إسلام ويب

تفسير سورة المؤمنون [78 - 90]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يبين الله سبحانه وتعالى فضله على عباده، ونعمه سبحانه لا تحصى، وقد تفرد سبحانه بربوبيته على خلقه، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، وقد عرف الكفار والمشركون ذلك، ولكن عنادهم وتكبرهم أعماهم عن رؤية الحق واتباعه، وسورة المؤمنون إحدى السور المكية التي نزلت في فترة كان المشركون فيها ينكرون البعث والنشور والإعادة مرة أخرى، ففيها آيات فيها مجادلة للكفار بالحجج والبراهين القاطعة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة...)

    أعوذ بالله من الشيطان الرحيم، بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله تعالى في سورة المؤمنون:

    وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ * قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ [المؤمنون:78-89].

    يخبرنا الله تبارك وتعالى عن فضله وعن نعمه على عباده في هذه الآيات، فيذكر أنه هو الذي أنشأ السمع والبصر والأفئدة، قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ [المؤمنون:78]، فهذه نعم من نعم الله سبحانه الذي يستحق أن يعبده العبد سبحانه وتعالى حق العبادة، وأن يستيقن أن الذي أعطاه ذلك قادر على أن يسلبه منه، والذي منحه قادر على أن يمنع ذلك وأن يأخذه، فيشكر العبد ربه سبحانه على هذه النعم وغيرها، وما أكثر نعم الله عز وجل على عباده وما أعظمها.

    قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [المؤمنون:78] والعبد قليل شكره، وهو ينظر بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويتكلم بلسانه، ويعقل بقلبه، ومع ذلك إذا جاء عند شكر الله سبحانه نسي أو تناسى شكر المنعم العظيم الذي أنعم عليه بهذه النعم وغيرها.

    أما المؤمن فهو يشكر ربه ويحمده ليل نهار، ويعلم أن النعم من الله سبحانه، وأن الله قد قال: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7] فالإنسان الذي يشكر الله فإن الله من فضله يتكرم عليه ويزيده، والذي يكفر ويجحد نعم الله سبحانه فإن عذاب الله شديد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون)

    قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ * وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المؤمنون:78-79]، أي: هو الذي ذرأ، والذرء: البث، أي: بثكم ونشركم في الأرض، ولو شاء لجعل لكم موضعاً واحداً منها ولن تستفيدوا بباقيها، ولكن هو الذي نشركم في أرجاء الأرض، فجعل شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، وملأها بعباده لمن شاء منهم سبحانه، فالذرء بمعنى: الإنشاء والبث والخلق، أي: فنشركم فيها، بأن خلقكم ووزعكم على هذه الأرض.

    وكلمة (هو) تأتي في القرآن كله بقراءتين فيها: فيقرؤها قالون عن نافع وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب ، (وهْو) بتسكين الهاء.

    واقي القراء وهى قراءتنا قراءة حفص عن عاصم، وغيره من القراء يقرءونها: (وهُو) بضم الهاء.

    قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ [المؤمنون:79] والحشر: هو الجمع، أي: يجمعكم إليه، ويعيدكم ويخرجكم من قبوركم، ويبعثكم، وينشركم، ثم يجازيكم ويحاسبكم، قوله تعالى: وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ، يعني: المرجع والمآب إلى الله رب العالمين سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يحيي ويميت...)

    قال تعالى: وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [المؤمنون:80].

    قوله: وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ونرى الإحياء والإماتة، نرى خلق الله سبحانه في كل يوم، هذا جنين يولد وهذا إنسان يموت، وفي كل يوم يحدث ذلك، فيرى الإنسان قدرة رب العالمين على الخلق والإيجاد، وعلى الإفناء والإماتة، فهو الذي يحيي وهو الذي يميت.

    قوله تعالى: وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارَِ ، أي: يجعل الليل والنهار مختلفين، هذا فيه نور، وهذا فيه ظلمة، فالنهار مضيء، والليل مظلم، وكذلك يجعل اختلافاً بين الليل والنهار بالزيادة والنقصان في الصيف والشتاء ونحو ذلك.

    فقوله تعالى: وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، أي: تكرار الليل والنهار، يأتي يوم ويذهب يوم، يأتي ليل ويذهب ليل، وهكذا، فله اختلاف ذلك، والتكرار والإيجاد حتى يأتي وعد الله سبحانه وتعالى.

    وقوله تعالى: وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، أي: يملك ذلك الله سبحانه وتعالى، وإليه هذا العمل، وهو الذي يعمله، وهو الذي يأتي بالشمس من المشرق، وهو الذي يجعلها تغرب من المغرب، فهو على كل شيء قدير سبحانه وتعالى.

    وله أيضاً اختلاف ما مضى في الليل والنهار من أعمال العباد، فهؤلاء سعداء وهؤلاء أشقياء، وكل ذلك لله سبحانه بتقديره، فإذا كانت هذه قدرته قال تعالى: أَفَلا تَعْقِلُونَ ، أي: ألا تعقلون وتنتبهون ما الذي يراد منكم؟ ولماذا خلقكم الله عز وجل؟ وقد قال في كتابه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فهلا عقلتم ذلك وعبدتم الله حق عبادته سبحانه؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل قالوا مثل ما قال الأولون ... إن هذا إلا أساطير الأولين)

    قال تعالى: بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُونَ ، أي: لن يعقلوا، ولن ينتبهوا، ولن يفهموا، فقد قالوا كما قال الأولون من أهل الجهل والكفر والبعد عن الله، كما قال تعالى: قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ، فتعجبوا كما تعجب الأولون، ونسوا ما الذي صنعه الله عز وجل بهؤلاء الأولين، فقد كذبوا وأعرضوا فجاءهم عذاب رب العالمين، فقد أرسل الله إليهم الرسل بالآيات وبالبينات عليهم الصلاة والسلام، فكذب هؤلاء الكفار المرسلين فأخذهم الله، ولم يعتبر هؤلاء الذين من بعدهم.

    فقوله تعالى: قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ، أي: هل يبعثنا مرة ثانية بعد ما نصير تراباً وعظاماً نرجع مرة ثانية؟ ويستبعدون ذلك، قال الله سبحانه: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79] سبحانه وتعالى، والذي يتعجب كيف يحييه الله مرة ثانية هل نسي كيف كان هو؟ لقد كان في بطن أمه جنيناً، وكان قبل ذلك نطفة، ثم صار هذا الجنين، ثم صار هذا الإنسان، ثم رأى من يموت وهو سوف يموت ويستيقن من ذلك، فهل نسي أن الذي بدأ خلقه قادر على أن يعيده مرة ثانية؟!

    وقوله تعالى: قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ، (أئذا)، (أئنا) للقراء اختلاف في قراءتها:

    فذهب نافع والكسائي ويعقوب إلى البدء بالاستفهام في الهمزتين الأوليين: (أئذا) والثانية بالإخبار فيها (إنا)، فيقرءون: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، وقرأ ابن عامر وأبو جعفر بالإخبار في الأولى وبالاستفهام في الثانية: (إذا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، على اختلاف في الأداء، بالتسهيل وبغير ذلك، وباقي القراء يقرءونها: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ .

    وكذلك (متنا) تقرأ: (مُتنا)، و(مِتنا)، ففيها قراءتان.

    قال تعالى: لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [المؤمنون:83]، يقولون ذلك ويكذبون، وهم قد رأوا كيف خلق الله عز وجل الخلق، وكيف أمات وأحيا سبحانه، ثم يقولون لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ أي: وعدوا بالموت، بأنهم يموتون ثم يبعثون، قالوا: وهذا كذب.

    والآباء قبل ذلك قال لهم الرسل: إنكم ستموتون وتبعثون، فقال الآباء: ليس هناك أحد سيبعث، فهم يطلبون البعث الآن، والله عز وجل لم يقل: إنه سوف يبعثهم الآن، ولكن أخبر أنهم مجموعون لميقات يوم معلوم، فقالوا: إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ، وهذا كلام المكذبين وأهل الجهل: إنا وجدنا آباءنا على أمة، والتقليد للآباء، وإذا أرادوا الرد على النبي عليه الصلاة والسلام يبدءون برميه بالأكاذيب والاختلاقات، فيقولون: إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ ، والأساطير: الخرافات التي كان يتكلم بها الأولون، والأباطيل والترهات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها ... قل أفلا تذكرون)

    قال تعالى: قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [المؤمنون:84] فقوله: قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا ، أي: أجيبوا عن ذلك، فيسأل الله هؤلاء الكفار من يملك هذه الأرض؟ وهم يقرون بالصانع، وأن الله هو الذي خلقها وصنعها وفعل فيها ما يشاء سبحانه، فيقرون بالربوبية للرب سبحانه وتعالى.

    فقوله: قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ ، أي: من يملكها؟ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ قال تعالى: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ، وهكذا كانوا يجيبون النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهم يعرفون أن الرب هو الخالق، فإذا قال لهم: فلماذا لا تعبدون هذا الذي خلق؟ يقولون: نعبد آلهة تقربنا إلى الله زلفى، أي: يتقربون إلى الله بعبادة غيره، فإذا قيل لهم: من الذي أمركم بعبادة غيره؟ لا جواب عندهم، لا أثارة من علم، ولا دليل من عقل، لا نقلٌ صحيح ولا عقلٌ صريح في هذا، وإنما هو الكذب الصراح.

    يقول الله عز وجل: قُلْ لِمَنِ ، أي: من الذي يملك الأرض ومن فيها وكل ما فيها من خلق؟ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ، أي: هذا كله يملكه الله، قال تعالى: قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ ، أي: فإذا كان الأمر هذا لله أفلا تعتبرون بهذا الذي نذكره لكم، وتعرفون أن الذي خلق هو الذي يستحق أن يعبد؟

    وقراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف : أَفَلا تَذَكَّرُونَ [المؤمنون:85]، وباقي القراء: ( أفلا تذّكرون ) بتشديد الدال، والمعنى: أن تتذكر أن الذي خلق ذلك هو الذي يستحق العبادة، ليس غيره سبحانه وتعالى.

    وقوله تعالى: قُلْ لِمَنِ ، بدأ الاستفهام باللام، فكان الجواب أيضاًً باللام، قال تعالى: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ، وهذه قراءة جميع القراء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل من رب السماوات السبع ... قل أفلا تتقون)

    قال تعالى: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ [المؤمنون:86]، أي: من رب هذه السماوات التي ترون والتي لا ترون؟ ومن َرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، الذي استوى عليه سبحانه، وحكم خلقه، وتصرف فيهم بما يشاء سبحانه؟

    قال تعالى: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ، وقراءة الجمهور: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ، وقرأ البصريان: أبو عمرو ويعقوب : (سيقولون الله) باعتبار: قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، أنه سؤال ليس فيه لام، فالجواب يكون بغير لام، هذا على قراءة البصريين: أبي عمرو ويعقوب: (سَيَقُولُونَ اللَّه)، وباقي القراء بتقدير اللام في السؤال، كالآية التي قبلها.

    فقوله تعالى: مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ ، أي: من الذي يملك هذه السماوات؟ أو لمن هذه السماوات؟ ولمن هذا العرش العظيم؟ فالجواب: سَيَقُولُونَ لِلَّه ، والرب هو المالك سبحانه، وهو الخالق، وهو الذي يربي، وهو الذي يتعاهد خلقه سبحانه ويقوم عليهم، فهو قائم على كل نفس بما كسبت سبحانه وتعالى، وهو الذي يعطي والذي يمنع، والذي يرزق، والذي ينفع، والذي يضر، هو ْرَبُّ السَّمَوَاتِ السبع ورب العرش العظيم ، سبحانه وتعالى.

    قال تعالى: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ، أي: فإذا إذا كان ربنا سبحانه هو يملك هذه السماوات العظيمة، وهذا العرش العظيم، أَفَلا تَتَّقُونَ ، أي: أفلا تخافونه سبحانه وتعالى، وأنتم لا تساوون شيئاً بجوار هذه السماوات والأرضين؟ فقوله تعالى: قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ، أي: ألا تتقون هذا الإله العظيم الذي يملك السماوات والأرض؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل من بيده ملكوت كل شيء... قل فأنى تسحرون)

    قال تعالى: قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [المؤمنون:88]، قراءة الجمهور في قوله: (بيده ملكوت) بالصلة، وقراءة رويس عن يعقوب بعدم الصلة فيها: (قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كل شيءٍ)، والصلة بمعنى: أن تتحول الكسرة إلى ياء.

    و(ملكوت) صيغة مبالغة من الملك، كأن نقول: الرحمن، فهو له رحمة سبحانه، والرحمة هي الرحموت، وهي صيغة مبالغة من الرحمة، أي: هو صاحب الرحمة، و(الملك) المبالغة فيه أن تقول: (الملكوت)، و(الجبر) يأتي منه (الجبروت)، و(الرهبة) يأتي منها (الرهبوت)، وهذه من صيغ المبالغة فيها، فالملكوت معناه: الملك العظيم.

    فقوله تعالى: قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ ، أي: ملك كل شيء خلقه ويدبره ولا يعجزه أبداً سبحانه وتعالى، قال تعالى: وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ ، أي: الله سبحانه وتعالى هو الذي يغيث من يشاء، وهل أحد يقدر أن يغيث أحداً من الله سبحانه وتعالى إذا أراد الله عذابه؟! وهل يقدر أحد أن يمنع الله سبحانه وتعالى عن ذلك؟ فالله يجير ويمنع، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فإذا اجتمع كل الخلق إنسهم وجانهم ليضروا إنساناً والله يجير هذا الإنسان لا يقدرون أن يضروه بشيء، وإذا اجتمعوا على أن ينفعوه وقد أراد الله عز وجل ألا ينفعه، بل أراد الله أن يضره لا يقدرون أن يغيثوه من بطش رب العالمين سبحانه، فمن يجير من الله عز وجل؟ أي: من يمنع من الله سبحانه؟ لا يمنع منه أحد، فالله يؤمن من يشاء من عذابه، ولا يقدر أحد أن يؤمن من عذاب الله سبحانه وتعالى، وهذا في الدنيا وفي الآخرة.

    فقوله تعالى: وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ أي: لا يقدر أحد أن يمنع من غضب الله سبحانه وتعالى، ولا من بطشه، ولا يقدر أحد أن يمنع عذاب الله إذا أراده بأحد، قال تعالى: إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ، أي: إن كنتم تعلمون ذلك فأخبروني من الذي يجير على الله؟ الجواب: لا أحد.

    قال تعالى: سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّا تُسْحَرُونَ أي: ذلك كله لله سبحانه، فهو الذي يقدر عليه ويملكه، وليس لنا منه شيء، وفي هذه الآية قراءة البصريين: أبي عمرو ويعقوب، (سَيَقُولُونَ اللّهَ)، في هاتين الآيتين فقط، أما الآية الأولى فلا يوجد فيها إلا قراءة واحدة فقط، والتي هي قوله سبحانه: قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلّهَ ، هذه القراءة اتفاقاً، لكن الآيتين اللتين بعدها تُقرأ: (سَيَقُولُونَ اللّهَ).

    قال سبحانه وتعالى: قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ، يسحر الإنسان أي: يصرف، بأن يخيل له الشيطان أشياء وهماًً على خلاف الحقيقة، فيا من تقولون: إن ذلك كله لله كيف سحرتم؟ وكيف غفلتم؟ وكيف توهمتم أشياء على غير حقيقتها فابتعدتم عن الله سبحانه وتعالى؟ وكيف خدعكم الشيطان وقد أقررتم أن الله هو الذي يملك هذا كله؟

    فقوله تعالى: فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ، أي: فكيف تخدعون وتصرفون عن طاعة رب العالمين وتوحيد الله سبحانه؟ وكيف تتخيلون أنكم تشركون بالله سبحانه ما لا ينفع ولا يضر؟ فقد خيل لهم الشيطان أن هذه الأشياء تنفع وتضر؛ فعبدوها من دون الله، فكان من أفعالهم العجب، أن يعبدوا غير الله سبحانه، فإذا سئلوا أعدوا الجواب: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى [الزمر:3]، فإذا سألتهم: هل هذه الأشياء تنفع وتضر؟ يقولون: لا تنفع ولا تضر، فإذا سألتهم: كيف تعبدون ما لا ينفع ولا يضر؟ يقولون: وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ، وهؤلاء القوم أنفسهم إذا أنعم الله عليهم بالإسلام يعجبون من جهلهم وضلالهم في جاهليتهم: كيف عبدنا هذه التماثيل من دون الله سبحانه؟! وكيف عبدنا هذه الأصنام وانتظرنا منها نفعا وضراً؟! فهم يتعجبون، ولكنهم في كفرهم وفي غيهم يعمهون، ولا ينتبهون لما يقعون فيه من خطأ.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون)

    وتدل هذه الآيات على جواز جدال الكفار بالحجج والبراهين، والله عز وجل ذكر هذا على وجه المناظرة لهؤلاء والإلزام لهم بالحق، قال سبحانه: (( بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ))، أي: جاءهم الله سبحانه وتعالى بهذا الكتاب الحق، قال تعالى: (( وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ))، أي: مكذبون، كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضاً كذابون يكذبون على الله عز وجل، ويكذبون على النبي صلى الله عليه وسلم، فحين يقولون عنه: إنه ساحر، هم يعرفون أنهم كذابون، وحين يقولون عنه: إنه مجنون، يعرفون أنهم كذابون.

    فالله عز وجل ذكر هنا من صفات الكفار أنهم مكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم أيضاً كاذبون في اختلاقهم وفي رميهم النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب، وقبل ذلك في ادعائهم لله ولداً، قال تعالى: (( مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ ))، أي: حاشا لله سبحانه وتعالى أن يكون له ولد.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.