إسلام ويب

تفسير سورة المؤمنون [102 - 118]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • في هذه الآيات تقريع من الله وتوبيخ لأهل النار على ما ارتكبوه من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أوبقتهم، ومن ذلك استهزاؤهم بعباد الله المؤمنين وأوليائه المتقين والسخرية منهم، ووبخهم سبحانه وتعالى على تضييعهم أعمارهم القصيرة في الدنيا بما يسخط الله ويغضبه، ثم إنه سبحانه وتعالى حذر وتوعد من أشرك به غيره وعبد معه سواه، وأنه لا فلاح ولا فوز لديه يوم القيامة للكافرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا ...)

    بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد:

    قال الله عز وجل في سورة المؤمنون:

    إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون:109-118].

    هذه الآيات الأخيرة من هذه السورة الكريمة سورة المؤمنون، يذكر الله سبحانه وتعالى فيها الجزاء الذي يكون يوم القيامة، وأن الناس في هذا اليوم العظيم منهم من تثقل موازينه، ومنهم من تخف موازينه، قال تعالى: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون:102-103].

    هؤلاء الخاسرون خسروا أعظم شيء عندهم وهي أنفسهم، فالإنسان قد يخسر أي شيء ويصبر على هذا الخسران، ولكن أن يخسر نفسه فيكون في نار جهنم فهذا هو الخسران المبين.

    تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ [المؤمنون:104] فإذا دخلوا نار جهنم والعياذ بالله لفحت النار وجوههم، وتبقى آثار لفحها على وجوههم، وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ [المؤمنون:104] قد تشوهت وجوههم وعبست.

    ويناديهم ربهم سبحانه: أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ [المؤمنون:105] وهذا فيه تبكيت لهم من ربهم، أي: قد جاءكم هذا القرآن العظيم فلم تعملوا به، واتخذتموه وراءكم ظهرياً وكنتم به تكذبون.

    قال تعالى: قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ [المؤمنون:106].

    فأرادوا أن يحتجوا بالقدر يوم القيامة، أي: أنك كتبت علينا الشقاوة في الدنيا فصرنا إلى النار، فلم يسمع الله لقولهم؛ لأن الإنسان يعلم وهو يعمل الشيء الحسن أن هذا حسن، ويفعله وهو قادر على فعله، ويرى في نفسه القدرة على عمل الصالحات وترك السيئات.

    فهو مختار مكتسب للحسنات أو للسيئات، والله يوفق من يشاء من عباده سبحانه ويهدي من يشاء.

    فذكر تعالى أنهم طلبوا الرجوع إلى الدنيا، فقالوا: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107]، فكان الجواب عليهم: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108]، أي: ابقوا في نار جهنم مطرودين من رحمة رب العالمين سبحانه، كالكلب حينما يطرده الإنسان.

    ثم ذكر تعالى أن من أسباب دخول هؤلاء النار أنهم كانوا يستهزئون من المؤمنين، فالمؤمنون في الدنيا كانوا يدعون ربهم سبحانه، ويدعون إليه سبحانه، والكافرون كانوا غالبين قاهرين، فنظروا إليهم بنظرة استهزاء واستخفاف، فسخروا منهم وعذبوهم، قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون:109].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( فاتخذتموهم سخرياً حتى أنسوكم ذكري ... )

    قال الله تعالى: فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي [المؤمنون:110].

    فالكفار في الدنيا كانوا أقوياء لا يعبئون بالمسلمين، فينقلب الأمر عليهم يوم القيامة، يوم يحق الله عز وجل فيه الحق ويبطل الباطل، فلم تنفعهم قوتهم التي كانت في الدنيا، قال تعالى: وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام:94].

    أي: فيجيئون إلى ربهم سبحانه فرادى لا يملكون مالاً ولا شيئاً ينفعهم ويدفع عنهم العذاب.

    وفي قوله تعالى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ) قراءتان: القراءة الأولى بعدم الإدغام، وهي قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم ، ورويس عن يعقوب.

    والقراءة الثانية بإدغامها، وهي قراءة باقي القراء، فإنهم يدغمون الذال في التاء ويقرءونها تاءً.

    و(سخرياً) كذلك فيها قراءتان: القراءة الأولى بكسر السين وهي قراءة نافع وأبي جعفر المدنيين، والقراءة الثانية بضم السين، وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف : (سُخرياً) وكأنها من التسخير، أي: سخرتموهم وألزمتموهم بأعمال شاقة وأتعبتموهم في الدنيا.

    فقوله تعالى: (فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا) بمعنى: تسخرون من المؤمنين وتستهزئون بهم، وبمعنى: أتعبتموهم بالأعمال الشاقة؛ لأنهم كانوا عليهم قادرين وقاهرين.

    وقوله تعالى: حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي ، فالكافر ينسى ذكر الله عز وجل، والمؤمن يدعو إلى الله عز وجل، فهو ذاكر لله سبحانه وتعالى، فكيف أنسى المؤمن الكافر ذكر الله؟

    والجواب: أنساه المؤمن بأن انشغل الكافر به، فكلما ذكر المؤمن ربه كان الكافر له بالمرصاد يستهزئ به ويتعبه ويسخر منه.

    فشغلة الكافر السخرية والاستهزاء والإتعاب للإنسان المؤمن، فانشغل بذلك عن أن يذكر الله وعن أن يتفكر فيما يقوله المؤمنون، قال تعالى: حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ [المؤمنون:110].

    قال الله تعالى في السورة الأخرى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين:34-36].

    وقال تعالى قبلها: إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ [المطففين:29-31].

    فالكفار إذا رأوا المؤمنين ضحكوا منهم حتى وإن أظهروا لهم كلاماً طيباً أمامهم، فإنهم من ورائهم يسخرون منهم، هذا إذا كان المؤمن قوياً، أما إذا كان المؤمن ضعيفاً فإن الكافر يستهين به علانية ويسخر منه ويستهزئ به.

    وكذلك إذا انقلب الكفار إلى أهاليهم فإنهم يقولون: رأيت اليوم واحداً من هؤلاء المؤمنين! ويضحك منه ويستهزئ به ويجعله قصته في بيته.

    فهو في الطريق يضحك من المؤمن وفي بيته ويوم القيامة يريهم الله عز وجل أعمالهم حسرات عليهم، قال تعالى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [المطففين:34].

    فالكافر في نار جهنم والمؤمن ينظر إليه وهو في الجنة ويسخر منه ويضحك عليه كما كان يفعله في الدنيا، فقد انقلب عليه في هذا اليوم، قال تعالى: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [المطففين:34-36]، أي: هل جوزي الكفار ما كانوا يفعلونه في الدنيا؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( إني جزيتهم اليوم بما صبروا ... )

    قال الله تعالى: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [المؤمنون:111]

    فقد جزاهم الله سبحانه وتعالى الخير على ما صبروا في الدنيا، فهؤلاء هم الفائزون الفوز العظيم الذي لا خسران بعده.

    وفي قوله تعالى: أنهم هم الفائزون قراءتان: القراءة الأولى بفتح همزة (أنهم)، وهذه قراءة الجمهور، والقراءة الثانية بكسر همزة (إنهم)، وهذه قراءة حمزة والكسائي : إنهم هم الفائزون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين... فاسأل العادين)

    قال تعالى: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:112-113] يذكر سبحانه عن هؤلاء الكفار حين خرجوا من قبورهم فيسألهم ربهم سبحانه: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ [المؤمنون:112] أي: كم مكثتم وجلستم في هذه الدنيا؟

    وعندما يقارنون بين أيام الدنيا وعمر أحدهم الذي قضاه في الحياة الدنيا وبين يوم القيامة، فإن يوماً واحداً بخمسين ألف سنة، فيجدون أن هذا العمر الذي لبثوه في الدنيا لا شيء.

    وقوله تعالى: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ هذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن كثير وحمزة والكسائي : قل كم لبثتم في الأرض عدد سنين، وكذلك كلمة لبثتم نصف القراء يقرءونها بالإدغام، والنصف الآخر يقرءونها بدونه، فقرأها أبو جعفر وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي بالإدغام، وقرأها الباقون بدون الإدعام.

    قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ [المؤمنون:112] يسألهم ربهم بعد ما بعثوا من قبورهم ووقفوا في يوم الموقف العظيم بين يدي رب العالمين: كم قعدتم في هذه الدنيا؟ فالمكث هو العمر الذي كان في الدنيا أو الذي كان في قبورهم، وسواء هذا أو ذاك فهو عمر حقير وقليل بالنسبة إلى يوم القيامة.

    فيجيبون مستقلين لعمرهم السابق، بعدما قارنوا هذه الأيام التي كانت في الدنيا والتي كانوا فيها في البرزخ في القبور مع يوم القيامة هذا اليوم العظيم، قال تعالى: قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:113].

    وفي آية أخرى قال سبحانه وتعالى: إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا [طه:103-104] فهنا عندما يقارنون بين أيام الدنيا وبين أيام الآخرة يقولون: لم نلبث فيها إلا يوماً واحداً.

    وقوله تعالى: فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:113] أي: اسأل من يعد من الملائكة فإنهم يعرفون ذلك، ونحن لسنا عارفين هل لبثنا يوماً أو جزءاً من اليوم.

    وقوله تعالى: فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير والكسائي وخلف فسل العادين أي: اسأل من يحسبون ذلك ويعدونه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( قال إن لبثتم إلا قليلاً ... )

    قال تعالى: قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [المؤمنون:114] فيجيبهم ربهم سبحانه، وقيل: إنه النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يقول لهم: لم تلبثوا في الدنيا إلا شيئاً يسيراً وقليلاً إذا قورن بالآخرة.

    وقوله تعالى: لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (لو) حرف امتناع، أي: امتناع وقوع الجواب لامتناع وجود الشرط، فلو كنتم تعلمون لآمنتم، ولكنكم أخذتم كلام المرسلين استهزاءً فلم تنتفعوا بذلك؛ لأنكم لم تعلموا العلم الذي ينفعكم.

    وفرق بين من عرف الشيء ومن علمه واستيقنه، فالكفار عرفوا ما أخبرتهم الرسل بأنهم يكونون في الدنيا دار التكليف وأن الآخرة دار الجزاء، أما أنهم يعلمون ذلك علم اليقين الذي يدخل في قلوبهم فلا، فلو كانوا يعلمون لآمنوا بهذا اليوم ولكنهم لم يصدقوا ولم يستيقنوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً ... لا إله إلا هو رب العرش الكريم)

    قال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ [المؤمنون:115] أي: أفحسبتم أننا خلقناكم كالبهائم وكالدواب وتركناكم عبثاً؟! فحاشا لله سبحانه أن يكون في خلقه عبث ولعب! ولكنه يخلق كل شيء بحكمة منه سبحانه وتعالى وبعلم وقدرة.

    فإذا كان الله قد خلقهم من أجل أن يمكثوا في الدنيا وهي عمرٌ قليل، ويموت الناس فيها ثم لا يرجعون إلى الله، فأين العدل الإلهي الذي يكون للمظلوم من الظالم؟!

    فعدل الله عز وجل أن يعيدهم كما بدأهم، وأن يجازيهم على أعمالهم، والجواب من رب العالمين سبحانه: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:116]

    فتبارك وتعالى سبحانه وتمجد وتنزه وتقدس سبحانه، وهو الملك الحق سبحانه، لا يخلق شيئاً عبثاً، وإنما يخلق كل شيء لحكمة، فهو الله الملك الذي يملك كل شيء، فحكمه والذي يحكم كل شيء هو الحق، وما سواه فهو باطل مهما أوتي من ملك الدنيا.

    وقوله تعالى: لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ [المؤمنون:116] فهو رب الدنيا ورب الآخرة، فالسماوات السبع والأرضون السبع كلها بجوار كرسي الله سبحانه وتعالى كحلقة في فلاة، والكرسي بجوار عرش رب العالمين سبحانه كحلقة في فلاة!!

    فيستحق العرش أن يوصف بأنه عرش كريم، فالله مالك الدنيا والآخرة، ومالك هذا العرش سبحانه وتعالى رب كل شيء ومليكه.

    وهذا هو الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي جاء فيه وصف العرش بأنه كريم، وفي سوى ذلك وصفه سبحانه بأنه العرش العظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به ...)

    قال تعالى: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ [المؤمنون:117]، فالذي يدعو مع الله عز وجل إلهاً آخر يقيناً لا برهان له به، والحال أنه لا برهان له به، وليس في الآية منطوق ومفهوم.

    فالمنطوق: لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ والمفهوم منها: أن الذي يدعو مع الله إلهاً آخر له برهان، فهذا ليس مقصوداً، إنما معنى الآية: أن من يدعو إلهاً غير الله فهو لا برهان له بهذا الذي يقوله.

    ومعنى (لا برهان له به) أي: لا حجة له بذلك.

    وقوله تعالى: فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ هذا وعيدٍ شديد من الله عز وجل، فالمشركون الذين عبدوا غير الله أو الذين عبدوا إلهاً مع الله لا يفلحون أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين)

    قال الله تعالى: وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون:118] هذا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم ولأتباعه أن يسألوا الله عز وجل المغفرة والرحمة، وأن يصفوه بهذه الأوصاف الجميلة بأنه خير الراحمين وأرحم الراحمين سبحانه وتعالى.

    وقد بدأ الله هذه السورة الكريمة بقوله: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [المؤمنون:1] وختمها بهذا الدعاء الجميل: وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ .

    فالمؤمن يدعو ربه سبحانه الذي آمن به وأقام الصلاة وآتى الزكاة وفعل الصالحات من أجله أن يثيبه الله سبحانه وأن يغفر له، فبدأ الله بالأعمال الصالحة كالصلاة والزكاة وغيرهما وختم بهذا الدعاء الجميل: وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ .