إسلام ويب

تفسير سورة الحج [39 - 40]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما أعز الله الإسلام فانتشر في بقاع الأرض، أمر الله المسلمين بالدفاع عن الدين والقيام بأمره والاجتناب لنواهيه، وإذا أراد المسلمون النصر من الله لابد أن يأخذوا بأسبابه حتى ينتصروا، ولولا هذا الدفاع والجهاد لما قامت للدين قائمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الحج: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:39-41].

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أنه قد أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وهذه أول آية نزلت في القتال، فالله سبحانه وتعالى كان يصبر المؤمنين وهم في مكة وينهاهم عن القتال، وكانوا يتمنون أن يقاتلوا، ولكن وضعهم في مكة كان ضعيفاً لا يقدرون أن يقاتلوا الكفار، ولو فعلوا لعل الهزيمة تكون أقرب إليهم، ولذلك ربنا سبحانه وتعالى صبرهم وأمرهم أن يصبروا، وأمرهم أن يجاهدوا بالقول، بأن يدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى، وكان يأمرهم بالعفو ويأمرهم بالصفح عن الكفار، وعما يفعلونه معهم شيئاً فشيئاً، حتى يعتاد المسلمون على الصبر، ثم بعد ذلك لما هاجروا إلى المدينة أذن الله عز وجل لهم أن يقاتلوا في سبيله سبحانه.

    قال تعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الحج:39].

    (أُذن): أي جاء الإذن من الله عز وجل والإعلام منه سبحانه، وفيها قراءتان، نصف القراء يقرءون: (أُذن) والنصف الآخر يقرءون: (أَذِن)، يعني: الله سبحانه وتعالى أذن للمؤمنين.

    (أُذن) على البناء للمجهول، والآذن هو الله سبحانه وتعالى، يعني: أعلمهم وأمرهم أن يجاهدوا في سبيله سبحانه وتعالى، فقرأ: (أُذن) نافع وأبو جعفر المدنيان، وقرأها البصريان: أبو عمرو ويعقوب ، وقرأها عاصم من الكوفيين، وباقي القراء يقرءونها: (أَذِن) يعني: الله سبحانه وتعالى.

    قوله تعالى: (للذين يقاتَلون) وأيضاً القراءة الأخرى: (للذين يقاتِلون) وهم المؤمنون، قاتلهم الكفار فقاتلوا ودفعوا عن أنفسهم، فقرأها: (يُقاتَلون) نافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص عن عاصم ، وباقي القراء يقرءونها: (للذين يقاتِلون بأنهم ظلموا).

    فالمؤمنون مقاتِلون ومقاتَلون، يقاتلون في سبيل الله ويدفعون عن أنفسهم، فقد جاءهم الكفار ليقاتلوهم، وجاءهم الكفار ليفتنوهم عن دينهم، فقاتل المؤمنون، وأذن الله عز وجل لهم في هذا القتال بعدما منعهم فترة طويلة، وكانوا يتمنون أن يجاهدوا في سبيله ويقاتلوا الكفار، ويقولون: لولا نزلت سورة، لولا نزلت سورة، فكان سبحانه وتعالى يصبرهم على ذلك، اصبروا حتى يأتي أمر الله سبحانه، فأتى أمره وأذن لهم بأن يقاتلوا في سبيل الله سبحانه.

    من أسباب النصر

    قال: وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39] فالله سبحانه وتعالى قادر على نصرهم وهم في مكة، وقادر على نصرهم وهم في المدينة، وقادر على نصرهم في كل مكان، ولكنه لم ينصرهم على الكفار وهم في مكة، ولم يظهر هذا الدين، ولم يذل الكفار في مكة؛ لأن النصر له أسباب، والأمر ليس مع المؤمنين الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى ينتصروا، ولكنها تربية للمؤمنين الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم وجهاد وبذل وتضحية وسنة يسنونها لمن بعدهم، فلذلك لو أن هؤلاء نزلت الملائكة معهم وقاتلت معهم في كل قتال، لأتى الذين من بعدهم يقولون: لا نقدر على القتال، هؤلاء كانت الملائكة تنزل معهم في كل غزوة، هؤلاء كانوا ينتصرون في كل حرب، هؤلاء لم يعانوا، ونحن نعاني ونحن نقاتل ونحن لا تنزل معنا الملائكة، فلا نستطيع؛ فيتركون الجهاد في سبيل الله، ولكن الله عز وجل جعل هؤلاء مع النبي صلى الله عليه وسلم يقاتِلون ويقاتَلون، يغلِبون ويُغلبون، يقتلون ويُقتلون، الحرب دول تدور عليهم مرة ويكون لهم النصر مرة، فربنا سبحانه وتعالى جعلهم الأسوة الحسنة، قال تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، فانتصر النبي صلى الله عليه وسلم في غزوات وفي غزوات أخر لم ينتصروا، فالله عز وجل له حكمة بالغة كما ذكرنا في الحديث عن غزوة أحد قبل ذلك.

    فهنا أذن الله عز وجل لهؤلاء الذين يقاتلون في سبيله بأنهم مظلومون، وأن الله عز وجل سينصرهم سبحانه، ولكن بشروط النصر، قال تعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7] وقال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ [الأنفال:60].. وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23].

    كذلك إذا نصرك الله عز وجل فاعلم أن النصر من عند الله وليس من عندك، وأن التوفيق منه، قال سبحانه: وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ [هود:88]، وأنك إذا أخذت بأسباب القوة ورميت الكفار فاعلم أن الله قال: وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى [الأنفال:17]، فالذي يسدد رميتك والذي يصوبها والذي يوصلها إلى الكافر هو الله سبحانه وتعالى.

    ومن أسباب النصر اليقين، والأخذ بأسباب القوة، من الاستعداد النفسي والبدني واستعداد بالسلاح للكفار، والتوكل على الله، والإخلاص له سبحانه، والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فإذا حصلها المسلمون نصرهم الله سبحانه وتعالى، وإذا لم يحصلها المسلمون لا ينتظرون نصراً من الله سبحانه؛ لأنهم لم يأخذوا بالأسباب.

    إذاً: الله على نصر المؤمنين قدير، ولكن لم ينصرهم في مكة، ولم يفرض عليهم الجهاد سبحانه وتعالى؛ لأن أسباب النصر لم تكن معهم، وليس معهم عدد يصلح للقتال، ولا معهم عُدد تمكنهم من ذلك، ولا تميزوا عن الكفار فكلهم في مكان واحد، وكانوا وما زالوا محتاجين لتربية يربيهم النبي صلى الله عليه وسلم على أمر الله سبحانه، حتى إذا استطاعوا أن يقاوموا الكفار فرض الله عز وجل عليهم القتال، وقال: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ [الحج:39].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق...)

    قال سبحانه: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40].

    هؤلاء المظلومون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق، تركوا الديار وفيها الأموال وفيها أهلوهم الذين رفضوا أن يأتوا معهم، وتركوا هناك في مكة كل ما يحبون، وهاجروا إلى المدينة مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، وخرجوا وقد آذاهم الكفار أشد الأذى، خرجوا بغير حق، بل أخرجوا بغير حق.

    قوله تعالى: إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا [الحج:40] أي: أخرجوا بسبب أنهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، والاستثناء منقطع والمعنى هنا: أخرجوا بغير حق، ولكن أخرجوا؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، فليس حقاً من الكفار أن يخرجوا هؤلاء؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ولكنه هذا هو الظاهر منهم، فلذلك هذا استثناء منقطع هنا، قال سبحانه: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ [الحج:40] يعني: ولكن لكونهم يقولون: لا إله إلا الله، فأخرجهم الكفار.

    رَبُّنَا خالقنا.

    اللَّهُ الذي نعبده سبحانه وتعالى.

    والكفار قسموا الأمر جزأين: (ربنا) الذي يخلق ويرزق ويفعل وكذا، والآلهة نعبدها غير هذا الرب؛ لأن الآلهة توصل إلى الرب، فكأنهم قالوا: ربنا يخلق ويرزق هذا شأنه سبحانه، ونحن نعبد الأصنام من دون الله، أما المؤمنون قالوا: لا، الله هو الذي يخلق وهو الذي يستحق أن يعبد، فالرب هو الله واحد لا شريك له سبحانه وتعالى.

    معنى قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض)

    قال الله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا [الحج:40] يدفع الله الناس بعضهم ببعض، يدفع إنساناً قوياً بإنسان قوي آخر، يدفع أمة قوية بأمة قوية أخرى؛ حتى يستطيع الضعيف أن يعيش وسط هؤلاء، فيدفع الله عز وجل الناس بعضهم ببعض، لو ترك القوي يغلب لضاع الضعفاء في الوسط، ولكن الله عز وجل يسلط من يشاء على من يشاء، ويشغل من يشاء بمن يشاء سبحانه وتعالى، ويقوي أمر دينه بمن يشاء سبحانه وتعالى.

    (دفعُ) هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر ويعقوب وَلَوْلا دفاع اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ وهو نفس المعنى: يدفع ويدافع، يعني: يحرك هؤلاء على هؤلاء، ويهيج هؤلاء بهؤلاء.

    وهنا يدفع الله عز وجل الظالم بغيره فيبعده عن ظلمه، فقال العلماء في ذلك: لولا ما شرعه الله سبحانه وتعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، فإن هذا وجه من الوجوه، أن الله سبحانه وتعالى يشرع شرائع لعباده المؤمنين، فيدفعون الكفار ويجاهدونهم.

    واختلفت أقوال المفسرين في قوله سبحانه: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الحج:40] فمن قائل: أنه لولا ما شرعه الله سبحانه وتعالى للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء، لاستولى أهل الشرك وعطلوا ما بنته أرباب الديانات من مواضع العبادات، والمعنى: أن الله شرع الجهاد، فلولا هذا الجهاد لاستولى الظلمة على الأرض جميعها بقوتهم، ولكن الله سبحانه وتعالى فرض الجهاد، فدافع المؤمنون في سبيل الله سبحانه، ودفعوا ظلم هؤلاء الظلمة.

    كذلك يقول العلماء: جاء عن علي رضي الله عنه: ولولا دفع الله لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الكفار عن التابعين فمن بعدهم، والمعنى: أن المجاهدين مع النبي صلى الله عليه وسلم دفع الله عز وجل بهم الكفار أن يظلموا من يأتي بعد ذلك من المؤمنين.

    وقال مجاهد : ولولا دفع الله ظلم قوم بشهادة العدول، فهذا معنى آخر من المعاني، أن الله سبحانه وتعالى جعل القاضي إذا أراد أن يحكم لابد من شهادة ولابد من يقين عنده، حتى تصل الشهادة بالقاضي إلى درجة اليقين بأن هذا مستحق للعقوبة فيعاقبه، فهؤلاء الشهود شهادتهم دفعت الظالم عن ظلمه، هذا قول من الأقوال.

    وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لولا أن الله عز وجل يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد، وبمن يغزو عمن لا يغزو لأتاهم العذاب، وهذا معنى آخر، وفيه أن الله سبحانه يدفع العذاب عن القوم وإن كان فيهم فساق، بمن فيهم من المؤمنين، ولولا أن المؤمنين يستغفرون الله سبحانه ويصلون لله عز وجل لعم العذاب الجميع.

    وقالوا: لولا دفع الله العذاب بدعاء الفضلاء.

    إذاً: هنا يدفع الله عز وجل شيئاً بشيء، وأسباب دفع البلاء: الاستغفار، الصلاة، المواظبة على طاعة الله عز وجل من المؤمنين، قال سبحانه: وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال:33].

    فقال الله سبحانه: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ [الحج:40] هذا عموم يدخل فيه جميع ما ذكره المفسرون، أن الله سبحانه يدفع الناس بعضهم ببعض، ويشغل بعضهم عن بعض بما يأتي به سبحانه وتعالى من قوة لهؤلاء تدفع قوة هؤلاء، ويعيش الضعفاء ويعيش المؤمنون في وسط هؤلاء.

    ويفرض الجهاد على المؤمنين فيأخذون بأسبابه، ويدافعون عن دين الله سبحانه، فينصرهم الله ويعز دينه سبحانه وتعالى وهكذا..، فيدفع الله الناس بعضهم ببعض.

    معنى قوله تعالى: (لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد ...)

    لولا ذلك: لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا [الحج:40].

    قوله تعالى: (لهدمت صوامع) الصوامع: جمع صومعة، وهي بناء مرتفع حديب لأعلى، بمعنى: أنه بناء ضيق مرتفع شكله مثل الخيمة، ولكنها من طين أو من طوب ونحو ذلك.

    وأصحاب الصوامع هم العباد الذين يتعبدون في هذه الصوامع، إذ يبني العابد لنفسه خيمة من طوب على قدره فيصلي فيها ويتعبد فيها، فيقال: الصومعة: المكان الضيق أو البناء المرتفع الحديب لأعلى.

    وكان قبل الإسلام الصوامع مختصة برهبان النصارى وبالعباد الصابئين، قالوا: وهي على هيئة المئذنة التي تكون عند المسلمين، بمعنى: أنها بناء ضيق مرتفع، شكلها مثل المئذنة موضوعة على الأرض كان يتعبد فيها عباد النصارى.

    (البِيَع) جمع بيعة وهي كنيسة للنصارى.

    إذاً: الصوامع للعباد من النصارى، والبِيَع كنائس للنصارى.

    (وصلوات) وهي كنائس اليهود.

    (ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً) المساجد هنا قرنت بذكر الله سبحانه وتعالى.

    إن هذه الأماكن الأخرى في عهد أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام كان يذكر فيها اسم الله كثيراً، فلما مات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ورفع عيسى عليه الصلاة والسلام، إذا بهم يعبدون غير الله، فيذكرون غير الله سبحانه ويشركون بالله، وما بقي في الأرض بيت يعبد فيه الله سبحانه ويذكر فيه الله كثيراً إلا المساجد للمسلمين؛ ولذلك هنا أخّر المساجد ولم يبدأ بها لكي تكون بجوار قوله سبحانه: يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ، وكأن هذه السابقة كان يذكر فيها اسم الله كثيراً في عهد الأنبياء وقريباً من عهد الأنبياء، ثم بعد ذلك تحرفت الديانات، فعبدوا غير الله وأشركوا بالله سبحانه، ولم يبق مكان يذكر فيه الله سبحانه وتعالى حقاً بغير شرك إلا بيوت الله المساجد.

    معنى قوله تعالى: (ولينصرن الله من ينصره)

    ثم يأتي وعد الله سبحانه: وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ [الحج:40]، هذا وعد من الله سبحانه وتعالى، وقال: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ [محمد:7]، فالذي ينصر الله الله ينصره، والذي ينصر غير الله فليبحث عن النصر عند غير الله سبحانه؛ لأنه لا يستحق نصراً من الله سبحانه وتعالى.

    لذلك الذي ينظر في أحوال المسلمين، وينظر لماذا المسلمون في هزيمة دائماً، ولماذا هم في ذل دائماً، ولماذا هم كلما يدخلون في شيء يصابون بالخيبة والحرمان والذل فيها، فالسبب لأنهم لم يكونوا ينصرون الله سبحانه وتعالى، والذي ينتصر، يقول: أريد الأرض، وأريد الحرية، يقصد الديمقراطية.. والعلمانية، أما دين الله فلا أحد يدافع عنه؛ لأنهم لو تكلموا عن دين الله يؤذيهم الكفار؛ لأن الكافر يريد الديمقراطية، والديمقراطية تعني: حكم الشعب نفسه بنفسه، والإسلام: حكم الله للخلق، وهنا لا يتفق أبداً دين مع ديمقراطية على المعنى الذي هو فيه، وكثير من المسلمين يفهمون معنى الديمقراطية على أنها حرية، وبعد ذلك يفهم أن الحرية أن يتجرد عن كل شيء، وأن يتحرر حتى من الدين، لا أحد يتدخل به، كل إنسان في حاله، والذي يعصي الله ليس لأحد شأن بالمعصية طالما أنه لم يخالف القانون، فيبعد عن الطاعة، ويمشي عرياناً ويرتدي ما يريد طالما أنه في خط القانون، والقانون: ما حكم به الناس بعضهم بعضاً، أما الدين فهو شرع الله سبحانه وحكم الله سبحانه، ولا يتفق أبداً دين مع ديمقراطية في أصل مسماها؛ لأن هذا حكم الناس لأنفسهم، وحكم الشعب لنفسه، وتشريع الشعب لنفسه، والإسلام دين الله عز وجل وحكم الله سبحانه، قال تعالى: إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [يوسف:40]، وقال أيضاً: أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ [آل عمران:83]، وقال: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، فالدين دين الإسلام، دين الاستسلام لله رب العالمين سبحانه.

    ويخطئ المسلم حين يظن أن الإسلام هو الديمقراطية؛ لأنه لم يفهم معنى الديمقراطية، الديمقراطية عند أهلها: أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، وأن يشرع الشعب لنفسه، فله مجلس تشريعي، ولا يتدخل بالديانة، فالعلمانية شيء بعيد عن الدين، يعني: اللادينية، فهنا لا تأتي بتشريع من السماء وتقول: نحن نحكم أنفسنا بأنفسنا، والدين هو الصلاة والصوم ونبتعد عن أي شيء آخر!

    فقوله تعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ [محمد:7] أي: تنصروا دين الله سبحانه وتعالى، لا تنصرون مذاهب، ولا تنصرون ديانات، ولا تنصرون شيئاً غير ما أمر الله عز وجل بنصره وهو دين الله سبحانه، فنصر الله عز وجل للمؤمنين بأن يتوكلوا على الله، ولا يتوكلوا على المشرق ولا على المغرب، وأن ينصروا دين الله ولا ينصروا شيئاً سواه، فإذا نصروا دين الله وأقاموا شرع الله سبحانه وتعالى، نصرهم الله سبحانه، فالكثير في وقت الحروب يقولون: نريد أن نقيم دين الله، نحن المسلمون ونحن كذا، وعندما ينصرهم الله فإن أول شيء يقولونه: العلمانية والديمقراطية، ويتقربون للشرق وللغرب، ويبتعدون عن ربهم سبحانه وتعالى! فهل ينتظر هؤلاء أن ينصرهم الله سبحانه؟! هم لم يطلبوا النصر من الله، ولم يستنصروا به سبحانه، وإنما استنصروا بالمشرق والمغرب، لذلك المؤمن الذي يريد أن يعرف دين الله لابد أن يدرس القرآن ويدرس السنة، ويعرف كيف أن هذا الدين دين عال لا شيء يوازيه، ولا شيء معه، ولكن الدين وحده هو الذي يقيم آخرتك والذي يقيم لك دنياك.

    قال تعالى: إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [محمد:7]، نسأل الله عز وجل أن ينصر الإسلام والمسلمين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم على محمد وآله وصحبه أجمعين.