إسلام ويب

تفسير سورة الحج [15 - 22]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله ناصر رسوله، ومتم نوره، وسينتقم الله يوم القيامة من كل من أعرض عنه ولم يتبع النور الذي جاء به، ويهينه الله ويحق عليه عذابه؛ لأنه أعرض عن عبادته وتوحيده، ولم يسجد لله كما يسجد له من في سماواته وأرضه، وقد أخبرنا الله في كتابه بصور فضيعة من أنواع العذاب الذي سيلقاه من كفر به وكذب بآياته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    قال الله عز وجل: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ * وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:15-18].

    أخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى أنه ينصر عبده صلوات الله وسلامه عليه فقال: مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ [الحج:15].

    كأنه ييئس الكفار من أن يطمسوا نور الله سبحانه ويطفئوه، فالله عز وجل متم نوره سبحانه تبارك وتعالى، ولو كره الكافرون، فإن كرهوا واغتاظوا من أن الله ينصر رسوله صلى الله عليه وسلم وينصر دينه قال: (فليمدد) أي: المغتاظ منهم بحبل إلى السماء: ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ [الحج:15].

    يعني فليذهب فيقتل نفسه فيمت غيظاً وحنقاً، فهل يذهب هذا الذي صنعه بنفسه ما يغيظ؟ لن يذهبه ولكنه في الدنيا يخنق نفسه، ويتحول إلى غضب الله سبحانه تبارك وتعالى وعذاب رب العالمين.

    والمعنى الآخر: فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ [الحج:15] يعني يحاول الصعود إلى السماء وينظر هل يقدر أن يمنع نصر الله الذي ينزل من السماء على رسوله صلى الله عليه وسلم؟ ولينظر هل يقدر أن يمنع هذا القرآن من النزول من السماء؟ قال: فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ [الحج:15] يعني كل ما يكيده وكل ما يصنعه للحيلولة دون نصر النبي صلى الله عليه وسلم ودون إبلاغه صلى الله عليه وسلم، فليحاول الصعود إلى السماء، وينظر هل يقدر أن يمنع نصر الله الذي ينزل من السماء على رسوله صلى الله عليه وسلم؟ ولينظر هل يقدر أن يمنع هذا القرآن من النزول من السماء؟

    قال: فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ [الحج:15] لا يقدر أن يمنع نصر الله سبحانه، ولا أن يمنع نزول القرآن من السماء، حتى ولو خنق نفسه!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وكذلك أنزلناه آيات بينات ... )

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الحج:16] أي: كهذا الإنزال، وهذا الذي تسمعونه يتلى عليكم أنزلنا من السماء آيات هذا القرآن العظيم آيات بينة واضحة فيها الهدى وفيها الرحمة وفيها الشفاء.

    وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ [الحج:16]، فالهدى هدى الله سبحانه تبارك وتعالى، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي بفضله، ويضل من يشاء ويبتلي عدلاً، فيضل من يشاء بعدله، ويهدي من يشاء بفضله، ولا يملك أحداً من الله شيئاً سبحانه تبارك وتعالى، فأنزل الله عز وجل هذا القرآن آيات بينات واضحة ومع ذلك تعمى على من يعمي الله سبحانه تبارك وتعالى قلبه، فالإنسان الأعمى لا يرى هذا الشيء البين الواضح الذي يراه الإنسان المبصر، فربنا سبحانه يخبر أن الهدى هداه، وأنه يهدي من يريد، ويهدي من يشاء سبحانه تبارك وتعالى، فمن لم يهده الله سبحانه مهما جمعت له الآيات ومهما وضحت له الحجج، فلا سبيل للهدى لهذا الإنسان، فإن الله يهدي من يريد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( إن الذين آمنوا والذين هادوا ... )

    قال الله: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا [الحج:17] هؤلاء هم المسلمون والكفار، فذكر المؤمنين وذكر المناوئين لهم الذين هادوا يعني اليهود، والصابئين الذين عبدوا النجوم من دون الله سبحانه تبارك وتعالى فصبئوا وخرجوا عن دين رب العالمين سبحانه، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر المدنيين (والصابين).

    والنصارى هم الذين عبدوا المسيح من دون الله سبحانه تبارك وتعالى، والمجوس هم الذين عبدوا النيران من دون الله سبحانه، والذين أشركوا هم الذين عبدوا الأوثان، وكل من زعم لنفسه إلهاً ادعاه وعبده من دون الله عز وجل؛ كل منهم يزعم أنه على صواب ويخطئ غيره، فالله عز وجل يقول: إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ [الحج:17] أي يقضي ويفتح بينهم يوم القيامة، ويقضي سبحانه بين هؤلاء يوم القيامة، وإن ظنوا في الدنيا أنهم على شيء، ولكن يوم القيامة تظهر الحقائق وأنهم ليسوا على شيء بل كانوا على ديانات باطلة إلا الذين آمنوا.

    قال الله: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ [الحج:17] يشهد عليهم يوم القيامة، فقد أحصى عليهم كل شيء فعله، وكل شيء قالوه، وكل شيء زعموه واعتقدوه، فالله عز وجل يوم القيامة كفى به شهيداً على هؤلاء، أحصى أعمالهم وسيجازيهم ويحاسبهم عليها يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض .. )

    قال سبحانه تبارك وتعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ [الحج:18].

    لما ذكر الله الذين اختلفوا في عبادة رب العالمين، ناسب أن يذكر أن هنالك من لم يختلف في عبادة ربه سبحانه تبارك وتعالى، وعبدوه، وما يكون هؤلاء الكفرة بجوار هذه الأشياء العظيمة؟ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا [النازعات:27-28].

    فالله سبحانه تبارك وتعالى خلق السماوات وخلق كل ما فيها، وهم أكثر من البشر بكثير، وأقوى منهم بكثير، وكلهم يسجد لله طائعاً ويعبد ربه سبحانه ويسبح بحمد ربه، قال الله: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا [الإسراء:44]، فالذين كفروا بالله سبحانه لا قيمة لهم، إنهم قوم في الأرض، والأرض كلها ما تساوي ذرة في ملكوت الله سبحانه تبارك وتعالى!

    الرؤيا هنا رؤية قلبية، يعني: ألا يعتقد قلبك وعقلك ذلك، فأنت ترى تسخير الله سبحانه تبارك وتعالى لهذه الأشياء، فهي مسخرة بقدرة الله سبحانه، فهي متحركة بأمر الله سبحانه تبارك وتعالى، النجوم والكواكب والشموس والأقمار كلها خلقها الله، وخلق لها مساراتها التي تسير فيها طائعة أو كارهة، تسير في هذا المسار، فالله عز وجل خلق السماوات والأرض وقال لهما: اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت:11]، قالتا: أتينا طائعين، ولسنا كارهين لعبادته، ولسنا مكرهين على ذلك، ولكننا أتينا طائعين.

    فربنا يقول للخلق: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ [الحج:18] سجوداً حقيقياً، وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس تسجد تحت عرش الرحمن حتى يأذن لها سبحانه فتطلع من مشرقها، ثم يوم القيامة لا يؤذن لها فتطلع من مغربها، فكل شيء يسجد لله مطيعاً وكارهاً، فالسجود بمعنى الطاعة، والسجود بمعنى العبادة لله، فيسجد له كل شيء من الخلق.

    قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ [الحج:18] من في السماوات من ملائكة ومن خلق يعلمه الله سبحانه: وَمَنْ فِي الأَرْضِ [الحج:18] كل من في الأرض من الإنسان والجان والحيوان والدواب والحشرات والجماد والنبات، فلما سجدوا لرب العالمين عاملهم معاملة العقلاء؛ لأنهم يسجدون ويسبحون؛ فلذلك قال: (من) وما قال: (ما) قال هنا: (من في السماوات ومن في الأرض)، وإن كان فيها الجمادات.

    قال: وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ [الحج:18] نصص على هذه لأن من الخلق من عبد الشمس من دون الله سبحانه، ومنهم من عبد القمر من دون الله، ومنهم من عبد الكواكب من دون الله، فقال: وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ [الحج:18] كل هذه تسجد لرب العالمين مطيعة له سبحانه تبارك وتعالى.

    قال: وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ [الحج:18] الجبل يسجد لرب العالمين، والكافر يأخذ حجراً من الجبل يعبده من دون الله سبحانه! والشجر يسجد لرب العالمين، وذاك يأتي بشجرة يغطيها ويعبدها ويقول: هذه الإله من دون الله سبحانه تبارك وتعالى! فهذه الكائنات كلها أعقل من الكافر الذي لا يعبد ربه سبحانه.

    قال: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ [الحج:18] كل ما يدب على الأرض وكثير من الناس، كثيرون منهم، وأما الأكثر فكما قال الله: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام:116]، فالأقل المؤمنون، والأكثر الكفرة، فالمؤمنون كثيرون وهم يعبدون الله ويسجدون له سبحانه، وغيرهم حق عليهم العذاب، وهم الأكثر الذين عبدوا غير الله سبحانه.

    معنى قوله تعالى ( ومن يهن الله فما له من مكرم)

    قال الله تعالى: وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ [الحج:18] إذا أهان الله خلقاً من خلقه فمن يكرم هذا الخلق؟

    من أمر الله عز وجل به إلى النار لا أحد ينجيه من غضب الله الجبار، من أمر الله عز وجل به أن يعذب وأن يهان فمن يقدر يرفع عنه ذلك؟ من يهنه الله سبحانه فلن تجد من يكرمه.

    وأي أهانة أعظم من أن يدخله الله جهنم، فإذا سألوا ربهم العفو وإذا سألوا ربهم الخروج، عاملهم معاملة الكلاب فقال: اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108]، وهذه كلمة تقال زجراً للكلب، وتقال لأهل النار والعياذ بالله.

    إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [الحج:18]، لما ذكر الله أن من يهن الله فما له من مكرم، فالإنسان ليس له أن يقول أي كلمة يوم القيامة، ليس لك شيء عند رب العالمين سبحانه، ليس لك إلا عملك، فإذا صلح العمل أصلح الله حالك، وأصلح طريقك إلى الجنة، وإذا فسد العمل كان الإنسان في النار والعياذ بالله، والله يفعل ما يشاء سبحانه تبارك وتعالى ولا اعتراض على فعله، ومن يعترض فماذا ينفعه هذا الاعتراض على رب العالمين، فقد قال: لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء:23]، فإذا اعترض فله نار جهنم وله الهوان يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( هذان خصمان اختصموا في ربهم .. )

    قال سبحانه: هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج:19] المؤمنون والكفار، والعبرة بعموم اللفظ وإن كان سبب النزول سبب خاص.

    يذكر الإمام البخاري أنها نزلت في علي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم، هؤلاء فريق مع فريق آخر من الكفار وهم عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة ، وذلك في يوم بدر حين خرج هؤلاء الكفار وطلبوا من المؤمنين من يخرج إليهم للمبارزة، فخرج إليهم من المؤمنين علي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ، وكلهم من آل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليه، فاقتتلوا فجرح عبيدة بن الحارث وقتل الثلاثة الكفار لعنة الله عليهم، قال علي بن أبي طالب : أنا أول من يجثو للخصومة يوم القيامة، ويذكر أن هذه الآية نزلت في هذا الفريق من المؤمنين، وهذا الفريق من الكفار، والعبرة بعموم اللفظ، فهي نزلت فيهم وفي غيرهم من كل من خاصم من الكفار، فيوم القيامة يفصل الله عز وجل بينهم.

    قال الله: هَذَانِ خَصْمَانِ [الحج:19] هذا فريق من المؤمنين اختصم مع فريق من الكفار، والخصومة في من هو المعبود الحق؟ وما هو الدين الحق؟ والكفار تعصبوا لرأيهم، ولم ينظروا بعقولهم إلى هذا الدين الحق الذي جاء من عند رب العالمين، فيوم القيامة يفصل الله ويقضي بينهم.

    صور من عذاب النار

    قال الله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج:19-20].

    الكفار في الدنيا علوا واستكبروا ورفضوا دين الله سبحانه، وجادلوا بالباطل، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ [القصص:39]، فإذا جمعهم الله يوم القيامة يكون مصيرهم كما قال الله: فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ [الحج:19].

    قطعت لهم كما يفصل للإنسان ثوب من القماش على مقاسه، فهم فصلت لهم ثياب من نار جهنم على قدر أحجامهم يوم القيامة.

    قال الله: يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ [الحج:19] الحميم السائل الذي بلغ أقصى درجات الحرارة، ولا يقاس به سائل في الدنيا أبداً، وأصل الحميم الماء الساخن، ولكن لن يجدوا مثل هذا الماء في نار جهنم، وإنما سوائل ساخنة ملتهبة بقدر عظمة النار وشدة لهيبها، وهذا الحميم يحصل به أنه يصهر به ما في بطونهم والجلود، ولو أن إنساناً انصب عليه ماء مغلي في الدنيا فإنه يحرق الجلد الخارجي منه، أما هذا يصب من فوق الرأس فيصهر ما بداخل الإنسان يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ [الحج:20]، يصهر به ما في بطونهم من أمعاء ومن معدة وغيرها والعياذ بالله!

    يصهر يعني يذاب ما في بطونهم والجلود من الداخل والخارج، وبدأ بالداخل لأنه غير متوقع، فالعادة أن الشيء الحار يحرق الإنسان من الخارج، أما من الداخل فلا يحرقه، لكن هذا يكون يوم القيامة والعياذ بالله.

    ومع هذا لا يموتون، كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ [النساء:56]، عذاب لا يرفع عن هؤلاء والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ولهم مقامع من حديد )

    قال الله تعالى: وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ [الحج:21] المقامع جمع مقمعة، وهي آلة من حديد يساق بها الفيل، وهي معكوفة الرأس، يضرب بها على الفيل من أجل أن يمشي، فهؤلاء في نار جهنم يعاملون معاملة الحيوان، فيضربون بهذه المقامع، وكأنها مرزبة من حديد يضرب بها هذا الإنسان على رأسه، كلما أرادوا أن يخرجوا من نار جنهم يعادون فيها مرة أخرى، ولهم مقامع من حديد، قالوا: والمقامع أيضاً السياط، وأصلها من أقمعت الرجل بمعنى ضربته حتى أذل وأهين بهذا الضرب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها ...)

    قال سبحانه: كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا [الحج:22] يريدون أن يفروا من النار، وتأتي عليهم النار مثل أمواج البحر، ترفعهم إلى أعلاها فيظنون أنه يمكن أن يهربوا من أعلى النار، فإذا ارتفعوا إذا بالملائكة تضربهم على رءوسهم بهذه المقامع من حديد، كلما أرادوا أن يخرجوا منها من النار من شدة غمهم أعيدوا فيها بهذا الضرب المخزي ويقال لهم: وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [الحج:22] ذوقوا هذا العذاب خالدين فيه أبداً، ويقال: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [آل عمران:182].

    والإنسان المؤمن عندما يستشعر ذلك، ويدخل قلبه الإيمان؛ يخاف من رب العالمين، ويخاف من هذا اليوم، وما يؤمنه أنه يدخل النار وقد قال الله سبحانه: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا [مريم:71]؟! فهذه آيات مهولة مخيفة تزعج الإنسان وتجعله يخاف من رب العالمين، والمطلوب هو الخوف من الله، الخوف الذي يدفع الإنسان لطاعة الله سبحانه، ويمنعه من المعصية.

    نسأل الله عز وجل أن يعيننا على طاعته، وأن يجنبنا معصيته.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.