إسلام ويب

تفسير سورة الفرقان [17 - 20]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخبر الله عز وجل في كتابه أن الظالمين يوم القيامة يتبرأ بعضهم من بعض، وتعود صداقتهم وموالاتهم لبعضهم عداوة وكرهاً، وهكذا كل محبة وموالاة كانت لغير الله في الدنيا، بل إن هؤلاء الظلمة تتبرأ منهم معبوداتهم الباطلة التي كانوا يعبدونها في الدنيا، سواء من الأحياء أو الأموات أو الجمادات، وهنا يحيق بهم عذاب الله عز وجل، فلا ناصر لهم ولا شفيع ولا حميم ينصرهم من دون الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة الفرقان: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا * فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا * وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا [الفرقان:17-20].

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن الحشر يوم القيامة، وعن جمع الناس فيها، وعن جمع المشركين مع من كانوا يعبدونه من دون الله سبحانه، وعن السؤال في هذا اليوم العظيم، قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الفرقان:17]، أي: يحشر الخلق جميعهم، وإن كان ذكر هنا المشركين فقط، مع أنهم يحشرون مع المؤمنين يوم القيامة، وهو يذكر لنا هنا ما يكون من خلاف هؤلاء بين يدي الله عز وجل، قال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ [البقرة:166]، فكيف يكون الحال يوم القيامة وقد تبرأ الناس بعضهم من بعض؟ فالوالد يتبرأ من ابنه، والابن يقول: نفسي نفسي، والزوجة تقول: نفسي نفسي، والأنبياء يقولون: نفسي نفسي، فكل إنسان يوم القيامة يقول: نفسي نفسي.

    فهنا يقول الله عز وجل لهؤلاء المشركين: كيف يكون حالكم يوم يتبرأ بعضكم من بعض؟ قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ [الفرقان:17]، وهذه قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم وأبي جعفر ، ويعقوب ، وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ [الفرقان:17]، بالكلام على الإفراد.

    وقرأ باقي القراء بنون العظمة: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ) ، وهي تعظيم للخالق سبحانه وتعالى الذي يحشرهم يوم القيامة، قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الفرقان:17]، والحشر: الجمع، والإخراج من القبور، وضم بعضهم إلى بعض في الموقف بين يدي الله سبحانه وتعالى. فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ [الفرقان:17]، أي: يقول الله سبحانه، وهذه قراءة الجمهور بصيغة الإفراد، وقرأ ابن عامر (فنقول) بنون التعظيم للخالق سبحانه، وله أن يقول ذلك ويتكلم عن نفسه بنون العظمة سبحانه، قال تعالى: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ [الفرقان:17].

    فهنا يسأل الله سبحانه وتعالى هذه الآلهة التي عبدوها، وينطقها يوم القيامة، فينطق الحجر، وينطق الصخور، وينطق الأشجار التي كانوا يعبدونها، وينطق الإنس والجن والملائكة، وكل من عبد من دون الله سبحانه وتعالى، ويقول الله عز وجل للمسيح عليه الصلاة والسلام: وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة:116].

    هذا المسيح عليه الصلاة والسلام، والآلهة التي عبدوها من دون الله تنطق وتتبرأ من هؤلاء عندما يسألهم سبحانه: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ [الفرقان:17]، أي: أأنتم جعلتموهم يضلون عن سبيل الله، وعن طريق رب العالمين؟ أم هؤلاء العباد هم الذين ضلوا عن السبيل بعقولهم وببعدهم عن الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ...)

    فيكون الجواب: قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً [الفرقان:18]، أي: ننزهك يا ألله! عن ذلك. قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا [الفرقان:18]، أي: لا يحل لنا، ولا يجوز لنا ذلك. مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ [الفرقان:18]. فأنت ولينا ولا يحل لنا أن نعبد غيرك، أو أن نتخذ من دونك ولياً من الأولياء، والمعنى هنا: أنهم تبرءوا إلى الله عز وجل من كل من عبدهم من دون الله سبحانه وتعالى.

    وقد قرأها الجمهور: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ [الفرقان:18]، يعني: هذه الآلهة التي عبدت تقول لله سبحانه وتعالى: ليس من حقنا أن نتخذ أولياء نعبدهم وينصروننا، فكيف نعبد نحن؟! فإذا كنا نحن لا يحل لنا أن نعبد غيرك، فكيف يعبدوننا من دونك؟! قَالُوا سُبْحَانَكَ [الفرقان:18]، أي: ما كان هذا الشيء ولا طلبناه، ولا أردناه ولا وافقنا عليه، قال تعالى: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ [الفرقان:18]، أي: ولياً من دونك نتولاه في الدنيا حتى نضيع الآن، وقرأ أبو جعفر: قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُتَّخَذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ [الفرقان:18]، يعني: أن نُعبد من دونك، على بناء الفعل للمجهول، والأصل فيها: أن نتخذ دونه أولياء، ومن جاءت زائدة لتأكيد نفي ذلك، فعلى ذلك لا يحل أن نكون معبودين من دونك يا رب العالمين! قال: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ [الفرقان:18]. أي: فنعبد من دونك، ولا يحل لنا أن نكون من دونك. ولكن السبب أنك متعتهم وآباءهم، كما قال الله سبحانه: كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق:6-7].

    فالإنسان عندما يكون فقيراً ومحتاجاً وتحيط به المصائب فإنه يدعو ويقول: يا رب! وعندما يستغني ويحس أنه صحيح معافى ينسى ربه سبحانه، فقالوا هنا: ربنا! أنت متعتهم وأغنيتهم فنسوا ذكرك، قال تعالى حاكياً قولهم: وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ [الفرقان:18]، أي: حتى نسوا هذا القرآن، ونسوا ما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم من مواعظ. حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا [الفرقان:18]، يعني: لا خير فيهم، نقول هذه أرض بور، يعني: لا تنبت، أي: أنك إذا وضعت فيها الماء والبذور والسماد فلا فائدة فيها، فهي أرض بور لا تنبت زرعاً، ولا ينتفع بها أحد، فكذلك كان هؤلاء بشركهم وكفرهم كالأرض البور التي لا خير فيها، فهم كانوا لا خير فيهم، فقد تمتعوا في الدنيا ونسوا الخالق سبحانه فلم يعبدوه. وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا [الفرقان:18].

    قال أبو الدرداء رضي الله عنه وقد أشرف على أهل حمص: يا أهل حمص! هلموا إلى أخ لكم ناصح! فلما اجتمعوا إليه قال رضي الله عنه: ما لكم لا تستحون؟! تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، وتأملون ما لا تدركون، إن من كان قبلكم بنوا مشيداً، وجمعوا عبيداً، وأملوا بعيداً، فأصبح جمعهم بوراً، وآمالهم غروراً، ومساكنهم قبوراً.

    وهذه نصيحة عظيمة من أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، فهو يقول لأهل حمص: ما لكم لا تستحون؟ تبنون ما لا تسكنون، أي: تبنون البيوت الكثيرة، التي لا تسكنونها، والتي لا تعمرونها، وإنما تتركونها وتذهبون إلى ربكم سبحانه، وتجمعون ما لا تأكلون، أي: تجمعون وتدخرون أكثر مما تحتاجون إليه، وتتكالبون على الدنيا، كأنكم ستعيشون أبداً فيها، وتأملون ما لا تدركون، أي: تأملون أن تعيشوا أبد الآبدين، إن من كان قبلكم، أي: اتعظوا بالذين كانوا من قبلكم، فقد بنوا مشيداً، وجمعوا عبيداً، وأملوا بعيداً، أي: بنوا البناء المشيد العالي، وكذلك جمعوا من العبيد في الدنيا ما يكون لهم بهم عزة وقوة، وأملوا آمالاً بعيدة فلما جمعوا هذه الدنيا قال: فأصبح جمعهم بوراً، وآمالهم غروراً، ومساكنهم قبوراً، أي: هذا الجمع الذي جمعوه لم ينفعهم شيئاً، وإنما صار جمعهم هذا بوراً، وإن الجمع الذي ينتفع به الإنسان هو أن يجمع الأعمال الصالحة، فتكون مثمرة ويكون له أجرها عند الله سبحانه وتعالى.

    وأما ما جمع من حطام الدنيا فسرعان ما يزول، أو يموت الإنسان عنه ويتركه ويذهب إلى ربه، فإذا بالآمال غرور، أي: ضائعة لم يأت منها شيء، وصارت هذه المساكن قبوراً لأصحابها نسأل الله العفو والعافية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فقد كذبوكم بما تقولون ...)

    يقول الله سبحانه وتعالى لهؤلاء: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً [الفرقان:19]، أي: يقول الله للمشركين الكفار: فقد كذبتكم هذه الآلهة التي عبدتموها من دون الله سبحانه، فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا [الفرقان:19].

    وقوله: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ [الفرقان:19]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة قنبل عن ابن كثير : فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا يَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ [الفرقان:19]، وقوله: فَمَا تَسْتَطِيعُونَ هذه قراءة حفص فقط، وقرأ باقي القراء: فَمَا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا فعلى ذلك قوله تعالى: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ [الفرقان:19]، إما أنه يخاطب المؤمنين أو يخاطب الكفار، فإذا كان الخطاب للمؤمنين فيكون المعنى: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ [الفرقان:19]، أي: هؤلاء الكفار بِمَا تَقُولُونَ [الفرقان:19]، وبما أتيتموهم من كتاب وسنة أيها المؤمنون!

    وإذا كان الخطاب للكفار فيكون المعنى: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ [الفرقان:19]، يعني: هؤلاء الآلهة كذبوكم أيها الكفار! بما كنتم تقولون وتزعمون من أنهم ينفعونكم وأنهم يضرونكم، قال تعالى: فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا [الفرقان:19]، قرأ حفص عن عاصم : فَمَا تَسْتَطِيعُونَ [الفرقان:19]، يعني: يا أيها الكفار! فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلا نَصْرًا [الفرقان:19]، وقرأها الجمهور: (فما يستطيعون) ، يعني: الآلهة لا تقدر على الصرف ولا على النصر، والصرف معناه: التحويل، فقوله تعالى: فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا [الفرقان:19]، أي: لا تستطيعون أيها الكفار صرف العذاب عن أنفسكم، ولا هذه الآلهة تقدر أن تصرفه وتزيله عنكم. وَلا نَصْرًا [الفرقان:19]، أي: ولا يستطيعون نصركم في هذا اليوم، وحمايتكم من عذاب الله وبطشه سبحانه، فكذبتهم آلهتهم التي عبدوها من دون الله سبحانه، فما استطاعت أن تصرف عنهم العذاب، ولا استطاعت نصرهم على قضاء الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا [الفرقان:19]، وهذا خطاب على العموم، فكل من يظلم وخاصة الظلم الأكبر الذي هو الشرك بالله سبحانه، كما قال تعالى: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، فجزاؤه كما قال الله: وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا [الفرقان:19]، أي: ليس أي عذاب، وإنما العذاب العظيم الكبير الأليم، نسأل الله العفو والعافية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ...)

    يقول سبحانه مخاطباً رسوله صلوات الله وسلامه عليه: وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا [الفرقان:20]، هنا يطمئن الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بأنك لست بدعاً من الرسل، وليس أمرك غريباً عنهم، بل كل الرسل قبلك كانوا يذهبون إلى الأسواق، ويحضرون متاعهم، ويبيعون ويشترون، وهذا ليس عيباً فيهم، ولا عيباً فيك.

    قال: وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [الفرقان:20]، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة، يعني: بالفقر، فقالوا له: أنت تذهب تعمل وتبيع، فأنت محتاج للمال مثلما نحتاج نحن إليه فبماذا فضلت علينا؟ ولماذا أنت الذي جعلت رسولاً إلينا؟ قال تعالى: وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ [الفرقان:7]، وكأن المعنى: أنت تأكل وتشرب، وتتبول وتتغوط مثلنا، وقد ذكر الله ذلك عن المسيح عليه الصلاة والسلام، فقال: مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ [المائدة:75]، أي: أنه بشر من البشر، فهو يأكل مثل البشر، وأمه كذلك، والذي يأكل يحتاج إلى أن يخرج هذا الذي أكله.

    وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم بشر من البشر يأكل ويشرب ويحتاج أن يخرج ذلك وليس هو من الملائكة، وليس عيباً أن يكون من البشر صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ [الفرقان:20]، وأتى بلام التوكيد ليؤكد أنه لم يخرج عن ذلك أحد فكلهم بشر، قال تعالى: وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ [الفرقان:20]، أي: في حاجتهم، فيذهبون ويشترون ويبيعون ويتاجرون، أي: أنهم محتاجون إلى ذلك، كما قال تعالى: وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا [الفرقان:20]، يقول: الإمام القرطبي رحمه الله: هذه الآية أصل في تناول الأسباب وطلب المعاش بالتجارة والصناعة. والإنسان المؤمن يتوكل على الله سبحانه وتعالى، ويعلم أن الرزق من عند الله سبحانه، وليس معنى ذلك: أن الإنسان يجلس في بيته، وينتظر أن ينزل له الرزق من السماء على أطباق يأكل منها، وإنما يخرج إلى السوق كما خرج الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والأولياء، فكانوا يذهبون يشترون ويبيعون، ويحضرون متاعهم، فهي أصل في أن الأخذ بالأسباب لا ينافي التوكل على الله سبحانه وتعالى.

    وعندما خرج أهل اليمن للحج من غير زاد وقالوا: نحن المتوكلون، فلما وصلوا إلى مكة سألوا الناس، أنزل الله سبحانه وتعالى: وَتَزَوَّدُوا [البقرة:197]، أي: لا تقولوا: نحن متوكلون، ثم تسألون الناس.

    فهنا يذكر الله تعالى صفة في الأنبياء وهي أنهم يكتسبون، فكان أشرف الرزق لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما كان من الغنائم في الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى.

    أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.