إسلام ويب

تفسير سورة المؤمنون [23 - 30]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله تعالى عن نوح عليه السلام حين بعثه إلى قومه لينذرهم عذاب الله وبأسه الشديد، وانتقامه ممن أشرك به وخالف أمره وكذب رسله، فلما لم يستجب منهم إلا القليل بعد طول المدة التي ظل يدعوهم فيها دعا ربه أن ينصره على قومه، فأمره سبحانه بصنع السفينة وإحكامها وإتقانها، وأن يحمل فيها المؤمنين ومن كل زوجين اثنين، أي: ذكراً وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار وغير ذلك، فأنجاه الله ومن معه عليها، وأهلك الكافرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه...)

    الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ [المؤمنون:23]، لما ذكر الله سبحانه وتعالى نعمه وآلاءه على عباده، أو بعضاً منها، ممتناً بها على عباده حتى يعبدوه وحده، ويشكروه على نعمه وعلى ما أعطاهم سبحانه، ذكر قصة نوح باختصار في هذه الآيات.

    وقد ختم الآيات السابقة بقوله: وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ [المؤمنون:21]، وقد ذكرنا بعضاً من المنافع فيها.

    ثم قال: وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [المؤمنون:22]، أي: على بعض بهيمة الأنعام، وهي الإبل.

    وهذا من منن الله سبحانه وتعالى على عباده، أن ذكر لهم بعضاً من نعمه في طعامهم وشرابهم وملبسهم وركوبهم، فيركبون على الإبل، ويركبون الفلك، وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ والفلك هي السفن الجارية في البحر.

    والإنسان يعرف قدر هذه النعمة حين يركب السفينة، وتسير به من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، تحمل متاعه وتجارته، ويتعرف على أناس لم يكن يعرفهم، ويبيع ويشتري ويرزقه الله سبحانه وتعالى.

    وهنا مناسب جداً أن ذكر نوحاً بعد ذكر السفينة؛ لأن الفلك -أي: السفينة- كانت سبباً في إنقاذ البشرية جميعها، فالإنسان ما زال موجوداً بسبب هذه السفينة؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يقدر الأقدار، وهو الذي يسبب الأسباب، فأمر نوحاً أن يصنع سفينة، فهنا كأنك إذا ركبت سفينة تذكرت أول سفينة صنعت، فنوح لما صنع السفينة بأمر الله حمله الله عز وجل عليها ومن معه من المؤمنين، فكنتم أنتم من ذرية هؤلاء، ووجودكم مرتبط بأول سفينة وجدت، فهذه نعمة من نعم الله عز وجل على عباده يذكرهم بها.

    والقرآن جميل وعظيم، والآيات متناسقة ومتناسبة بعضها مع بعض، فهنا ذكر نوحاً وهو أول الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من بعد آدم، وذكر هنا أن الفلك تحملون عليها، وذكر نوحاً حتى تذكر أن أول سفينة صنعها نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكيف أن الله سبحانه نجى المؤمنين فيها، فكانت نعمة من نعم الله سبحانه على عباده.

    وهنا لاحظ قوله: تُحْمَلُونَ فالذي يحملك ويوفر لك ذلك وسير هذه السفينة هو الله سبحانه وتعالى، فأنت تحمل عليها، ولكن قد تركب وتغرق بهذه السفينة، فالله عز وجل هو الذي حملك على السفينة وعلى الماء، وجعلك تسافر من مكان إلى مكان ببركة رب العالمين وقوته وفضله.

    قال الله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فنوح النبي الرسول عليه الصلاة والسلام هو أحد أولي العزم من الرسل، دعا قومه فترة طويلة، وقد عرفنا ما ذكره الله عز وجل في القرآن من أنه دعا قومه إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً.

    قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ ، داعياً قومه لعبادة الله عز وجل: يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، فدعوة الأنبياء والمرسلين كلهم: لا إله إلا الله، الدعوة إلى الإسلام، قال الله عز وجل: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ [يونس:71]، قال هذا بعدما أتعبوه، دعاهم إلى الله سبحانه وتعالى جيلاً بعد جيل، وقوماً وراء قوم، أفراداً وجماعات، ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، فلم يستجيبوا له، وفي النهاية قال: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ [يونس:71-72] أي: لم تستطيعوا أن تفعلوا ذلك: فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:72].

    فهذه دعوة النبي نوح عليه الصلاة والسلام أنه دعا إلى الإسلام، وكذلك الأنبياء من بعده، قال تعالى: وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ [يونس:84] والحواريون أتباع المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام قالوا لربهم: وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ [المائدة:111]، فهذه هي دعوة نوح ودعوة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهذا يعقوب: أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ [البقرة:133] أي: هذه دعوة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، فهؤلاء قالوا: نحن لله عز وجل مسلمون، فدين الإسلام هو دين الله عز وجل، فقول الأنبياء لأقوامهم: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، هذه هي كلمة التوحيد، وكلمة التوحيد هي لا إله إلا الله، وهي نفسها: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ.

    فكلمة التوحيد فيها النفي وفيها الإثبات: (لا إله) أي: أنفي صفة الألوهية عن أي أحد إلا الله سبحانه وتعالى، فهنا أثبت الألوهية لله سبحانه وتعالى.

    فنوح قال لقومه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قوله: غَيْرُهُ بالضم على الوصف، فيكون المعنى: ما لكم إله غيره، كأن أصلها هكذا من أله فهو إله، فرفعت هنا على المحل نفسه.

    والقراءة الأخرى: ( ما لكم من إله غَيرِهِ )، فهنا جرت على اللفظة نفسها، وهذه قراءة أبي والكسائي وأبو جعفر .

    وقوله تعالى: أَفَلا تَتَّقُونَ أصلها أفلا تتقونه، أي: أفلا تتقون الله سبحانه وتعالى؟! أي: هل أطعتم الله ولم تعصوه سبحانه وتعالى؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم ... فتربصوا به حتى حين)

    قال الله تعالى: فَقَالَ الْمَلأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ [المؤمنون:24] نوح عليه السلام كان في كل جيل خلال ألف سنة تقريباً يدعو قومه إلى الله عز وجل، ولكن كثيراً منهم كذبون، قال تعالى: فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ والملأ: هم كبار القوم؛ لأنهم يمتلئ بهم المكان، وهم الكبراء من الأقوام الذين يملئون العين بالنظر إليهم، ويملئون قلوب من حولهم مهابة وخوفاً منهم، ولذلك عندما يذكر الله عز وجل فرعون فإنه يذكر هؤلاء المتكبرين وهم الملأ من قومه وكبارهم.

    فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ أي: من قوم نوح، مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ هذه دائماً حجة الجاهل الذي لا حجة معه، يسمع الكلام ويسمع البينات والحجج ولا يستطيع أن يرد، وإنما يقول: هذا يريد أن يأخذ مني الرئاسة، هذا يريد أن يأخذ مني الكرسي، هؤلاء يريدون أن يجعلوا أنفسهم هم الكبار ويبعدون الكبار الموجودين، وهذا يريد أن يجعل نفسه أفضل منكم، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً هذه هي الكلمة التي قالوها للنبي صلى الله عليه وسلم: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31]، لماذا أنت الذي نزل عليك القرآن؟ لماذا لم ينزل على أحد غيرك؟

    وهنا يقولون: لولا أنزل الله ملائكة من السماء، نريد أن نرى ذلك، فهؤلاء قالوا: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ، ما سمعنا بمثل ما جاء به هذا في آبائنا الأولين.

    فحجج الكفار في كل العصور والأزمان أنهم يقولون: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22]، أي: ستظل كما كان آباؤنا، وهنا قالوا: وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ ، ولم يفكروا فيما يقولونه: ماذا ستعمل الملائكة ماذا لو نزلت؟ هل ستطيق أن تنظر للملك؟ هل تستطيع أن تسمع للملك؟ هل ستطيق أن تعصي هذا الملك إذا جاء؟ وأنت تعرف قوته وتعرف أنه يقدر عليك وعلى من في الأرض بتقدير الله عز وجل له، فهنا الملك إذا جاء لن تكون دعوة، وسيكون قهراً وإجباراً، فهنا هؤلاء لم يفكروا فيما يقولون، أنه لو نزل ملك من الملائكة، ومن أجل أن يكون هناك اختبار للناس، فسينزل في صورة البشر، ولو جعله الله على هيئة البشر فهو تحصيل حاصل، وهذا الرسول الموجود من البشر، وهذا أفضل من أن يرسل ملكاً إلى أهل الأرض.

    قال الله تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ [المؤمنون:25] يقولون عن نبيهم كذباً وزوراً: إنه مجنون، وكذا قالوا عن نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ [القمر:9] ازدجروه وطردوه، ولم يريدوا أن يسمعوا منه صلى الله عليه وسلم، وليس هو أول من قيل عنه: إنه مجنون، فقد قيل عن أنبياء من قبله عليه الصلاة والسلام ذلك.

    قالوا: فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ أي: أغرى بعضهم بعضاً وقالوا: اتركوه إلى أن يموت لوحده وانتظروا حتى تأتي عليه السنون ويأتي عليه الكبر ويأتي عليه الموت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال رب انصرني بما كذبون)

    فدعا نوح لربه: قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ [المؤمنون:26]، هذا في النهاية، وفصل الله عز وجل ذلك في سورة هود تفصيلاً عظيماً، وفصله في غير ما موضع من القرآن، ولكن من أطول ما جاء في قصة نوح وقومه في سورة هود، وكذلك في سورة يونس، وفي سورة نوح، ففي سورة نوح عليه الصلاة والسلام: قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا [نوح:5-7].

    لما تدعو أنساناً على الأقل يسمع ما الذي تقوله، ولكن هؤلاء كانت قلوبهم مغلفة بالكفر، وكانت مظلمة، فلم يستمعوا إلى نبيهم، بل وضعوا أصابعهم في آذانهم، وليس أناملهم، بل كانوا يضعون أصابعهم كلها، حتى لا يسمعوا كلمة يقولها نوح عليه الصلاة والسلام: وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ فلم يغمضوا أعينهم فحسب، بل إنهم كانوا يضعون ثيابهم على وجوههم حتى لا يروا نوحاً عليه الصلاة والسلام: وَأَصَرُّوا ، مستكبرين، (وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا عظيماً.

    ثم قال: ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا [نوح:8] أي: أمامهم وهم مجتمعون مع بعضهم، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا [نوح:9]، فلم ينفع السر ولم تنفع العلانية مع هؤلاء، ولم يدعهم يوماً أو ليلة أو سنة أو سنتين، بل ظل يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وفي النهاية دعا ربه سبحانه: وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:26]، متى دعا هذه الدعوة؟ لما أخبره الله سبحانه: وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ [هود:36]، فيا ترى كم الذي آمن من قبل؟ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود:40] أي: أعداد قليلة، وهم الذين استوعبتهم السفينة التي صنعها نوح عليه الصلاة والسلام، فما آمن معه خلال هذه القرون وخلال هذه الدهور إلا القليلون.

    فهنا يقول الله سبحانه وتعالى أن نوحاً دعا ربه: قَالَ رَبِّ انصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ، دعا دعاء الإنسان المغلوب، ولذلك قال الله في الآية الأخرى: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:10] أي: غلبوني فلست قادراً على أن أدعوهم، فالله عز وجل أخبره أنه لن يؤمن أحد بعد ذلك، فلما علم أنه لا يوجد إيمان من هؤلاء دعا عليهم وقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا [نوح:26-27]، كيف عرف أنهم لا يلدون إلا فاجراً كفاراً؟ بإخبار الله عز وجل له أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن، حينها دعا عليهم وقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا أي: لا تذر أحداً على الأرض من الكافرين: إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ...)

    قال الله تعالى: فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنْ اصْنَعْ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ [المؤمنون:27]، هذه هي الفلك التي ذكرها قبل هذه الآية: وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ [المؤمنون:22] أي: فحملكم الله عز وجل على هذه السفينة، وسخر الماء لحمل السفينة، وسخر الرياح لإجراء السفينة، وسخر سبحانه وتعالى البر لترسو عليه هذه السفينة، فالنعمة منه سبحانه وتعالى وحده.

    قال تعالى: أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا ويا ترى كم حجم هذه السفينة؟ معلوم أن سفينة سيكون فيها مجموعة من البشر ومجموعة من الدواب من كل زوجين اثنين لابد أن تكون سفينة كبيرة، وكون إنسان واحد يصنع هذه السفينة هذا من فضل الله عز وجل، وإلا ما كان لنوح ولا غيره أن يقدر على أن يصنع هذه السفينة، ولكن الله علمه كيف يصنع هذه السفينة، فإذا به يأتي بالأخشاب ويجعلها في البر، ويمر به قومه وهو يصنع هذه السفينة، فيقولون: ماذا تصنع يا نوح؟ فيقول: أصنع سفينة، فيسخرون منه ويستهزئون به كيف يصنع سفينة في البر؟ قال تعالى: قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ [هود:38-39].

    إذاً: لم يستجيبوا لدعوته، بل وهو يصنع السفينة لم يتركوه في حاله، بل كلما مروا عليه في ذهابهم وإيابهم سخروا منه قال الله عز وجل: فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا ونحن نراك وندلك ونرشدك ونقويك، فالله هو الذي علمه وأوحى إليه أن يصنع السفينة، قال الله: وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر:13]، أي: اصنع من الخشب الألواح واجعل اللوح جنب اللوح، وثبتها بالمسامير وهي الدسر.

    وقوله: (بأعيننا) أي: برعايتنا، فهو يراه سبحانه وتعالى ويراعيه في ذلك، قال تعالى: فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا أي: سنجعل لك علامة حتى تركب في هذه السفينة، وهذه العلامة هي هذا الفرن الموجود، فإذا خرج منه ماء بدل النار فاركب السفينة أنت ومن معك، قال تعالى: فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ أي: أخرج التنور ماء بدلاً من النار، فَاسْلُكْ فِيهَا أي: أدخل فيها، تقول: سلكت الخيط في ثقب الخرز، أي: أدخلته، فهنا قال: فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ مِنْ كُلٍّ وكأن التنوين هنا للتنكير، أي: اسلك من كل شيء زوجين، وهذه قراءة حفص عن عاصم فقط، أما بقية القراء فيقرءونها: مِنْ كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ على الإضافة، والمعنى: أركب فيها من كل دابة من الدواب ذكراً وأنثى، حتى تدوم الحياة بعد ذلك.

    فهذه منة من الله عز وجل في نجاة الخلق ووجود هذه الذريات، إذ حملهم في السفينة.

    ثم قال: وَأَهْلَكَ أي: واحمل أهلك معك، لكن الذين سبق عليهم القول أنهم لا يؤمنون مثل زوجة نوح ومثل ابن نوح فهؤلاء لا يركبون فيها، قال تعالى: إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ أي: إلا من سبق عليهم قضاء الله وقدره أنهم لا يؤمنون فلا يركبون معك في السفينة.

    ثم قال: وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ أي: لا تخاطبني بعد أن تركب في السفينة في شأن الظالمين، فالإنسان قد يرى عدوه أمامه فيدعو ربه عليه: يا رب خذه يا رب أهلكه، وعندما ينزل عليه العذاب إذا به يرحمه ويدعو له، فهنا كأن الله سبحانه وتعالى يقول لنوح: أنا معذب هؤلاء، فإذا نزل العذاب فلا ترحمهم، ولا تدع لهم بالرحمة؛ لأننا لن نستجيب لك في ذلك، فقال سبحانه: وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ أي: سنغرق هؤلاء الظلمة، فلا ترحمهم، ولا تكلمني فيهم.

    فسيدنا نوح عليه الصلاة والسلام فعل هذا الشيء إلا مع ابنه، فإنه سأل ربه وقال: فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [هود:45]، فكان الجواب: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ [هود:46].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإذا استويت أنت ومن معك... وإن كنا لمبتلين)

    قال الله تعالى: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [المؤمنون:28] أي: حين تستوي أنت ومن معك داخل السفينة فاذكر ربك سبحانه، واحمده على أن نجاك، ولو شاء لنزل العذاب وأهلك الجميع، وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا [المؤمنون:29] أي: حين تركب سترى الأهوال التي تأتي على الأرض، فادع ربك أن ترسو السفينة بعد ذلك في منزل مبارك، فقوله: أَنزِلْنِي أي: إنزالاً مباركاً، و(إنزالاً) مصدر، مُبَارَكًا أي: فيه البركة وفيه الخير لي ولمن معي، وقوله: وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ أي: أنت الذي نجيتني بإركابي السفينة، وأنت الذي تنجيني وتنزلني منزلاً مباركاً من فضلك ومن كرمك.

    ثم قال تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ [المؤمنون:30]، أي: إن في نجاة المؤمنين بأن أنجاهم الله عز وجل، وفي إهلاك الكافرين بأن أغرقهم الله سبحانه وتعالى لآيات، وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ العباد في كل زمان، فما خلقوا إلا للابتلاء والامتحان، يبتلي بعضهم ببعض، وخلقوا لعبادته وحده لا شريك له.

    نسأل الله عز وجل العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.