إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف [78 - 84]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أخبر سبحانه أنه جاء للناس بالحق من عنده، وبينه ووضحه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم من آمن به ومنهم من كفر، والمشركون كرهوا هذا الحق، وكرهوا من نزل عليه الحق، وسبب كراهتهم لهذا الحق أنه يخالف أهواءهم وشهواتهم، أما سبب كراهتهم للرسول صلى الله عليه وسلم فهم حسدهم له، وقد تمنوا أن ينزل القرآن على رجل من القريتين عظيم، مع أنهم يعلمون صدقه وأمانته وأخلاقه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في آخر سورة الزخرف: لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ * أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ * أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ * سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمْ الَّذِي يُوعَدُونَ * وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [الزخرف:78-84] في هذه الآية يخبر الله سبحانه وتعالى أنه جاءنا بالحق من عنده، وأن أكثر هؤلاء الكفار المشركين لا يؤمنون، بل يكرهون هذا الذي جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه من عند ربه، وسبب كراهتهم لذلك أنهم نفسوا على النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء به وحسدوه، وتغيظوا عليه كيف يكون رجلاً منهم وليس هو بأكبرهم سناً، وليس بأغناهم وليس هو الزعيم فيهم، ومع ذلك ينزل عليه هذا القرآن دون غيره؟!

    قال تعالى: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31].

    يقول الله عز وجل: لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ يعني: الذي أنزل عليه هو هذا القرآن وهو الحق الذي جاء من عند رب العالمين، فاعمل به وانظر فيه، وانظر إلى المعجزة التي جاءت من عند رب العالمين، ولا تنظر على من نزلت هذه المعجزة، ولو نظروا نظرة صحيحة لعرفوا أن هذا هو أحق من ينزل عليه القرآن؛ فهو الأمين وهو الصادق صلى الله عليه وسلم بقولهم وبشهادتهم، فهم الذين استأمنوه، وهم الذين لقبوه بالصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وعلموا أنه أفضلهم وأكرمهم وأشرفهم حسباً ونسباً عليه الصلاة والسلام، فكونهم يبغضون ما جاء من عند رب العالمين فالله علم منهم ذلك، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم وقد كذبوه: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام:33] يعني: لا تحزن، إذا كانوا يقولون: أنت كاذب، فإنهم في الحقيقة لا يكذبونك أنت، فهم يقولون: إنك أنت الصادق الأمين، ولكنهم يجحدون، يعني: يتكلمون بما يعرفون في أنفسهم أنهم كاذبون فيه، فالذي يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم ويقول: أنت كاذب هذا جاحد؛ لأنه يكذب الحق الذي علم أنه حق، وفرق بين الإنكار والجحود، فإنكار الشيء: أن تنكر ما لا علم لك به، فتنكر ما لا تعلمه، أما الجحود فأنت تعلم هذا الشيء ومع ذلك تنفيه وتنكره، فلذلك ربنا سبحانه يصف هؤلاء بأنهم جاحدون، يجحدون ما جاء من عند الله، فهم مقرون في أنفسهم أن هذا لا يمكن أن يكون كلام البشر وإنما هو كلام رب العالمين؛ ولكن لحسدهم للنبي صلى الله عليه وسلم يجحدون ما جاء به، فيظهرون الإنكار مع وجود الإقرار في قلوبهم والاعتراف بأن هذا حق وأن هذا من عند رب العالمين سبحانه، فقال لهم سبحانه: لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ [الزخرف:78]، فكرهوه؛ لأنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحرم عليهم أشياء كانوا يستحلونها من خبائث وخمر وأكل ميتة وغير ذلك، فحرم عليهم أشياء كانت في أموالهم، فلذلك كرهوا هذا الحق، والإنسان في الغالب حين تقول له: لا تفعل كذا لشيء يشتهيه ويريد فعله فإنه يتغيظ ويقول لك: ولماذا لا أعمل هذا الشيء؟ وكيف تأمرني وتنهاني وأنا أفعل هذا الأمر طيلة حياتي الماضية؟ هو لا ينظر إلى المصلحة التي تتعلق به في أمر الدين، وإنما ينظر إلى أنه اعتاد هذا الأمر وأنه يهواه، ولذلك قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23] أي: مثل ما عمل آباؤنا نعمل نحن، فكرهوا الحق ليس لكونه حقاً أو لأنهم أنكروه في قلوبهم لا، ولكنهم خشوا أن تضيع منهم رئاستهم، وخشوا أن يتحكم فيهم النبي صلى الله عليه وسلم فيأمر وينهى، فرفضوا ذلك وردوه وكرهوه لهذا المعنى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم أبرموا أمراً فإنا مبرمون)

    قال الله تعالى: أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ [الزخرف:79].

    أي: بل أيكيدون لك كيداً؟ نحن نكيد لهؤلاء، فكاد لهم حتى أهلك أشقياء هؤلاء في يوم بدر وفي غيره.

    تفسير قوله تعالى: (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم ..)

    قال تعالى: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ [الزخرف:80]، أي: هؤلاء يتكلمون ويسر بعضهم إلى بعض حديث السر ويناجي بعضهم بعضاً، هل يحسبون أنا لم نطلع على ذلك، ولم نحص عليهم ذلك؟ بَلَى [الزخرف:80] قد علمنا ذلك وأحصيناه، وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف:80] أي: الحفظة الكرام الكاتبون يكتبون عليهم ما يقولونه وما يفعلونه مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، وما يكذبونه به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ...)

    قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف:81].

    يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: قل لهؤلاء: إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ والولد اسم جنس بمعنى الواحد وبمعنى المجموعة، ولذلك قول الله عز وجل: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ [النساء:11] بمعنى واحد أو جمع، والمعنى إن كان للرحمن ولد أو كان للرحمن أولاد فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ .

    وقراءة الجمهور: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ، وقرأها حمزة والكسائي : قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وُلْدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ، والولد بمعنى: جمع الأولاد يعني، فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف:81] أنا قرأها الجمهور بالفتحة في حال الوصل: فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف:81]، وفي حال الوصل يقرؤها نافع وأبو جعفر : فَأَنَآ أَوَّلُ الْعَابِدِينَ ، ونافع يمد على تفصيل، وورش وقالون وأبو جعفر يقرؤها بالقصر ولكن على أنها ألف فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ .

    أقوال العلماء في توجيه قوله تعالى (قل إن كان للرحمن ولد ..)

    قوله تعالى: إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف:81] للمفسرين فيها معنيان:

    المعنى الأول وهو الذي عليه الأكثر: أن هذا في مقام المناظرة، وفي مقام المناظرة يتنزل الخصم مع خصمه في المناظرة، فإذا ناظرك إنسان في شيء تقول: فرضنا ما تقوله صواباً فينبني عليه كذا وكذا، ويكون فيه كذا وكذا، فهذا هو الفرض الجدلي وليس الحقيقي، أي: ليس معنى أن هذا شيء صحيح، لا، بل هذا شيء لا يكون أبداً، ولكن سنفترض المستحيل، مثل ما يقول بعضهم:

    قال المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأجساد قلت إليكما

    إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما

    فهو هنا في مقام التنزل في المناظرة، فيقول: الملحدون والمنكرون لوجود الإله: الأجساد تموت وتفنى ولا تبعث، وهذا يقول: إن صح قولكم فلست بخاسر؛ لأني عبدت الله، ولكن إن صح قولي بأن كان هناك بعث يوم القيامة فالخسارة عليكم أنتم.

    إذاً: هنا في مقام التنزل في المناظرة يجوز أن تفترض المستحيل، وهذا المعنى عليه أكثر المفسرين، يعني: لو كان للرحمن ولد وحاشا لله أن يكون له ولد فأنا أول من يعبده، ولكن لم أفعل؛ لأنه لا يوجد للرحمن ولد وحاشا له أن يتخذ صاحبة أو ولداً.

    والمعنى الآخر أو التفسير الآخر لقوله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ قالوا: (إن) هنا بمعنى (ما) أي: ما كان للرحمن ولد، فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ للرحمن، وهذه الآية على هذا المعنى لها معنيان: الأول: أن (إن) هنا نافية بمعنى (ما).

    قل ما كان للرحمن ولد، فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف:81] للرحمن هذا معنى.

    المعنى الثاني: فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ أي: أنا أول المنكرين بأن يكون للرحمن ولد.

    إذاً: في قوله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ [الزخرف:81] ثلاث معان: الأول: على وجه التنزل في المناظرة وعليه أكثر المفسرين: سأكون أول من يعبد هذا الولد، ولكن هذا لا يكون، لذلك لا أعبد إلا الله وحده لا شريك له.

    الثاني: أن معنى: قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ أي: قل: ما كان للرحمن ولد، فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ للرحمن، المثبتين لربوبيته وألوهيته سبحانه، فأعبده وحده لا شريك له.

    المعنى الثالث: (قل إن كان للرحمن ولد) فأنا أول من يأنف أن يعبد غير الله، أو يزعم أن لله الولد سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون)

    قال تعالى: سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الزخرف:82] .

    قوله: سُبْحَانَ هذه الكلمة تقوم مقام جملة، وهي مصدر كأنك تقول: أسبح الله تسبيحاً، والمعنى هنا: أسبح ربي وأنزه ربي تنزيهاً عظيماً سبحانه، فهو يتعالى عن أن يدعى عليه مثل ذلك.

    وقوله: سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أي: خالق السماوات والأرض ومدبر أمرهما سبحانه.

    وقوله: رَبِّ الْعَرْشِ ، السماوات عظيمة في نظر الناس، والأرض كبيرة وضخمة في نظر الناس، لكن العرش أفضل وأعظم وأضخم وأكبر من ذلك بكثير، فالسماوات كلها والأرضون لو جمعت وقورنت بكرسي الله عز وجل لكانت النسبة كنسبة حلقة في صحراء عظيمة في فلاة، ولو أن الكرسي قورن بعرش الرحمن سبحانه وتعالى لكانت النسبة كنسبة حلقة في فلاة، فكيف بالعرش الذي هو أعظم من السماوات وأعظم من الأرض وأعظم من الكرسي؟! هذا العرش يصفه ربنا سبحانه وتعالى ويذكره لنا في كتابه ويقول: إنه رب العرش، هذا العرش الضخم العظيم الذي فيه مظاهر العظمة التي خلقها الله سبحانه وتعالى فيه، فهذا العرش مع عظمته هو مخلوق من مخلوقات الله، والله ربه والله فوقه، وهو لا يحتاج إليه سبحانه وتعالى، وهو مستوٍ على العرش محيط بكل شيء، مستغن عن كل شيء.

    قوله: عَمَّا يَصِفُونَ أي: أنزه الله عما يصفه به هؤلاء المشركون من أنه اتخذ صاحبة أو اتخذ ولداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فذرهم يخوضوا ويلعبوا ..)

    قال الله تعالى: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ [الزخرف:83] .

    قوله: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا أي: دع هؤلاء في خوضهم ولعبهم، وليس المعنى أنه ينهاه أن يدعوهم لا، ولكن ادع هؤلاء فإذا أبوا إلا ما هم فيه فاتركهم، وهو تهديد لهؤلاء، كقوله: (اعملوا ما شئتم) وهذا ليس أمراً بالمنكر أو الإذن بفعله، بل هو للتهديد، أي: اعمل الذي تقدر عليه، ستنظر النتيجة ماذا تكون، فكذلك هنا: فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا أي: حتى يأتي يوم القيامة الذي يلاقون فيه ما كانوا ينكرونه من عذاب الله سبحانه.

    وقرأ ابن القعقاع : (حتى يلقوا يومهم الذي يوعدون).

    إن وعد الله حق، وقد وعدهم الله عز وجل أن يوم القيامة يوم حساب ويوم جزاء، يوم يرى كل إنسان فيه صحيفته، يوم يرى ما عمل محضراً، عملت كذا وعملت كذا وعملت كذا ويحاسب عليه، فإما إلى الجنة وإما إلى النار، فذر هؤلاء في خوضهم وفي كلامهم الباطل الذي يقولونه، وفي أفعالهم القبيحة، فإذا جاءوا يوم القيامة عرفوا أنهم ضيعوا أوقاتهم وأعمارهم، في لعب ولهو وغفلة، فابتعدوا عن الله وكادوا لدين الله، فسيلقون يومهم الذي يوعدون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ..)

    قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [الزخرف:84].

    يخبر الله العظيم سبحانه وتعالى عن نفسه أنه في السماء إله، وفي الأرض إله، فهو المعبود يعبده أهل السماوات وأهل الأرض، فهو إله معبود في السماء ومعبود في الأرض، قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ [الحج:18].

    أي: أن كثيراً من المخلوقات يؤمنون بالله سبحانه وتعالى، وهذا الإنسان لو قورن بمخلوقات الله عز وجل التي تعبده فإن عدده قليل جداً، ولذلك قال الله سبحانه: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ أي: يسبح له ويعبده ويذعن ويطيع لله سبحانه وتعالى، مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ أي: طوعاً وكرهاً، فكل من يعقل في السماوات وفي الأرض يسجدون لله ويطيعون ويخضعون، حتى الكافر يسجد لله كرهاً، يعني: يذعن ويخشع ويفعل ما أمر به كوناً وقدراً، إذا قيل له: امرض يمرض، وإذا قيل له: مت يمت، احيا يحيا، افعل كذا من الأفعال الكونية القدرية التي تأتي للإنسان ولا حيلة له فيها، كالرزق والمرض والتعب والنصب والمشقة، فلا يقدر الإنسان أن يعصي في ذلك، وإنما يعصي الإنسان في الشيء الذي ترك له فيه الاختيار.

    وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ أي: هؤلاء الذين حق عليهم العذاب أطاعوا لما أمر الله عز وجل أمراً كونياً قدرياً، ولم يقدروا على الامتناع فيه، لكن لما أمر أمراً شرعياً وجعل لهم الخيرة، فإذا بهم يأبون ويعصون، فقال الله: وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أي: من يطيعون طوعاً لله سبحانه ومحبة لدين الله سبحانه وتعالى.

    فقوله: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ أي: معبود يعبده أهل السماوات، وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ .

    فهنا نقول: الله فوق السماوات، كما في حديث الجارية التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم: (من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أين الله؟ قالت: في السماء) وقال تعالى: أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ [الملك:16-17] .

    فالله سبحانه وتعالى في السماء فوق السماوات، مستو على عرشه سبحانه، بائن من خلقه، محيط بكل شيء، وفوق كل شيء سبحانه، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ أي: هو معكم بسمعه وبصره وعلمه وإرادته سبحانه وأفعاله وحكمته، ولكن أين الله عز وجل؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم مصدقاً للمرأة: إنه في السماء سبحانه وتعالى، فقال هنا: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:84]، فمقولة: الله في كل مكان هذه فيها حق وفيها باطل، الحق الذي فيها أن الله في كل مكان بسمعه وبصره وعلمه سبحانه، ولكن الله قال لنا في القرآن: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وكررها في سبعة مواضع في كتابه سبحانه وتعالى، وأخبرنا عن العلو في آيات كثيرة في كتاب الله عز وجل، وأنه سبحانه فوق العباد، وأنه سبحانه وتعالى ينزل الملائكة وينزل الكتاب سبحانه، وينزل الأمر من السماء إلى الأرض، وأنه في السماء أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك:16]، فالله عز وجل فوق سماواته وهو مع الخلق بعلمه.

    إذاً: نقول: الله معنا بعلمه وسمعه وبصره، وبتأييده وقدرته وقوته سبحانه تبارك وتعالى، ونقول: الله بذاته فوق السماء سبحانه تبارك وتعالى.

    وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ [الزخرف:84] أي: هو الذي في السماء معبود، وفي الأرض معبود، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [الزخرف:84] سبحانه له الحكمة العظيمة البالغة، فهو الحكيم والحكم والحاكم والمحكم وذو الحكمة سبحانه وتعالى، وهو الذي يحكم بين عباده فهو الحاكم، وهو الذي يشرع لعباده سبحانه وتعالى فهو الحكم، وهو المحكم لخلقه ولصنعته، أحكم كل شيء وأتقن كل شيء خلقه سبحانه وتعالى، وهو ذو الحكمة العظيمة البالغة، ما من شيء في كون الله إلا وله حكمة من الله عز وجل يعلمها، وإن لم يعلمها خلقه، وهو المحكم لكل أمر كونه، فلا تجد فيه زللاً، ولا تجد فيه خللاً، ولا تجد فيه شيء ينتقد.

    نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.