إسلام ويب

تفسير سورة الحج [45 - 48]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كم من قرية أهلك الله أهلها لما طغوا وكفروا، ولا تزال آثار كثير من تلك القرى باقية؛ ولذا رغب الله عباده في السير في الأرض والنظر والاعتبار فيما حل بأولئك الكافرين، وليعلم الناس أن الله لا يخلف وعده، وأنه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الحج: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ * وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:45-47].

    يقول الله سبحانه وتعالى: فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج:45]، يخبرنا الله عن أخذه وإتلافه للقرى الظالمة السابقة تخويفاً لهؤلاء الكفار الذين كذبوا النبي صلوات الله وسلامه عليه واستعجلوا عذاب الآخرة: وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا [ص:16]، وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: عجل لنا بالعذاب وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ [الحج:47].

    فَكَأَيِّنْ أي: فكم من قرية أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ [الحج:45] قرى كثيرة كذبت المرسلين منها من ذكر الله عز وجل قصتهم في القرآن، ومنهم من لم يخبرنا عنهم مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [غافر:78].

    قال سبحانه: وَهِيَ ظَالِمَةٌ [الحج:45] يعني: الإهلاك كان بسبب ظلم أهلها.

    فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا [الحج:45] خاوية لا أحد فيها أو ساقطة على عروشها، والعروش: السقوف، فسقطت السقوف وهوت فوقها جدرانها.

    والقرى وصفت بالظلم لظلم أهلها، والمعنى: أن أهلها ظالمون.

    وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج:45] ذكر الله قرية وبئراً وقصراً، فالقرية: بلد من البلدان، والقصر المشيد هو الذي يكون لملك من الملوك أو كبير من الكبراء، والبئر هي التي تكون لصاحبها أو لمجموعة من الناس لهم اجتماع في مكان، ولهم عدد، وهذا غناهم، وكم يقتتل أناس على بئر في صحراء! هذا يزعم أنه صاحبها، وذلك يزعم أنها من حقه، فالبئر كنز لصاحبها في الصحراء، فهؤلاء الذين استولوا على هذه الآبار، والذين شيدوا هذه الحصون وهذه الديار، والذين كثروا في القرى والأمصار؛ لما عصوا رسل الله سبحانه جاءهم بأس ربهم سبحانه تبارك وتعالى، فجعل القرى خالية خاوية مهدمة على عروشها، والآبار معطلة، وأخذ أهلها وتركوا الآبار لا ينتفع بها أحد.

    والقصر الذي شيده أهله فبنوه ورفعوه في السماء وجصصوه، ودهنوه وزينوه، إذا بهم يؤخذون منه، ويورثه الله عز وجل لغيرهم أو يتركه خالياً لا أحد فيه، والذي يسير في الأرض ينظر كثيراً من آيات الله عز وجل في ذلك، وما أكثر ما يقال: اكتشفنا آثاراً، اكتشفنا قرية للقدماء المصريين موجودة تحت الرمال، اكتشفنا قرى، وهذه القرى بناها أهلها ليخلدوا، وزعموا أنهم يخلدون، وزعموا أنهم يرجعون إليها، وبعضهم كان يعمل له القبر ويحبس بجانبه جمله، بحيث إن الجمل يموت بجوار القبر، فعندما يرجع مرة أخرى يلقى الجمل ليركب عليه، فلا رجعوا ولا رجعت جمالهم، وإنما يرجعون إلى الله سبحانه تبارك وتعالى ليحاسبهم بأعمالهم.

    وكم من الناس ينظرون هذه الآيات ولا يعتبرون، بل ينبهرون بهذه الآثار، وينسون أن الله أخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ لأنهم كانوا كفاراً ولم يكونوا مؤمنين، وبعض الناس يفتخر بأجداده الفراعنة، ويزعم أنهم أهل حضارة، من الحضر، فالحضر: المدن، وعكسها البوادي، ولا يعتبر أن حضارتهم ذهبت، وذهبت حصونهم، وتهدمت الديار فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ [الحج:45].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها ..)

    قال الله تعالى مخاطباً الكفار الذين يجحدون نعم الله سبحانه، والذين يكذبون رسل الله عليهم الصلاة والسلام: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] العمى نوعان: عمى البصر وعمى القلب، فإن ذهبت العينان فهذا العمى، وإن ذهبت عين واحدة فهذا أعور وليس أعمى، فهنا ربنا سبحانه وتعالى يقول لنا: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، وفي سورة الإسراء يقول لنا: وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا [الإسراء:72]، يعني من كان أعمى في هذه الدنيا، والمراد عمى القلب، قيل: ذهب عبد الله بن أم مكتوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أنا أعمى، فهل يوم القيامة أكون أعمى؟ فنزلت هذه الآية: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، فالمقصود عمى الصدور، وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى [الإسراء:72] أي: أشد عمى، فأعمى أفعل تفضيل، ولا يأتي ذلك في العين، لا يقال: فلان أعمى من فلان؛ لأن هذا أعمى وهذا أعمى، هذا ذاهب البصر وهذا ذاهب البصر، وإنما عمى القلوب يأتي فيه أعمى الذي هو أفعل تفضيل، فهذا أشد عمى من ذلك، هذا في ضلال وذاك في ضلال أشد من ضلال الأول، وذاك أشد ضلالاً من هذا وذاك، فلذلك من كان أعمى في الدنيا فهو في الآخرة أعمى أي: أشد عمى، فالعمى الذي فيه التفاضل ليس هو عمى الأبصار، فعمى الأبصار يستوي، وإنما هو عمى القلوب.

    وقوله: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا [الحج:46] هل الإنسان يعقل بالقلب أو يعقل بالمخ الذي في رأسه؟ أكثر الناس يقولون: إن المخ هو الذي يعقل، والمخ هو الذي يفكر، والمخ هو الذي يشعر، والمخ هو الذي فيه الأحاسيس وفيه الحب وفيه العاطفة، لكن الله يقول: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46] ولا يمكن أن تكون مجازاً أبداً، لأنه قال: (القلوب التي في الصدور)، وهذه حقيقة عجيبة جداً، قال علماء التفسير وعلماء الحديث: القلب هو الذي يعقل؛ لأن الله عز وجل قال ذلك، وعلماء الطب يقولون: لا، القلب لا يعقل، والعقل في المخ.

    والشيخ الزنداني يذكر في هذه المسألة كلاماً عجيباً فيقول: إنه بقي مدة يتتبع مسألة العمى الذي في القلب، ويحاول ينظر في مراكز زراعة القلوب الموجودة في العالم، ويريد أن يسأل الناس الذين زرعت لهم قلوب: ما هو شعورهم؟ وما هي أحاسيسهم؟ وكيف عيشهم؟ وكان الأمر أنه كلما يذهب إلى مستشفى من هذه المستشفيات يرفض الأطباء أن يجعلوه يتصل بالمرضى، ويمنعون أي إنسان يدخل على المرضى، وذكر أنه قابل أستاذاً في الطب في جامعة الملك عبد العزيز ، وذكر له أنه نشر خبراً في جريدة منذ ثلاث سنوات ونصف أنهم اكتشفوا بأن القلب ليس مضخة للدماء فقط بل هو مركز عقل وتعقل.

    ومرت الأيام وإذا بمركز لتبديل القلوب يفتح بالأردن، فذهب إلى هنالك وعقد مؤتمر صحفي مع أهالي المريض الذي زرعوا له القلب، فقالوا: لو أنكم معنا في البيوت تشاهدون سلوك هذا الذي زرع له القلب ما غبطتمونا على هذا، وذكر بعض الأطباء المتخصصين في هذا الأمر أن صاحب القلب الجديد لا تكون فيه أي عواطف ولا انفعالات، ولا ينفعل بالظروف التي حوله، لا يخاف ولا يحب! وإذا قرب إليه خطراً بدا وكأنه لا شيء يتهدده، ولا يحس بهذا الخطر، ولا يخاف منه ولا يفزعه، بينما القلب الحقيقي يتأثر، وفيه وجدان، وفيه شعور, وفيه خوف، وفيه حب، قال: وإذا قربت منه شيئاً يحبه بدا وكأنك لم تقدم إليه شيئاً، فلا يوجد عنده أي شعور بالمحبة التي كانت موجودة فيه، فيكون كأنه صنم، قلبه بارد غير متفاعل مع سائر الجسد!

    واكتشفوا أن قلب الإنسان فيه هرمونات عاقلة، ترسل رسائل عاقلة إلى الجسم كله، وأن القلب مركز عقل وتعقل وليس مجرد مضخة، وهذا اكتشفوه قبل ثلاث سنين فقط، وهو في القرآن منذ ألف وأربعمائة سنة!

    فهذا من الإعجاز العلمي في هذا القرآن العظيم، فهذه حقيقة علمية مذكورة منذ ألف وأربعمائة سنة، ولا يعرفها الناس إلا قبل ثلاث سنين ونصف!

    يقول سبحانه تبارك وتعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا [الحج:46]، قلب يعقل ما حوله، ويعرف أن هذا الكون لابد أن له خالقاً سبحانه تبارك وتعالى، وأنه قادر مدبر حكيم، يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد سبحانه.

    أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا [الحج:46] يسمعون بها كلام رب العالمين، ويطبقونه في هذا الواقع الذي يعيشون فيه، فيعرفون الحق.

    فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ [الحج:46] لا تعمى الأبصار، فإذا ذهب بصر الإنسان فقلبه يكفيه في الاستدلال على الخير والهدى والرشاد، ولكن الذي يعمى هي القلوب، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ، يعميها الله سبحانه تبارك وتعالى، فإذا بالإنسان لا يتدبر ولا يعي ولا يفهم شيئاً مما حوله ولا يعتبر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب ...)

    قال سبحانه: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ [الحج:47]، يرينا الله صورة من صور عمى القلب، فقال: وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ [الحج:47] قيل: نزلت في النضر بن الحارث لما قال: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الأعراف:70]، وقيل: نزلت في أبي جهل لعنة الله عليهما لما قال: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، فمن صور العمى أن الإنسان يستعجل العذاب، فهل يعقل أن إنساناً عاقلاً يقول: يا ربّ إذا كان هذا حقاً فخذني، يا رب إذا كان هذا حقاً فأدخلني النار؟ الإنسان العاقل يقول: إذا كان هذا حقاً فأرشدني إليه، فدلني عليه، فادفعني إليه، ولكن هؤلاء لا عقل عندهم، وصدق الله: فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46].

    والله عز وجل يستدرج هؤلاء، فهم يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم ويدعون على أنفسهم، وأحياناً يقولون عن القرآن: إن القرآن عظيم، ليس بكلام البشر، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وهذا القائل هو الوليد بن المغيرة ومع هذا لم يؤمن بالقرآن!

    وأبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم كان يدفع الناس عن القرآن، وكلما ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أناس يدعوهم إلى الله سبحانه، يتبعه ويقول: أنا عمه، وأنا أدرى به، هذا مجنون فلا تصدقوه، هذا كذاب، وقد أنزل الله عز وجل فيه: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ [المسد:1-5] أي سيهلكه الله، وسيموت على الكفر ويدخل النار، فهذا الرجل لو كان عنده عقل كان سيقول: تتوعدني أنني أدخل النار لأني كافر، فهأنذا أقول: لا إله إلا الله، يقولها ولو نفاقاً حتى يدعي كذب القرآن، ولكنه ما قال هذه الكلمة، وأعماه الله سبحانه وتعالى عن التفكير في ذلك، ومات على كفره الذي هو فيه، وصدق الله العظيم فيما أخبر عنه.

    قال الله تعالى: وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ [الحج:47] الله لا يخلف الميعاد، فسيأتيهم العذاب، فتحقق ما توعدهم به في يوم بدر، وأهلك رؤساءهم وأساطين كفرهم، وتوعدهم بما يكون في قبورهم، وكل ما ذكره الله سبحانه تبارك وتعالى من أمر الدنيا والآخرة فهو حق ووعده آت.

    قال سبحانه: وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47]، هذه الأعمار الطويلة التي يعيشها الإنسان في هذه الدنيا هي في نظره عمر طويل، حتى إن أحدهم عاش ثمانين سنة فقال:

    سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم

    أما يوم القيامة فاليوم بألف سنة مما تعدون، فمن سئم من ثمانين سنة فستكون ثمانين ألف سنة في النار والعياذ بالله، يقول سبحانه: وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الحج:47] يعني: يوماً من أيام الآخرة بألف سنة مما تعدون.

    وقراءة الجمهور: مما تعدون وقراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف : مما يعدون يعني: مما يعد هؤلاء المشركون من أيام وليال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ...)

    قال الله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [الحج:48] قرى كثيرة أملى لها الله ثم أهلكها، إن بطش ربك لشديد، يملي لها ويتركها حيناً، فالإملاء هو الترك، حتى يظن الإنسان أن الله تركه ولن يعذبه، ولن يفعل به شيئاً حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا [يونس:24]، وانظر إلى التنكير هنا: (ليلاً أو نهاراً) نكرها للتقليل، يعني لحظة من الليل أو من النهار فهدمنا هذه القرى، وضيعنا هذه الحصون.

    وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا [الحج:48] أي: أنظرتها وأمهلتها مع عتوها استدراجاً لها وإملاء وهي ظالمة، ثم أخذتها يعني: بسبب ظلمها وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ [الحج:48] فأين سيذهبون من الله عز وجل؟ فمهما ذهبوا وصعدوا ونزلوا ففي النهاية المرجع إلى الله سبحانه تبارك وتعالى؛ لذلك على الإنسان أن يعد نفسه لهذا اليوم، فلا ينفعه إلا القلب السليم.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.