً، ويستدين أموال الناس، وإنما يعمل ولو عملاً ضعيفاً، ويتعب نفسه، والله عز وجل سيكافئه على قدر تعبه، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2-3].

    فالأنبياء كانوا يتعبون، وكانوا يتوكلون على الله سبحانه، وقد قال ربنا سبحانه وتعالى عن داود: وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ [الأنبياء:80] ، فعلمه صنعة الزرود، وصنعة الدروع، وعلم سيدنا نوحاً كيف ينجر ويصنع السفينة، والنبي صلى الله عليه وسلم تاجر وتعب، صلوات الله وسلامه عليه، وقد رعى الغنم قبل ذلك عليه الصلاة والسلام، ثم شرفه الله عز وجل بالجهاد في سبيله، وجعل رزقه تحت ظل رمحه، فالإنسان المؤمن لا يأنف من طلب الرزق طالما أنه من وجه حلال.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.