إسلام ويب

تفسير سورة المؤمنون [49 - 53]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يذكر الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام ما كان عليه من سبقه من الأنبياء، ومنهم موسى وعيسى عليهما السلام، ويعتبر عيسى وأمه وتفاصيل حياتهما معجزة أبهرت العقول. ويأمر الله عز وجل عباده أن يأكلوا من الطيبات، فالأكل من الطيب ينبت جسداً طيباً فيكون عوناً له على طاعة الله جل في علاه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة المؤمنون: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ * يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون:49-52].

    يخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أنه قد آتى النبي موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الكتاب، أي: التوراة، وقوله (لعلهم يهتدون) أي: من أرسل إليهم وهم بنو إسرائيل، لعلهم يهتدون بأحكامها والشريعة التي أنزل الله عز وجل فيها.

    قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ [المؤمنون:49]، فالله عز وجل أنشأ القرون وأرسل إليهم رسلاً يدعونهم إلى دين رب العالمين، ويهدونهم إلى صراط الله سبحانه، فما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء أنبياء ورسل قبل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أقوام بكتب من عند الله سبحانه وتعالى كما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، فليس بدعاً من الرسل، بل إن موسى دعا بني إسرائيل، ولكن نبينا صلوات الله وسلامه عليه قد خصه الله عز وجل بأشياء، وفُضل على من قبله بأشياء، منها:

    أن رسالته عامة صلوات الله وسلامه عليه، وأما الأنبياء قبله فكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، أما نبينا صلى الله عليه وسلم فقد بعث إلى الثقلين الإنس والجن، وإلى الأبيض والأحمر والأسود، وإلى جميع الخلق يدعوهم إلى رب العالمين سبحانه وتعالى.

    وهذه السورة مكية يخبر الله فيها عن أحوال الرسل، وعن الأقوام الذين دعاهم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكيف كذبوا وكيف انتقم الله عز وجل منهم.

    وبنو إسرائيل الذين كانوا مستضعفين في الأرض أراد الله عز وجل أن يمن عليهم وأن يظهرهم وأن يقويهم، وأرسل إليهم موسى عليه الصلاة والسلام برسالة من عند رب العالمين وهي التوراة، رسالة فيها شريعتهم، فجاء ودعا بني إسرائيل وعلمهم وأرشدهم، ودعا فرعون ليعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً.

    فأخبر عز وجل أنه كذب موسى، قال: فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ [المؤمنون:48]، أي: فرعون وملؤه، (فَكَذَّبُوهُمَا) أي: كذبوا موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام (فَكَانُوا) فرعون وملؤه (مِنَ الْمُهْلَكِينَ).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجعلنا ابن مريم وأمه آية...)

    قال تعالى: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [المؤمنون:50].

    قوله: (وجعلنا ابن مريم) أي: عيسى المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو أحد رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وأحد أولي العزم من الرسل، والذي جعله الله سبحانه وأمه آية من آيات رب العالمين، وقد نذرت أمها أن تجعل ما في بطنها لله محرراً، فكان ما في بطنها أنثى فرضي بذلك، وقالت لربها: رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ [آل عمران:36]، أي: الله أعلم بالذي وضعته أنه أنثى، وقد نذرته باعتبار أن يكون ذكراً، ولكن وفت بنذرها وجعلت الذي في بطنها لله محرراً، أي: لخدمة ربها سبحانه، وخدمة دين ربها، وخدمة بيت المقدس، فكانت مريم آية من الآيات أن حملت وهي لم يطأها أحد، ولم تتزوج، فجعل الله عز وجل فيها آية من الآيات، وجاء المسيح على نبينا وعليهم الصلاة والسلام بغير أب، فهي حملت بغير زوج وإنما بنفخة من روح القدس، وجاء المسيح عليه الصلاة والسلام بغير أب، فكان هو وأمه آية من آيات رب العالمين.

    قال تعالى: (وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ)، أي: جعلناها تأوي هي وابنها إلى مكان في الأرض، في بلد من بلدان الله سبحانه وتعالى، (إلى ربوة)، والربوة هي المكان المرتفع، وقالوا: إنها توجد في مكان اسمه: (الرملة) من بلاد فلسطين، والله عز وجل آواهما، فهو سبحانه الذي يخلق وهو الذي يرزق، وهو الذي يؤوي، وهو الذي يدافع عن الذين آمنوا.

    ولما جاءت أمه بهذا الولد إذا ببني إسرائيل يتهمونها بالزنا، ويحاولون إشاعة هذا الأمر بين الناس، فحماها الله عز وجل وآواها، فجاء بنو إسرائيل ليكذبوا المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فأنطقه الله سبحانه وتعالى وهو في المهد صبياً: قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ?وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا [مريم:30-31]، تكلم وهو رضيع يرضع من ثدي أمه، وقد كلم القوم بهذا الكلام الفصيح البليغ، يدعوهم إلى رب العالمين، ويخبر عن نفسه أنه نبي من أنبياء رب العالمين، فكان آية، والله عز وجل حماهما ودفع عنهما البلاء، وآواهما إلى مكان مرتفع (إلى ربوة ذات قرار) أي: مكان طيب يستقرون فيه أو يستقرون عليه، والقرار: هو المكان المستوي، ولا يُستقر إلا بمكان فيه زروع وثمار، فيستطيع الإنسان أن يعيش فيه، وكأنه كناية عما في هذا المكان من أرض فلسطين أو غيرها من زروع وثمار يأكل منها المسيح عليه الصلاة والسلام وأمه.

    (ومعين) وكذلك فيها معين أي: عين ماء جارية، والسيدة مريم كفلها الله عز وجل زكريا، وجعلها في كفالة زكريا وهي صغيرة، إلى أن بلغت وهو الذي يكفلها، قال تعالى: كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [آل عمران:37]، فكان أمر الرزق الذي يسوقه الله عز وجل إليها آية من الآيات، فهي في المحراب، وفي غرفتها، وفي بيت المقدس، في مكان لا يدخل إليها أحد فيه، والذي يأتيها بالطعام هو زوج خالتها، وهو زكريا على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فكان عندما يدخل إليها ينظر وإذا به يلقى طعاماً يختلف عن الذي أتاها به، فكان يسألها فتقول: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [آل عمران:37]، فكانت آية من الآيات أن آواها الله عز وجل هي وابنها (إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ) أي: عين مياه عذبة جارية.

    وقد رعاها الله وهي تلد، فكان يقول لها: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا [مريم:25]، فالله عز وجل آواها إلى مكان تلد فيه ولا يطلع عليها أحد في هذا المكان، ولا يزعجها أحد، فحملت في بطنها هذا الغلام الكريم والذي هو نبي من أنبياء الله على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والله عز وجل جعلها في هذا المكان لتستقر فيه وتضع فيه ولدها، فآواها الله سبحانه، ولم تحتج إلى مولدة تولدها، ولم تحتج إلى أحد يعينها، فالله سبحانه وتعالى تكفل لها بكل أمرها كما يكفل لغيرها سبحانه، ولكن اعتنى بها مزيد عناية من فضله سبحانه وتعالى، قال تعالى: فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا [مريم:26]، وقد جعل تحتها جدول ماء تأكل من البلح والرطب من هذه النخلة وتشرب من الماء.

    قال سبحانه: وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ [المؤمنون:50]، (ربوة) بفتح الراء، وهذه قراءة ابن عامر وعاصم ، وقراءة باقي القراء: (إِلَى رِبْوَةٍ) ففيها لغتان.

    وقوله: ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ [المؤمنون:50]، (قرار) البعض يرققها مثل الأزرق عن ورش ، وحمزة أيضاًً يقرؤها بالإمالة أو بالتقليل، وغيرهم يقرءونها بالإمالة، وهم أبو عمرو وابن ذكوان وبخلفه والكسائي ، وورش وحمزة يقللونها، وباقي القراء يقرءونها: قَرَارٍ بالفتح، إذاً: فيها ثلاث قراءات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً... )

    قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:51]، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ) مع أنه لا يوجد على قيد الحياة غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن الخطاب باستحضار جميع من أرسلهم الله عز وجل، فالله عز وجل كأنه يحضرهم ويخاطب الجميع، فحين يذكرهم الله عز وجل هنا أي: اذكروا أني خلقت الرسل كلهم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام وأني أمرتهم بهذا الأمر، فقلت لهم: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ)، بما فيهم النبي صلوات الله وسلامه عليه: كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ [المؤمنون:51]، وإذا قال هذا للأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام والذين يستحيل أن يأكلوا من غير الطيبات وهم الذين عصمهم الله، وهذا من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة، فإذا كان الرسل نأمرهم بهذا فأنتم يا بني آدم أولى بهذا الأمر؛ لأن الرسل لن يعصوا ربهم ولن يأكلوا من غير الطيبات، فأنتم أولى بهذا الأمر، فإذا قال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:51] فكأنه يقول: لباقي الخلق كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:51].

    وقد وضح لنا ذلك نبينا صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ [المؤمنون:51]، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [البقرة:172]، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب له)، وهنا الأمر للرسل عليهم الصلاة والسلام، والأمر للمؤمنين يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [البقرة:172]، فأمر الله عز وجل خلقه أن يأكلوا من الطيبات.

    فقد أمر الله عز وجل الرسل بذلك، وأمر المؤمنين بذلك، ثم ذكر لنا النبي صلى الله عليه وسلم ما يترتب على خلاف ذلك، وإذا كان الإنسان في حياته لا يهتم لأمر مأكله ومشربه حلالاً كان أو حراماً، ولا يهمه ما ستكون النتيجة وهي أنه سيحتاج إلى ربه، ويرفع يديه لربه وهو محتاج، وهو في ضيق، وفي شدة، وفي كرب، وقد لا يستجاب له، فقال: (ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر) والإنسان المسافر مستجاب الدعوة، والمؤمن الذي يسافر يجد في طريقه صعوبات ومشقات فتأتيه رحمة رب العالمين سبحانه فيما هو فيه، فيستجيب دعاء هذا الإنسان المكروب، قال تعالى: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل:62] سبحانه وتعالى.

    قال: (يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء)، (أشعث): غير مرتب الشعر، (أغبر): عليه من غبار الطريق، (يمد يديه إلى السماء)، وفيه أن السنة عند الدعاء أن ترفع يديك إلى السماء في الدعاء، قائلاً: (يا رب يا رب! ومطعمه حرام)، أي: والحال أن الأكل الذي كان يأكله قبل ذلك أو حالاً كان أكلاً حراماً، (ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له) أي: من أين يستجاب لهذا الإنسان؟! وهذا لا يعني أنه لا يستجاب له أبداً، فأمر الاستجابة لله سبحانه وتعالى، ولكن أسباب الإجابة ليست موجودة، فلا يستحق هذا الإنسان أن يستجاب له، ولكن الله رءوف بعباده، فالله لطيف، والله كريم سبحانه، وقد يعصي العبد ويدعو ربه فيستجيب له سبحانه وتعالى، ولكن يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن مثل هذا لا يستحق الإجابة، فإذا دعا العبد ولم يستجب له فليراجع نفسه في طعامه، وفي شرابه، وفي ملبسه وفي غذائه، وهل هو مطيع لله أم هو يأكل المحرمات ويفعل المحرمات.

    قال الله سبحانه: (وَاعْمَلُوا صَالِحًا)، فالإنسان يأكل من الطيبات فإذا أكل شكر الله سبحانه وتعالى، وإذا أنعم الله عز وجل على العبد وأعطاه من فضله ومن رزقه فشكر الله فله نعمتان: نعمة الإعطاء من الرزق، والنعمة الأخرى: التوفيق للحمد وللشكر. وإذا أكل العبد وقال: الحمد لله، والشكر لله، وحمد ربه وشكره، كان هذا أحب إلى الله مما أعطاه للعبد، فالله يعطي للعبد دنيا، والدنيا لا قيمة لها عند الله عز وجل، والعبد يتقرب إلى الله سبحانه بالتسبيح والتحميد والشكر له سبحانه، وهذا يترتب عليه الأجر الأخروي، فهذا أحب إلى الله عز وجل، وإن كان الاثنان من الله الكريم سبحانه، فالله هو الذي يرزق، والله هو الذي يوفقك لشكره سبحانه وتعالى، فكانت الثانية أحب إلى الله عز وجل وهي توفيق عبده لأن يشكره سبحانه.

    قال تعالى: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً)، وكأن الأكل الطيب يعين على العمل الصالح، والأكل الحرام لا يعين على العمل الصالح، فينبت جسد الإنسان من الحلال، والجسد النابت من حلال أحرى أن يعبد الله وأن يتصرف في ملكوت الله عز وجل بما يرضي الله سبحانه، والذي يأكل من حرام ينبت جسده من حرام، فالنار أولى به.

    فلذلك قال: (كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ) فإذا أكلتم من الطيبات اعملوا صالحاً فسوف توفقون لذلك (وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)، وهذا دليل على أن الله سبحانه تبارك وتعالى يعلم كل شيء من عمل الإنسان الظاهر والخفي، وعمل القلب، وهذا كله عند الله عز وجل معلوم لا يخفى عليه شيء.

    وكذلك في سياق الآية التهديد والوعيد بالأسلوب اللطيف من ربنا سبحانه وتعالى، فإذا كان يعلم سبحانه وتعالى، وقدرة الله عز وجل وراء ذلك، فهو الذي يعلم وله القدرة سبحانه وتعالى العظيمة أن يجازي العبد على عمل الخير بخير وعلى عمل الشر بما يستحق، فإذا قال: (إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)، يعني: أعرف ما تعملون وأجازيكم على أفعالكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة...)

    قال تعالى: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون:52].

    قوله: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) هذه قراءة عاصم وحمزة والكسائي وخلف، ويقرؤها أبو عمرو: (وَأنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً)، ويقرأها باقي القراء وهم نافع وأبو جعفر المدنيان وابن كثير المكي وأبو عمرو ويعقوب البصريان: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ).

    قال تعالى: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ [المؤمنون:52]، الأمة تطلق على معانٍ، ولكن في هذه الآية أطلقت على أحد المعاني وهو الدين، ومن ذلك قوله تعالى: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ [الزخرف:22]، أي: على ملة، فقال الله عز وجل للمؤمنين: وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ [المؤمنون:52]، أي: هذه ملتكم، وهذا دينكم دين واحد وهو دين التوحيد، وَأَنَا رَبُّكُمْ [المؤمنون:52] أتيتكم بهذا الدين، وعلمتكم شرائعه فاعبدون واتقون وحدي سبحانه وتعالى.

    (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ)، أي: هذه ملتكم وهذا دينكم، وهو دين واحد دين التوحيد فاعبدوا ربكم سبحانه، وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [المؤمنون:52].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً...)

    يبين لنا الله في الآية التي بعدها ماذا عمل العباد فقال تعالى: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون:53]، أي: إذا بهم يتفرقون في دين الله، فهذا يعبد الله وهذا يشرك بالله، وتأتي كتب الله عز وجل تدعو الناس، ولا ينظرون إلى المتأخر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويتبعونه، وشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم هي التي نسخت كل الشرائع من قبله، قال تعالى: فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا [المؤمنون:53] أي: قطعاً، والزبر: جمع زبور وهو الكتاب، وكأن كل واحد فرح بالكتاب الذي عنده ولم ينظر إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتبعه، ففرحوا بما عندهم.

    قال تعالى: كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [المؤمنون:53]، فالله سبحانه ينهى الأمة عن التفرق ويأمر الجميع أن يستجيبوا للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأمة النبي صلى الله عليه وسلم، وأمة الدعوة، فهؤلاء صاروا نصارى، وهؤلاء الصابئة، وهؤلاء عباد الكواكب والنجوم، وهكذا، وأمة النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا أيضاً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اختلفت اليهود على إحدى وسبعين ملة، واختلفت النصارى على ثنتين وسبعين ملة، وستختلف أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: هي الجماعة)، أو قال: (هم من كانوا على مثل ما أنا عليه وأصحابي)، أو قال: (ما أنا عليه وأصحابي)، والذي عليه النبي صلى الله عليه وسلم هو كتاب ربه وسنته عليه الصلاة والسلام، فمن تمسك بذلك كان من الفرقة الناجية.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم الفرقة الناجية، ونسأل الله عز وجل العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.