إسلام ويب

تفسير سورة المؤمنون [64 - 71]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله سبحانه في هذه الآيات أنه إذا أخذ المنعمين المترفين بعذاب من عنده سبحانه إذا بهم يصرخون ويستغيثون ويضجون، لكن ذلك لن ينفعهم؛ لأنهم كفروا بالله وأشركوا معه غيره، ولن يستطيع أحد على نصرتهم، فقد كانوا يسمعون آيات الله من النبي صلى الله عليه وسلم فيرجعون القهقرى ويبتعدون عنه حتى لا يسمعوا القرآن، وهم مع ذلك يستكبرون بمكانهم ومحلهم الذي هو مكة، ويتسامرون بالكلام القبيح الذي فيه طعن في النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن الله نعى عليهم عقولهم حيث إنهم كانوا يسمعون القرآن ولا يفهمونه ولا يتبعونه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون ... إنكم منا لا تنصرون)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد:

    قال الله عز وجل: حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ * قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ * أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:64-71].

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن المكذبين الذين كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم فجعلهم الله عز وجل عبرة لغيرهم، كالذين من قبلهم لما كذبوا المرسلين أتاهم العذاب من عند رب العالمين.

    قال سبحانه: حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ [المؤمنون:64]، أي: المنعمين منهم، بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ [المؤمنون:64]، والعذب الذي كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عذاباً عاماً؛ لأن الله سبحانه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33]، ولكن كان عذاباً لمجموعة من الناس بالقتل، قالوا: إنه لم يمنع عنهم المطر ولم يصابوا بالقحط، حتى دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وقال: (اللهم أعني عليهم بسبع كسني يوسف)، فلما جاءهم مثل هذا العذاب جأروا لله عز وجل، ودعوا واستغاثوا بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم ربه ليكشف عنهم الذي هم فيه، كما ذكر الله عز وجل في سورة الدخان: إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ [الدخان:15-16]، فقد أخبر أنه سيرفع عنهم العذاب قليلاً من قحط وعدم نزول المطر، ومن جوع، ومن شدة، حتى يرجعوا ويؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الله عز وجل أخبر عنهم، إِنَّكُمْ عَائِدُونَ [الدخان:15]، أي: إلى غيكم وإلى ضلالكم ولن ينفعكم ذلك.

    وهنا قال: حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ [المؤمنون:64] أي: يصرخون ويضجون، ويستغيثون.

    قال سبحانه: لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ [المؤمنون:65]، وهذا فيمن كتب الله عز وجل عليهم الشقاوة، وأنهم سيعيشون على الكفر ويموتون عليه، فمنهم من قتل يوم بدر ومنهم من أخذه الله عز وجل بعد ذلك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قد كانت آياتي تتلى عليكم ... مستكبرين به سامراً تهجرون)

    قال سبحانه مبكتاً لهؤلاء: قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ [المؤمنون:66]، يعني: كنتم لا تستمعون لهذا القرآن ولا لهذه الآيات، ولا تعتبرون بها، بل ترجعون القهقرى فتتأخرون وتبتعدون عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى لا تستمعوا لما يقوله عليه الصلاة والسلام.

    قال سبحانه: مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً تَهْجُرُونَ [المؤمنون:67]، يعني: بمساركم، أو بمحلكم، أو بالمكان الذي أنتم فيه وهو مكة، متعالين لأنكم أهل الحرم وأنكم أفضل من غيركم، وكان ينبغي لهؤلاء وإن كانوا أهل الحرم وقد جاءهم ذكر من الله سبحانه، أن يفتخروا بالقرآن العظيم، وكان المفروض عليهم أن يتبعوا القرآن العظيم الذي نزل من عند رب العالمين، ولكن كان حالهم أنهم (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِراً)، (سامراً) مفرد جمعها: سمار، أي: تتسامرون، فقد كانوا يسهرون الليل ويقولون الأقوال القبيحة يؤيدون بها ما هم عليه من باطل، ويردون ويطعنون على النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقوله: (تهجرون)، أي: تتكلمون بالقبيح من القول، فقال: إنكم بالليل تسهرون لتكيدوا للنبي صلى الله عليه وسلم وتطعنون فيه، فأنتم تهجرون، وكذلك تتكلمون وتهرفون بما لا تعرفون، فأنتم تهجرون، وتتكلمون بكلام الهجر الذي فيه الهذيان.

    حكم السمر بعد العشاء

    لقد ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السمر بعد العشاء، فإذا صليتم العشاء فإما أن تناموا وإما أن تدعوا ربكم، وإما أن تصلوا، لكن الإنسان الذي يسهر ويلهو ويضيع وقته بعد العشاء فهذا لا ينبغي، وفي الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر العشاء إلى ثلث الليل ويكره النوم قبلها والحديث بعدها)، فإن الإنسان إذا نام قبل العشاء لعله يغلبه النوم فلا يقوم لصلاة العشاء، وكان يكره الحديث بعدها؛ لأن الإنسان آخر عمل يعمله هو صلاة العشاء، والملائكة قد كتبت هذه الصلاة، وهذه الصلاة كفارة لذنوبه التي بين الصلاتين، فلا ينبغي أن يلهو بكلام تكتب عليه بسببه ذنوب مرة أخرى، فالإنسان لا يزال في المباح حتى يقع في المكروه وحتى يقع في الحرام، فعلى ذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المسامرة بعد العشاء.

    والكراهية للحديث بعدها إلا أن يكون في ذكر الله عز وجل وفي قراءة القرآن، وفي مدارسة العلم وتعليمه، وفي مصالح المسلمين فهذا جائز، والسهر بالليل للحراسة في سبيل الله عز وجل مباح بل فيه أجر عظيم، فقد جاء عند الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، والليل وإن كان وقتاً للنوم لكن هذا في طاعة لله عز وجل وفي حراسة بلاد المسلمين، فله أجر عظيم على ذلك، وآخر قام يصلي ويبكي من خشية الله سبحانه وتعالى، وليس مقيداً بالليل بل إن بكى بالليل أو بالنهار فله أجر عظيم عند الله سبحانه وتعالى.

    وجاء في الصحيحين عن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه أن أصحاب الصفة كانوا أناساً فقراء، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مرة: (من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس بسادس)، أو كما قال صلى الله عليه وسلم: وإن أبا بكر جاء بثلاثة وانطلق نبي الله صلى الله عليه وسلم بعشرة، وأبو بكر الصديق ذهب بهم بعد العشاء، وأهل الصفة كانوا يجلسون في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم يتعلمون من النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أراد شيئاً أرسلهم إليه كجهاد ونحوه، وكانوا فقراء، يأتي وقت العشاء وليس عندهم ما يأكلون، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه الذي عنده طعام واحد يأخذ معه ثانياً، والذي عنده طعام اثنين يذهب معه بثالث، والذي عنده طعام ثلاثة يذهب معه برابع وهكذا.

    فـأبو بكر الصديق أخذ ثلاثة وانطلق بهم إلى بيته رضي الله عنه، والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ عشرة ليطعمهم صلوات الله وسلامه عليه، قال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق: وإن أبا بكر تعشى عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم لبث حتى صلى العشاء ثم رجع فمكث مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، يعني: كأن أبا بكر الصديق تعشى قبل صلاة العشاء، وبعد ذلك صلى العشاء ورجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فمكث مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الشاهد: أنه كان يسهر مع النبي صلى الله عليه وسلم في طاعة وذكر وحاجات المسلمين، ففي مثل ذلك يجوز للإنسان أن يسهر بالليل، أما السمر من باب اللهو فلا، لكن من باب ذكر الله عز وجل، ومن باب الإعانة على الطاعة، فهذا جائز. فـأبو بكر سهر عند النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام النبي صلى الله عليه وسلم فقام وانصرف، وكان قبل ذلك قد ذهب بثلاثة من أهل الصفة إلى بيته ليتعشوا.

    فجاء أبو بكر رضي الله عنه بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، فقالت له امرأته: ما أخرك عن أضيافك؟ قال: أوما عشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء قد عرضوا عليه فغلبوهم، أي: كأنهم استحيوا ألا يأكلوا وأبو بكر الصديق غير موجود، فرفضوا أن يأكلوا في بيته حتى يأتي أبو بكر ، وكان المفترض طالما أنه أخذهم للعشاء أن يأمر أهل البيت أن يعشوهم فيتعشوا وينصرفوا، ولكن رفض الضيوف حتى يأتي أبو بكر رضي الله عنه.

    وفي لفظ في صحيح البخاري أن أبا بكر رضي الله عنه غضب من ذلك: لماذا تحرمونا من الأجر والثواب؟ ولماذا لم تأكلوا حتى هذا الوقت؟ فغضب أبو بكر وأمرهم أن يأكلوا، فحلفت امرأته ألا تطعم الطعام حتى يطعم، كأنها غضبت لغضب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، فحلف أبو بكر ألا يأكل من الطعام، والأضياف حلفوا ألا يأكلوا حتى يأكل أبو بكر، وكأن الضيوف لهم وجهة نظر وهي أنهم لو تعشوا لربما أكلوه كاملاً فيرجع أبو بكر وهم لم يتعش فلن يجد شيئاً، فانتظروا حتى يتعشوا هم وأبو بكر، فحلف أبو بكر ألا يأكل وحلفت المرأة ألا تأكل حتى يأكل أبو بكر ، وحلف الأضياف ألا يأكلوا حتى يأكل أبو بكر رضي الله عنه، لقد حلف مغضباً رضي الله تبارك وتعالى عنه بسبب الذي فعلوه، ولكن مع ذلك الرجوع للحق أحق، فلما حلف الجميع ألا يأكلوا قال: أكفر عن اليمين ونأكل، فأكل معهم رضي الله عنه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه).

    وربنا سبحانه وتعالى قال لنا في القرآن: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ [البقرة:224]، فتجعل يمينك بالله عرضة وصادة عن فعل الخير فتمتنع من الخير وتقول: لقد حلفت، بل كفر عن اليمين وافعل الخير ولو حلفت.

    والمقصود أن أبا بكر رضي الله تبارك وتعالى عنه أكل فأكلت المرأة وأكل الأضياف، وهنا كان العجب! قال: فجعلوا يأكلون وجعلوا لا يرفعون لقمة إلا ظهر من أسفلها أكثر منها، فكانت بركة من الله عز وجل لـأبي بكر رضي الله عنه، جزاء ما أخذ الأضياف ليأكلوا معه وحلف ألا يأكل ثم كفر عن يمينه وأكل معهم، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس! ما هذا الذي حصل؟ فقالت: وقرت عيني إنها الآن لأكثر قبل أن نأكل منها، فأكلوا وبعث بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل منها، فكانت من الله عز وجل بركة عظيمة أن يأكل أبو بكر ومن معه والطعام لا ينفد.

    والشاهد من الحديث: أن أبا بكر كان يسهر عند النبي صلى الله عليه وسلم فيتعلم منه، حتى يقوم النبي صلى الله عليه وسلم فيقوم أبو بكر ويرجع إلى بيته رضي الله تبارك وتعالى عنه، فهذا قيد للنهي عن المسامرة بعد العشاء فهي جائزة في مدارسة العلم والطاعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك، أما في اللهو واللعب فهذا لا ينبغي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفلم يدبروا القول ...)

    قال الله سبحانه وتعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ [المؤمنون:68]، وهنا ينكر على المشركين وينعي عليهم أين عقولكم؟ هذا القرآن الذي جاء من عند رب العالمين سبحانه، وكانوا يستمعونه ويقولون: إنه كلام جميل، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، فهل كان استماعهم لهذا القرآن العظيم من النبي صلى الله عليه وسلم مجرد استماع كالذي يستمع لأغنية فتعجبه ولا ينتبهون لما يقول؟ فهذه مصيبة على من يستمع إلى القرآن على أنه كلام جميل، ولا يتدبر ما فيه، قال تعالى: أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ [المؤمنون:68]، أي: أفلا يفهمون هذا الذي يستمعون إليه، أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ [المؤمنون:68]، (أم) يقولون: إنها منقطعة فيها معنى الإضراب ومعناها: (بل قد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين)، فالمعنى: هؤلاء ما تدبروا، ولو كانوا يتدبرون لفهموا هذا الشيء، ولكن كانوا يستمعون بآذانهم فقط.

    (أَمْ جَاءَهُمْ) أي: بل قد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين، وهذا سبب الإعراض أنهم قالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22]، أي: نحن نفعل ما كان آباؤنا يفعلونه ولن نفعل غير ذلك، فكأن الله عز وجل يقول: (بل قد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين)، فلماذا لا يتدبرون هذا القرآن؟ وقال في الآية الأخرى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء:82]، أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [محمد:24]، أي: هل على كل قلب قفل أقفل به هذا القلب وأغلق فلا يتدبر القرآن؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم لم يعرفوا رسولهم ... وأكثرهم للحق كارهون)

    قال تعالى: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ [المؤمنون:69]، أنكر على هؤلاء ونعى عليهم عدم فهمهم، هل هو بسبب عدم معرفة هذا الرسول الذي كنتم تصفونه بأنه الصادق الأمين؟ ومستحيل أن يسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد منهم فلا يعرفه، فالله عز وجل يقول: إن الذي يرفض أن يسمع القرآن ولا يتدبره ولا يفهمه كالأنعام، أو كالذي لم يعرف الرسول الكريم.

    يقول سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون:70]، (أم يقولون) أي: بل أيقولون إنه مجنون، وقد قالوا ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الحقيقة أنهم غير مقتنعين بما يقولون، يقولون عنه: كذاب، وهم في أنفسهم يشعرون أنه صادق، فهم لم يسمعوا منه كذباً قبل ذلك، ويقولون عنه مجنون وهم لم يروا منه أثراً لهذا الجنون، فهم يقولون ويكذبون، فينعي ربهم عليهم ذلك الكذب الذي يقولونه، أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ [المؤمنون:70].

    بل قد جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم من عند ربه بالحق العظيم، قال تعالى: بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [المؤمنون:70]، والكافر كاره للحق؛ لأنه يعرف أن الحق يدعوه إليه وهو لا يريد أن يأتي إلى هذا الحق الذي يراه، فقد عرف الحق وعرف الصواب، وعرف توحيد الله، ولكن أبى ذلك، فقد جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بالحق لكنهم يكرهون الحق حسداً، وبغياً، وتقليداً، فبعضهم يقلد بعضاً، وحسدوا النبي صلى الله عليه وسلم فكرهوا ما جاء به؛ ولذلك يقول الله عز وجل: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [النساء:54]، يقصد بالناس هنا النبي صلى الله عليه وسلم، فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا * فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ [النساء:54-55]، فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء بالحق، وسبب إعراض هؤلاء وكراهتهم لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم أنهم حسدوه صلوات الله وسلامه عليه، حتى قال أبو جهل: حتى قالوا منا نبي، فأنى لنا بنبي!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض...)

    قال سبحانه: وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ [المؤمنون:71]، فالله عز وجل أتى بهذا القرآن العظيم ليرشد الناس، وليهديهم إلى الصراط المستقيم، ولو كان في هذا القرآن ما يتبع أهواء هؤلاء -وحاشا لكلام رب العالمين أن يتبع أهواء أحد من الناس- فمعنى ذلك: أنه ليس من عند الله سبحانه وتعالى، وما هي أهواؤهم؟ هي أن تكون الآلهة متعددة، ولو فكروا قليلاً هل هناك إله غير الله سبحانه وتعالى لتبين لهم قول الله: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22]، أي: لفسدت السماوات والأرض، فسيكون هذا الإله يريد الشمس أن تشرق من المشرق، والثاني يريدها تشرق من المغرب، والأول يريد القمر هنا والثاني يريده في مكان آخر، وعندئذٍ ستتغير السماوات وتفسد، ولكن لما لم يحدث هذا في السماوات ولا في الأرض، ولم يفسد أي منهما، دل ذلك على أن الإله الذي يدبرها إله واحد، وهذا دليل التمانع.

    قال سبحانه: وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ [المؤمنون:71]، أي: لو جاء في القرآن ما يهواه هؤلاء وما يريدونه لكان هناك إله غير الله سبحانه، وحاشا لله سبحانه، فلو كان هناك إله مع الله لفسدت السماوات والأرض، وفسد الكون، ولكن لم يحدث ذلك، فالقرآن يأتينا بالحق من عند رب العالمين وليس بما تريده أهواء هؤلاء، قال تعالى: بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ [المؤمنون:71]، أي: أتيناهم بفخرهم وبشرفهم وبعزهم وهو القرآن لو اتبعوه، ولكنهم أعرضوا عنه (فهم عن ذكرهم معرضون)، وشرف الدنيا والآخرة هو كتاب رب العالمين، وما جاءنا به من هدى من عنده سبحانه، فمن اتبعه كان له الشرف والعزة في الدنيا وفي الآخرة، ولكنهم أعرضوا عن القرآن فاستحقوا الهوان في الدنيا وفي الآخرة.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.