إسلام ويب

صفة الجنةللشيخ : سعيد بن مسفر

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وإن كانت الشريعة قد وصفت لنا الجنة بمسميات هي مشابهة لبعض المسميات في الدنيا، لكنها ليست مثلها على الحقيقة؛ فإن كان الاسم نفس الاسم، فليس المسمى كالمسمى. ثم إن الجنة ليست إلا لمن أطاع الله؛ فمن أطاعه كان مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وأما من عصاه فله نار جهنم وما فيها من عذاب وخزي عظيم.

    1.   

    وصف الجنة ونعيمها

    الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

    أما بعد:

    فيا عباد الله! لقد خلقنا الله عز وجل لعبادته، وبين لنا الغرض الذي من أجله أوجدنا على ظهر هذه الحياة، فقال عز وجل: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58] وقال عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النساء:64].

    ووعدنا إن نحن أطعناه واستجبنا لأمره في الدنيا؛ بالسعادة في الدنيا، والفوز والفلاح في الآخرة.

    فأما في الدنيا فيقول عز وجل: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً [النحل:97] والحياة الطيبة التي يعنيها القرآن هي حياة القلب، والقلب لا يمكن أن يهدأ ويستريح ويبتعد عن القلق والحيرة والاضطراب والضلال إلا في ظل الإيمان بالله.

    أما في الآخرة فقد قال الله عز وجل بعد هذه الآية: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97] في الجنة ونعيمها، وحورها وقصورها، وبساتينها وأنهارها، ففيها ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، واقرءوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17] وكل ما خطر في ذهنك فالجنة ونعيمها بخلاف ذلك، وليس في الدنيا من الجنة إلا الأسماء، فهناك قصورٌ ولكنها ليست كقصور الدنيا، وهناك حور -يعني: نساء- ولكن لسن كنساء الدنيا، ويكفيهن وصف الله عز وجل لهن بقوله: حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ [الرحمن:72]وقوله عز وجل: فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [الرحمن:56] وقوله تبارك وتعالى: كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ [الواقعة:23] .. كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات:49].. كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ [الرحمن:58].

    بساتين الجنة وأنهارها وقصورها

    في الجنة بساتين وأنهار ولكن ليست كبساتين الدنيا ولا كأنهارها، فبساتين الجنة: أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ [الرعد:35].. لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ [الواقعة:33] لا مقطوعة ولا ممنوعة بثمن: قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ [الحاقة:23-24].

    وأما أنهارها: وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ [محمد:15] لكل مسلمٍ ومؤمنٍ في الجنة -جعلنا الله وإياكم من أهلها وآبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وذرياتنا وإخواننا وأخواتنا وجميع إخواننا المسلمين- لكل مؤمن في الجنة قصرٌ تجري من تحته الأنهار، وهي أربعة أنهار:

    النهر الأول: نهر من لبن لم يتغير طعمه؛ وتغير طعم اللبن طبيعة فيه إذا مرت عليه ليالٍ .. تغير إلى الحموضة، ثم إلى الفساد والتسمم، ولكن لبن الجنة لا يتغير طعمه، ولا يحمض ولا يتسمم.

    النهر الثاني: نهر من خمر لذة للشاربين، وخمر الجنة ليس كخمر الدنيا، فخمر الدنيا يذهب العقول، ويحول الإنسان من عاقل إلى مجنون.

    واترك الخمرة لا تشربها     كيف يسعى في جنون من عقل

    الخمرة تذهب عقل المكلف فيرتكب الحرام، ويقع في الجرائم، ويرتكب المآسي لذهاب عقله، ولذا سميت: أم الخبائث، وتوعد الله عز وجل من شربها في الدنيا ومات ولم يتب أن يسقيه من طينة الخبال: (قيل وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: عرق أهل النار) وقال صلى الله عليه وسلم: (من شرب الخمرة في الدنيا ومات ولم يتب سقاه الله من نهر الغوطة. قيل: وما نهر الغوطة؟ قال: نهرٌ يجري في جهنم من فروج المومسات) يعني: الزانيات، ومن شربها حرم عليه خمر الجنة، ومعنى حرمان خمر الجنة أي: حرمان دخولها، إذ لا يعني أنه يحرم من خمر الجنة أن شارب الخمر المدمن عليها يدخل الجنة ويمنع من خمر الجنة، لا. ولكن الحرمان يعني الحرمان الكلي من دخول الجنة؛ لأن الجنة ليس فيها شيء ممنوع على أهلها، فخمر الجنة لا يذهب العقول وإنما شراب طاهر لذيذ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً [الإنسان:21].. لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ [الصافات:47] لا تغتال العقول، ولا تحدث الإنزاف، وإنما خمر لذة للشاربين، جعلنا الله وإياكم من أهلها.

    النهر الثالث: نهرٌ من عسلٍ مصفى، ليس عسل أقراص، نحن الآن كما يقول بعض الإخوة: (ما شبعنا في العسل غماس) فكيف به أنهاراً؟ نهر يجري من تحت بيتك من عسلٍ مصفى ليس فيه أخلاط وإنما هو أصفى من الشمس.

    النهر الرابع: نهر من ماء غير آسن؛ لأن ماء الدنيا إذا ركد أسن، وإذا أسن تغير طعمه ولونه وريحه وفسد، ولكن ماء الجنة غير آسن، هذا كله نعيم وعد الله تعالى به أهل الإيمان.

    أما القصور: ففي الجنة قصور يحدثنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: (للمؤمن في الجنة خيمة من درة مجوفة طولها ستين ميلاً في السماء، وله في الخيمة الواحدة اثنتين وسبعين زوجة -سبعين زوجة من الحور العين واثنتين من نساء الدنيا- لا ترى واحدة منهن الأخرى) من طول المسافة بينهن.

    أرض الجنة وترابها وحشيشها

    وأما أرضها وترابها وحشيشها: فالأرض ذهب، والتراب مسك، والبناء لبنةٌ من ذهب ولبنة من فضة، والحشيش هو الزعفران الذي نشتريه الآن وقيمة الخمسة جرامات بخمسين ريالاً وهو زعفران الدنيا.

    لا تركنن إلى الدنيا وما فيها     فالموت لا شك يفنينا ويفنيها

    واعمل لدار غداً رضوان خازنها     والجار أحمد والرحمن ناشيها

    ترابها ذهبٌ والمسك طينتها     والزعفران حشيش نابت فيها

    أحمد دلالها والرب بائعها     وجبريل ينادي في نواحيها

    من يشتري الدار في الفردوس يعمرها     بركعةٍ في ظلام الليل يحييها

    تلك المنازل في الآفاق خاويةً     أضحت خراباً وذاق الموت بانيها

    أموالنا لذوي الميراث نجمعها     ودورنا لخراب الدهر نبنيها

    والله لو قنعت نفس بما رزقت     من المعيشة إلا كان يكفيها

    والله والله أيماناً مكررةً     ثلاثةً من يمينٍ بعد ثانيها

    لو أن في صخرةٍ صما منمنمة     في البحر راسيةٍ ملس نواحيها

    رزقاً لعبد براه الله لانفلقت     حتى تؤدي إليه كل ما فيها

    لا دار للمرء بعد الموت يسكنها     إلا التي كان قبل الموت يبنيها

    فإن بناها بخيرٍ طاب مسكنه     وإن بناها بشر خاب بانيها

    النفس تجزع أن تكون فقيرةً     والفقر خيرٌ من غنى يطغيها

    فغنى النفوس هو العفاف فإن أبت     فجميع ما في الأرض لا يكفيها

    هذه الجنة، وهذا بعض وصفها، ومهما وصف الواصف فقد وصفها الله في كتابه، ووصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته، ولكن الأوصاف والحقائق تختلف، والله تعالى يقول: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [السجدة:17].

    1.   

    الأعمال الصالحة سبب لتعجيل البشارة في الدنيا والآخرة

    يحدثنا شاهد عيان نثق بعلمه وأمانته من المشايخ أنه حضر القصة وعاصر أحداثها بنفسه، والقصة وقعت في مدينة بريدة في القصيم ، ومدار القصة: أن شاباً نشأ وترعرع في عبادة الله، لا يعرف من الدنيا شيئاً إلا القرآن والمسجد، ولم يقف في حياته لحظةً واحدة مع صبي يلعب معه، وإنما منذ بلغ ست سنوات وهو مع أبيه في المسجد، وكان يلازم المسجد باستمرار، ويقرأ القرآن باستمرار حتى حفظ القرآن وعمره تسع سنوات، وإذا سئل عنه: أين هو؟ قالوا: في المسجد، ماذا يصنع؟ قالوا: يقرأ القرآن.

    ولما جاءت مرحلة الدراسة الابتدائية ذهب إلى المدرسة وجلس أسبوعاً فيها، ثم عبر عن رغبته لوالديه بعدم الرغبة في الدراسة، فقالوا له: لماذا؟ قال: لم أستفد فقد ضيعت الحفظ، أريد أن أجلس في المسجد للقرآن والذكر، فجلس في المسجد وحفظ القرآن -كما قلت- وكثيراً من الكتب الإسلامية، وإذا نظرت إليه تذكر الله من جلاله وبهائه ونور إيمانه، ولما توفي والده بقي في كفالة عمه، وحينما بلغ السادسة عشرة من عمره مرض، واستمر مرضه أسبوعاً كاملاً، ثم توفي رحمة الله تعالى عليه، وكانت وفاته في الساعة الحادية عشرة قبل الظهر، أي: في الضحى، فأراد عمه وهو الذي يشرف على تمريضه أن يذهب إلى الجماعة ليطلب منهم المسارعة في دفنه ولكنه كان متعباً، فأراد أن ينام قليلاً حتى يؤذن لصلاة الظهر ثم يحضر الناس في الصلاة ويطلب منهم أن يدفنوه بعد الصلاة، فما إن نام عند الولد في غرفته إلا وهو بتلك المرأة، يقول: جاءت امرأة ومعها نساء من خلفها فأيقظتني وقالت: يا شيخ! نسألك بالله إلا عجلت علينا بهذا الشاب، قال: ومن أنتِ؟ قالت: أنا زوجته من الحوريات في الجنة، ونحن على أحر من الجمر ننتظره وأنت تنام وتحبسه عنا، فنسألك بالله إلا عجلت به علينا، قال: فاستيقظ من نومته وقام ودعا الناس وسارع في دفنه وتجهيزه، وحينما دخل الناس إلى الغرفة وجدوا لها رائحة ما شموا مثلها في الدنيا، قالوا: يا شيخ! عندك رائحة عظيمة في هذه الغرفة، ما هذه الرائحة؟ قالوا: رائحة طيب العود، لكن ليس كطيب عود الدنيا، عود يختلف عن كل أطياب الدنيا، قال: إنها رائحة الحورية، لازالت رائحتها تعبق الغرفة وتطيبها، قال: ومكثت هذه الرائحة أكثر من شهرين.

    فكل ما خطر في بالك فالجنة بخلاف ذلك، جعلنا الله وإياكم من أهلها.

    لقد أمرنا الله بطاعته قال عز وجل: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69] شرط وجوابه، من هنا شرطية: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ [النساء:69] هذا الشرط، والجواب: فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [النساء:69] ما أعظمها من نعمة أن ينعم الله عليك بالجنة، وأن تكون مع الرفقة، مع من؟ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ [النساء:69] من بقي غير هؤلاء؟ ما بقي إلا القتلة والفجرة والزناة والخمارون والمجرمون، ثم قال يصفهم: وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً [النساء:69].

    ويقول عز وجل: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:71] ليس الفوز أن تحصل على شهادة، وتحتل منصباً، وتتزوج بجميلة، وتسكن عمارة فارهةً، وأن تركب سيارة حديثة، هذا فوز ولكنه فوز مؤقت، وأما الفوز العظيم الأبدي فهو الذي يقول الله تعالى فيه: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً [الأحزاب:71] نسألك اللهم من فضلك.

    ونهانا عن معصيته ومخالفة أمره، وتوعدنا إن نحن عصيناه بناره؛ نار حرها شديد، وقعرها بعيد، ومقامعها وسلاسلها وأغلالها حديد، نارٌ أوقد الله عليها ثلاثة آلاف عام، ألف سنة حتى احمرت، وألف سنة حتى ابيضت، وألف سنة حتى اسودت فهي سوداء مظلمة.

    1.   

    جهنم وما فيها من عذاب لأهلها

    جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مرة من المرات وهو يبكي، قال: (ما يبكيك يا روح القدس؟! قال: جئتك وقد أمر بمنافيخ النار -يشب عليها فهي تضطرم وتشتعل- قال: أتخشى وأنت من الله بالمكان الذي أنت منه؟ -يقول: تخاف يا جبريل؟- قال: وكيف لا أخشى وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكى جبريل، فناداهما من السماء تبارك وتعالى: إني قد أمنتكما من عذابي).

    يقول الله تعالى: وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [الزمر:47] ما لم يكونوا يتوقعون، وما لم يكن يخطر لهم على بال: وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ * مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ * يَتَجَرَّعُهُ [إبراهيم:15-17] يتبلعه فلا يقدر أن يبلعه؛ لأنه ماء صديد وقيح ودم، كيف يشربه؟ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ [إبراهيم:17].

    إحاطة العذاب بأهل النار من كل مكان

    يأتيه الموت من الفراش لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ [الأعراف:41] وتصوروا كلمة (مهاد)! فيها تهكم، وسخرية، واستهزاء، وهل في جهنم مهاد؟ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف:41].

    يأتيهم الموت من الهواء والظل: وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ [الواقعة:43] والهواء: من سموم، والطعام: من زقوم، والشراب: من غسلين، والأنكال والسلاسل والأغلال، يغل الإنسان في النار -أعاذنا الله وإياكم منها وآباءنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وجميع المسلمين- فتجمع أقدامه مع رقبته ويديه، يقول الله تعالى: فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ [الرحمن:41] ثم يقذف في النار.

    نار تسود وجوه أهلها من ظلمة المعاصي، ينادون وهم في طباقها ودركاتها: يا مالك! قد أثقلنا الحديد، يا مالك! قد نضجت منا الجلود، يا مالك! أخرجنا منها فإنا لا نعود.

    فلا يجيب عليهم، وعدم الإجابة فيه نوع من الرفض وعدم الاهتمام، قال العلماء: لا يجيبهم قدر الدنيا من يوم أن خلقها الله إلى يوم يفنيها مرتين، ثم يرد عليهم، يقول: قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77]يعني: مكانكم فيها، ليس هناك خروج، لماذا؟ قال: لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف:78].

    عظيم خزيهم بسبب أعمالهم

    قال تعالى: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:79-80] الرسل تكتب ذنوبك وأنت تعمل في الذنوب، والملائكة تحول ذنوبك إلى قبرك، وأنت غافل، فمن الناس من يحول ذهباً، ومنهم من يحول بعراً، ومنهم من يحول جمراً، والله لا يظلمك بشيء، فما تعمله تجده يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [آل عمران:30] لا تريد أن تنظر إليه، وهذه الحوالات تجمع وتخزن في القبر فإذا مات الإنسان رأى حوالاته، يقول أحد السلف: لا تحول إلا شيئاً يسرك رؤيته، لا تحول زناً، ولا غناء، ولا زوراً، ولا فجوراً، ولا حراماً، وحول عملاً صالحاً حتى إذا رأيته فرحت.

    مثله مثل الطالب -مع الفارق في القياس- الذي يجتهد في أيام الامتحان ويصبر على المنام، بل بعضهم يترك حتى الطعام، ويعكف على قراءة الكتب في الليل والنهار، فإذا به يفرح عندما تقدم له الشهادة فيقرأ أول مادة: القرآن الكريم (100%) التوحيد (100%) وكلما قرأ مادة ونظر علامتها استبشر وفرح، فإذا انتهى منها كلها قال: تفضلوا، انظروا الشهادة، إنها تبيض الوجه، فيرفع رأسه، ويأكل طعامه، ويلتذ في منامه، ويرتاح في عطلته، وكلٌ يجله ويبجله.

    لكن البليد المهمل الذي عاش على الرفض للكتب، وعدم المذاكرة، واللعب والفوضى، إذا جاءت الشهادة يرفع رأسه ويريد شهادة بالكذب، ويأتي مع الناس ويقول: ربما تخطئ اللجنة، ربما ترحمني لجنة الرحمة، فإذا أخذ الشهادة ونظر فيها، وإذا بها تسود الوجه -والعياذ بالله- القرآن الكريم (20)، والتوحيد (15%)، والإنجليزي ثلاثة أصفار متتالية؛ لأنه ما نجح في اللغة العربية فكيف ينجح في اللغة الإنجليزية؟ فإذا أخذ الشهادة مزقها وذهب إلى البيت، قالوا له: طلعت النتائج؟ قال: لا. ما زال التصحيح جار. يرسل ليحضر النتيجة، ثم أعلنوها قبل أن آتي فما سمعتها، لكن: اسمي سمع، يمهد.. يريد أن ينزل الخبر بالتقسيط، لا يريد أن يقول لهم بصراحة، يريد أن يقول لهم الخبر بالتدريج، ثم يقول: غداً أذهب، وفي اليوم الثاني ذهب ورجع -وهو يعرف النتيجة- يقول: أبشركم! سلامات.. الحمد لله سلامات لم أرسب إلا في ثلاث مواد -وهو راسب في ثلاثة عشر مادة- ثلاث مواد فقط، وغيري كلهم ساقطين، أما أنا فليست إلا ثلاث، وإن شاء الله في الدور الثاني أنجح.

    هذا الفاشل في الدنيا مع أنه يوجد دور ثاني وسنة ثانية ومخرج من كل الدراسة، لكن الآخرة لا دور ثاني ولا سنة ثانية ولا فرصة أخيرة! وإنما من ضيعها وجازف بها وخاطر؛ خسر الدنيا والآخرة.

    فالمؤمن يوم القيامة يأخذ كتابه بيمينه، والفاجر يوم القيامة يأخذ كتابه بشماله ويقول: يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [الحاقة:25-29] فأنت تحول العمل إلى القبر، وعلى ضوء العمل تحاسب، والناظم يقول:

    يا من بدنياه اشتغل      وغره طول الأمل

    وقد سها في غمرة     حتى دنا منه الأجل

    الموت يأتي بغتة     والقبر صندوق العمل

    ألست على يقين أنك ستسكن القبر؟! ثم ألست على يقين أنك ستعامل في قبرك على ضوء ما حولت من عمل، أم تريد أن تخدع نفسك ؟! أتريد أن تجني من الشوك العسل؟! أتريد أن تحصل على جنة بالبعر؟! أتريد أن تنجو من النار بالعمل السيئ؟! هذا محال. هل جزاء الإحسان إلا الإحسان: مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا [فصلت:46].

    شديد عذاب الملائكة لأهل النار

    يقول أهل النار: يا مالك! يدعونه فيقول: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77] قالوا: لا جدوى. تعالوا نتوسط بصغار الموظفين؛ لأن مالك المدير العام -أي: المسئول الأول في النار- ما ضحك ولا يعرف الضحك، مخلوق من سخط الله، وتحته رؤساء الأقسام تسعة عشر، قال الله تعالى: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:30] يعني مسئولين، غلاظ شداد: غلاظ في الخلقة، شداد في الأخلاق، خلقتهم غليظة وأخلاقهم شديدة؛ لأنهم مخصصون للعذاب لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6].

    ورد في الحديث أن الله تعالى إذا قال للملائكة -حينما يؤتى بالفاجر-: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [الحاقة:30] أنه يبتدره سبعون ألف ملك يقومون لكلمة (خُذُوهُ) -ليس ملكاً واحداً فقط- وإن الملك الواحد ليأخذ سبعين ألفاً في النار، لكن عندما يقول الله تعالى: (خُذُوهُ) يقوم للأمر سبعون ألف ملك، (فَغُلُّوهُ) الغل: وضع القيد في الرقبة مع اليدين والرجلين، ثم بعد ذلك: ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:31-32] تدخل من فمه وتخرج من دبره حتى يشتوى في النار مثل الدجاج في المشواة، لماذا يا رب؟ قال: إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [الحاقة:33] هذا سبب، أي: ليس عنده خوف من الله، ولا مراقبة لله عز وجل: وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ * وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [الحاقة:34-37].

    ثم بعد ذلك يقولون: نرى صغار الموظفين لعلهم يتوسطون أو يشفعون، فأخبر الله تعالى في سورة غافر - سورة المؤمن- عن الخطاب الذي يقوله أهل النار لخزنة النار قال عز وجل: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ [غافر:49] يريدون يوماً واحداً فقط.. يريدون تخفيفاً من النار حتى يوماً واحداً ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى [غافر:49-50] بلى. جاءت الرسل، والكتب، والبينات؛ لأن الملائكة لا تتصور أن أحداً يبلغه دين الله ويرفضه، وهل خلقك ربي إلا للدين؟! هل خلقك الله سبهللاً أنت والأنعام سواء؟! تأكل وتشرب وتنكح وتنام وتقوم وتقعد وتسير؟! أنت لك ميزة، لك رسالة وهدف، أنت مخلوق للعبادة، وقد سخر لخدمتك هذا الكون؛ فلا تتصور الملائكة أن أحداً يأتيه الدين ويرفضه: قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [غافر:50] يعني: تصيحون أو لا تصيحون فصياحكم في ضلال لا يُنتبه له ولا يُسمع لكم.

    توبيخ الله تعالى لأهل النار فيها

    لما يئسوا من مالك وخزنة النار توجهوا بالدعاء إلى الله يطلبون من الله الرحمة وقد ذكر الله القصة في سورة المؤمنون، قال عز وجل: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ [المؤمنون:103] ما خسروا بيوتهم ولا خسروا أولادهم خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ [المؤمنون:103-104] (الكلوح) هو تقلص الشفة العليا إلى الرأس، ونزول الشفة السفلى إلى السرة، مثل الذبيحة: إذا أخذت رأس الذبيحة وشويته في النار، ماذا يحصل عندها؟ تتقلص الشفة العليا إلى الرأس وتنزل الشفة السفلى إلى تحت وتبدو أسنان الذبيحة، قال الله تعالى: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ [المؤمنون:104] أي تقفز النار على وجوههم؛ لأن أعز شيء عند الإنسان وجهه! فلو تأتيك الضربة في ظهرك، أو رجلك أو يدك أهون من أن تأتيك في وجهك، ولهذا إذا جاءك شيء تنكره تتقيه بوجهك لا. لكن النار تقفز في الوجه: تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا [المؤمنون:104-106] لكنهم ما عرفوا ربهم إلا في النار، ولا تنفع هذه المعرفة في ذلك اليوم، فلو عرفوا ربهم في الدنيا لكان أهون، فلو قالوا: ربنا في الدنيا لقال الله لهم: لبيكم، ولاستجاب الله لهم ولهداهم، ولكن ربهم في الدنيا هو الهوى، والشهوات، والشيطان، واللهو واللعب! ولكنهم في النار لما ذاقوا العذاب ومسيس النار قالوا: رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:106-107] يقولون: أرجعنا يا رب لنعمل صالحاً حسناً.. لماذا لا يكون من الآن؟ والذي يؤخر التوبة ويسوف فيها نقول له: هل تريد أن تعيش على المعاصي حتى تدخل النار وتقول هذه الكلمة؟! هل هذا منطق العقلاء؟! لا والله. ليس منطق العقلاء، فمنطق العقلاء: أنك من الآن -قبل غدٍ- تتوب وترجع وتصحح الوضع مع الله، وتصحح المسار إلى الله، وتنتقل بكامل حياتك إلى الله، وتكون جندياً من جنود الله، وعابداً، وذاكراً لله، وخائفاً من الله، وملتزماً بشرعه، حينها تنجو من عذابه، ولكن عندما تفرط وتهمل ثم يكون المصير ذلك، ثم تقول: ربنا أخرجنا منها لنعمل صالحاً فإن ذلك لا ينفع.

    قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:106-108].

    يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فوالذي نفسي بيده! ما ينطق أحدهم ببنت شفة، وما هو إلا الشهيق والزفير) من قبل كانوا يتكلمون مع الخزنة، ومع مالك، ومع الله، لكن إذا قال لهم الله تعالى: اخْسَأُوا فِيهَا [المؤمنون:108] أي: في النار وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108] فلا يوجد لهم أمل!

    فهذه النار أعاذنا الله وإياكم منها، وأجارنا الله وإياكم منها.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر:1-3].

    بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين؛ فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

    1.   

    خوف الأنبياء من خزي يوم القيامة

    الحمد لله على إنعامه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشانه، ونشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم.

    أما بعد:

    يقول إبراهيم عليه السلام وهو يدعو ربه تبارك وتعالى في سورة الشعراء، حينما جاء على الأصنام التي كانت تعبد من دون الله؛ فأنكرها وحقرها ثم دمرها وحطمها، ثم بعد ذلك ابتهل إلى الله تعالى وقال: وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ * وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ * فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ * وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ * قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ * تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ * فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً [الشعراء:87-102] أي: رجعة إلى الدنيا فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ [الشعراء:102-104].

    فإبراهيم عليه السلام مع حسن المؤهلات وطول الخبرة، وعلو المنزلة عند الله، فالمؤهلات: نبي. والخبرة: دعوة طويلة. والمنزلة: أبو الموحدين. والمكانة: نجاه الله من النار بالخطاب المباشر لها، قال: (قلنا) بدون واسطة، ولكن وحي رباني مباشر إلى النار: قُلْنَا يَا نَارُ [الأنبياء:69] النار خاصيتها الإحراق، لكن الذي منحها الخاصية أبطل هذه الخاصية، فالله تعالى هو الذي منحها الخاصية بالإحراق، فلما أراد ألا تحرق قال: يَا نَارُ كُونِي بَرْداً [الأنبياء:69] لكن ليس برداً يميت بَرْداً وَسَلاماً [الأنبياء:69] على من؟ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69] هذا والله لشأن عظيم أن يثني عليه ربنا ويقول في سورة الصافات: سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الصافات:109] يقول: سلم الله عليه! ووالله إن هذه هي السعادة، ويقول: وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ [الصافات:104-105] ما أعظمها من منزلة!

    ومع كل هذه المكانة والقدر يقول: يا ربِّ لا تخزني يوم الدين، فإذا كان أبو الموحدين إبراهيم عليه السلام يخاف من الخزي فكيف بي وبك يا أخي؟! إبراهيم الذي حمل إلى النار وهو مكتف في المنجنيق فتأتي الملائكة وتعرض خدماتها عليه وتقول: ألك حاجة يا إبراهيم؟ فيقول: أما إليكم فلا، وأما إلى ربي فنعم، في أصعب الظروف، وفي أحلك المواقف يصر على التوحيد، لكن أكثر الناس اليوم موحد بالعافية، وإذا جاء المرض أشرك بالله، وهذا معنى قول الله عز وجل: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الحج:11] إذا جاءه المرض ذهب إلى الكاهن والمشعوذ يشكو الله.. يشكو القوي على الضعيف! لا إله إلا الله!!

    يوم القيامة وما يحصل للعصاة فيه من خزي

    وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ [الشعراء:87] إن من أعظم الخزي أن يقف الإنسان بين يدي الله يوم القيامة مسود الوجه، ومعرف غير مجهول ولا منكر، وإنما يعرف وينادى عليه بنداءٍ يسمعه أهل الموقف كلهم: ألا إن فلان بن فلان قد شقي شقاوةً لا يسعد بعدها أبداً. فيعرف أهل الموقف أن فلاناً شقي، فيسود وجهه ثم تسقط (فروته) ما بين قدميه خجلاً من الله من شدة الخزي! ثم يساق إلى النار!

    كيف يساق؟ يسحب، قال الله تعالى: يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ [القمر:48] لا يسحب على بطنه أو ظهره أو رجليه، بل على وجهه: وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً [الإسراء:97].. يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ [القمر:48] ذوقوا حرارة النار.. فيحصل للإنسان وهو يقاد إلى النار من الخزي والمقت ما لو قُسم على أهل الأرض لكفاهم.

    يقول الله تعالى في أول سورة غافر: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْأِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:10-12].

    يقول المفسرون حول هذه الآيات: المقت أي: الكراهية للنفس، فلان يمقت نفسه، أي: يكره نفسه ويسخطها.

    الاستدلال على وقوع الخزي في الآخرة بخزي الدنيا

    الدليل الأول: يحصل للإنسان حينما يرتكب سلوكاً يؤدي به إلى موقف مشين، مثلما لو جيء بالزاني وجلد بالسوط، وقد رأيت أنا بعيني زانياً بكراً -أي: غير محصن- يعني: ما رجم ولكن جلد مائة سوط، أخرج بعد أن صف الناس وجيء به من السيارة وأنزلوه، فلما نزل كان الناس كلهم يريدون أن ينظروا إليه، ففي هذا الموقف المخزي المشين وهو خجلان كان قد تلثم بغترته فكان لا يرى الناس إلا عيونه، لكن المنفذ للحكم الشرعي مأمور هو أن يعريه حتى يراه الناس؛ لأنه لم يستح حين زنى فكيف يستحي هنا؟ إذ ليس هذا بمكان حياء، مكان الحياء قبل إقدامك على حرمات الله وارتكابك لمحارم الله، وتجرؤك على محارم المسلمين.. فهناك يجب أن تستحي! أما هنا فلا حياء (وما عصي الله بذنبٍ بعد الشرك أعظم من نطفة يضعها الرجل في فرجٍ لا يحل له).

    فجاء المنفذ وأخذ الغترة والقبعة من فوق رأسه، وظهر رأسه ثم جاء اثنان وأمسكاه من الأمام، وجاء رجل بعصا من الخيزران وبدأ يضرب في ظهره، وفي مقعدته، وفي سيقانه، وكان يمد للعصا؛ لأن الرجل لا يثبت مكانه، بل يتحرك، فهو يتلوى من الألم، فالجلاد يضربه في الأسفل، فإذا مال ضربه في الأعلى، فإذا رجع ضربه في الأسفل وهكذا.

    المهم أنه بقي يتألم ويتلوى كالثعبان في هذا الموقف حتى أشفق الناس عليه ورحموه كلهم، ولكن الله تعالى يقول: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ [النور:2] لا ترحمه؛ لأن الذي عذبه هو أرحم الراحمين! والذي أمر بجلده وسلخ جلده هو أرحم الراحمين، ففي موقف مشين كهذا يتمنى أنه ما عرف الزنا.

    الدليل الثاني: لو أن إنساناً قتل آخر ثم قبض عليه وحكم عليه بالإعدام، وأخرج إلى ساحة القتل والقصاص في يوم الجمعة، وخرج من سيارة الشرطة، ثم نظر إلى الموقف والناس كلهم مصطفون ينظرون هذا الموقف، فعيون الناس كلها تريد أن تراه.. يريدون أن ينظروا إلى هذا الذي قتل، وهو ينظر إليهم ويتأمل فيهم ويعرف هو أن كل هؤلاء الناس سوف يذهبون بعد لحظات إلى بيوتهم؛ يأكلون ويشربون مع زوجاتهم وأولادهم، وينامون في بيوتهم ويباشرون مصالحهم ويعودون إلى أعمالهم، أما هو فأين سيذهب؟! سيذهب وهو يقاد إلى المقصمة إلى الموت، فيموت حينما يراهم، ويموت حينما ينزل من السيارة، ويموت في كل لحظة وخطوة ونظرة، ثم يجلس ويكتف وهو يموت، وفي لحظة من لحظات الخزي التي لا يعلمها إلا الله، ولو أخذنا من قلبه شريحة وحللناها ورأينا ما هو شعوره في تلك اللحظات؟ وماذا يدور في ذهنه؟ هل هو في حالة من السعادة؟ أم في حالة من الشقاء في الدنيا وينتظر أيضاً ما أعده الله للقتلة في النار؟ لأن القتل في الدنيا لا يقضي على المسألة، فقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، قال: (إن المقتول يبعث يوم القيامة ويده في تلابيب قاتله، ورأسه في يده الأخرى، وأوداجه دماً ويقول: يا ربِّ! سل هذا لم قتلني بغير حق؟) والله تعالى يقول في سورة النساء وهي من آخر ما نزل من القرآن؛ لما سئل ابن عباس عن توبة القاتل قال: كيف يتوب، وكيف نحكم بتوبته والله تعالى يقول: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً [النساء:93] كيف تكون توبته؟

    ثم إن القتل الذي حصل للقاتل هذا وفاء بحق الورثة؛ فإن الورثة بمجرد موت المقتول أصبح الحق لهم، فهم بالخيار بين أخذ الدية أو القصاص، لكن هذا الذي قتله القاتل قتل بغير حق، فالقاتل هذا مقتول بحق، لكن الأول مقتول بغير حق، ولهذا يقول الله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً [المائدة:32] ويقول عليه الصلاة والسلام: (أول ما يقضى يوم القيامة في الدماء) ويقول: (لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) الدم الحرام ثقيل ليس بسهل، والدماء ليست سهلة عند الله يوم القيامة.

    فهذا القاتل كيف يكون شعوره وهو ذاهب إلى الموت؟ وهل من الموت مهرب؟ لكن من يقاد إلى النار ويسحب على وجهه إليها يتذكر وهو في طريقه فيعرف أن سبب هذا المصير هو معصية الله، ورفض دين الله، فيمقت نفسه، ويسخط نفسه، فتناديه الملائكة، وكلمة (ينادون) يسميها العلماء: فعل مضارع مبني للمجهول، لماذا لم يُبنَ للمعلوم؟ لأن المخاطبين مجهولون عند الله -أي: ليس لهم قيمة- فبنى الله الفعل للمجهول لجهالة المخاطبين: يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ [غافر:10] وسخط الله وغضبه أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ [غافر:10] لماذا؟ قال: إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْأِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ [غافر:10] ترفضون الدين قَالُوا رَبَّنَا [غافر:11] قولهم: (ربنا): مثل تلك الأولى رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا [المؤمنون:107] لكن في غير مكانها في الله، (رَبَّنَا) سألوا الله بصفتين عظيمتين من صفات الله عز وجل وهي: صفة الإحياء والإماتة، قالوا: (ربنا) يا من تحيي وتميت! لقد أحييتنا اثنتين وأمتنا اثنتين -أي: كنا أمواتاً في الأصل فأحييتنا في الدنيا، ثم أمتنا ثم أحييتا- فما دمت قادراً على الإحياء والإماتة نطلبك أن تميتنا المرة الخامسة، يريدون الموت ولا يريدون الحياة رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ [غافر:11] هل هناك إمكانية للخروج من النار؟ فلا يجابون هذا، ويعرض عن جوابهم، ولا يقال لهم بعدم الخروج؛ لأن الخروج مستحيل، وإنما يقال لهم السبب الذي من أجله دخلوا، فيقال لهم: ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ [غافر:12].

    فيا إخوتي في الله! هذه مشاهد حية من القرآن مما سيحدث في القيامة، مشاهد ملموسة لكأننا نراها بأعيننا، والله قد نقلها لنا من أجل أن نأخذ العبرة والعظة ولا نسوف ونماطل ونجازف حتى نصير إلى ذلك المصير المشئوم أعاذنا الله وإياكم من ذلك.

    ألا وصلوا على خير خلق الله محمد بن عبد الله فقد أمركم بذلك مولاكم فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً [الأحزاب:56] اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم انصر دينك وكتابك، اللهم انصر دينك وكتابك، اللهم انصر دينك وكتابك، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء!

    اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزة الدين، ودمر الكفرة واليهود والملحدين وأعداء الدين، اللهم من أراد بهذه البلاد وبغيرها من بلاد المسلمين شراً أو كيداً فاجعل شره في نحره، واجعل تدميره في تدبيره، وأنزل عليه بأسك الشديد، وعذابك الأكيد، فإنه لا يعجزك.

    اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولاتنا من خير من أطاعك واتقاك، اللهم اهدهم إلى هداك، واستعملهم في رضاك، وأعنهم على طاعتك، برحمتك يا أرحم الراحمين!

    اللهم إنا نسألك في هذه الساعة بأسمائك الحسنى، وصفاتك العلى، أن تعتق رقابنا من النار، ورقاب آبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وذرياتنا، وجميع إخواننا المسلمين.

    اللهم نوَّر على أهل القبور قبورهم، اللهم اغفر للأحياء ويسر لهم أمورهم، اللهم اشف مرضى المسلمين، وفرِّج هم المكروبين، واكتب الصحة والسلامة لنا ولكافة عبادك المؤمنين في برك وبحرك أجمعين.

    اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا وأغثنا، اللهم اسقنا غيث الإيمان في قلوبنا، وغيث الأمطار في بلادنا وأوطاننا، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، اللهم أنزل علينا من بركات السماء، اللهم إن بالبلاد والعباد من اللأواء والشدة والضيق ما لا نشكوه إلا إليك فلا تحرمنا يا مولانا من فضلك فإنك أنت أرحم الراحمين، وأنت أكرم الأكرمين، وأنت أجود الأجودين.

    ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، واغفر لنا يا مولانا إنك أنت الغفور الرحيم.

    عباد الله! إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.