إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف [68 - 77]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر الله عز وجل حال أهل الجنة وما هم فيها من نعيم وحبور وسرور جزاء صبرهم في الدنيا على العمل الصالح والإيمان والتقوى، ثم أتبع ذلك بذكر أهل الشقاوة والتعاسة، أهل النار الذين يعذبون وينالون سوء العذاب والمهانة، فيتمنون الموت والعدم، ولكن لا ينالون ذلك فلا محيص ولا مهرب من عذاب الله والعياذ بالله!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون)

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الزخرف: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ * إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:72-77].

    يخبر الله عز وجل في هذه الآيات وما قبلها عن مصير المؤمنين يوم القيامة، ومصير الكافرين الجاحدين.

    أما المؤمنون فيقول الله سبحانه: يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ [الزخرف:68]، ويوم القيامة يوم الجزاء، ويوم الحكم بالعدل، والحكم: هو الله سبحانه تبارك وتعالى، يحكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، فينادي يوم القيامة على المؤمنين: يا عبادي! أي: عباد الله الصالحين، الذين آمنوا بآيات الله عز وجل وكانوا مسلمين، وصدقوا رسل الله عليهم الصلاة والسلام، واتبعوا دين الله، وكانوا مسلمين أنفسهم وموجهين وجوههم وقلوبهم لرب العالمين سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين)

    قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ [الزخرف:69]، فهؤلاء هم الذين يعدهم الله عز وجل بالجنة؛ وأنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فيدخلون الجنة ينعمون فيها، ويأخذون ما يشاءون من فضل الله ورحمته سبحانه تبارك وتعالى، فلا يخاف أحدهم من مستقبل يضايقه، ولا يحزن على ماضِ فات، ولكن الجنة دار النعيم المقيم للذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين.

    فهم جمعوا بين التصديق القلبي، وبين الأفعال الظاهرة بالجوارح، والإيمان: هو تصديق بالقلب، وقول باللسان؛ وعمل بالجوارح والأركان، (آمنوا وكانوا مسلمين) صدقوا بالقلوب، وصدقوا بالألسنة، وصدقوا بالفعال، فجمعوا بين الأمرين، وهنا الإيمان: بمعنى التصديق. والإسلام: هو الاستسلام لله سبحانه، والإذعان والخضوع له، والطاعة والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون)

    يقال لهم: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف:70]، فهنا يطمئنهم ربنا سبحانه تبارك وتعالى ويقول: ادخلوا الجنة ومعكم نساؤكم المؤمنات، كذلك يقال للمرأة: ادخلي الجنة ومعك زوجك المؤمن ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ [الزخرف:70] أي: تفرحون في الجنة، وتنعمون فيها وتسرون، وتكرمون فيها، فهذا هو معنى (تحبرون) فيكرمكم الله سبحانه تبارك وتعالى بكل ما تتلذذون به، وبكل ما يسركم من طعام وشراب، وسماع غناء، ولعب، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب...)

    من ذلك ما يذكر الله عز وجل هنا حيث قال: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71]، (يطاف عليهم) وفي سورة (يطوف عليهم) من الذين يطوفون عليهم؟ قال: وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ [الواقعة:17]، أي: غلمان مخلدون.

    ويخلق الله عز وجل أطفالاً لأهل الجنة خدماً يطوفون عليهم، قال: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ [الزخرف:71]، وكذلك الملائكة تأتيهم بأنواع من الأطعمة والأشربة، (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، قال تعالى: كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:25]، تأتيهم الملائكة بثمار الجنة، فيقول أهل الجنة! هذا الذي أكلناه من قبل، فيقولون: لا، هذا شيء جديد، هذا شيء آخر، فهو مشتبهاً وغير متشابه يشبه بعضه بعضاً في الجمال والكمال والحسن، وقد يشبهه في اللون ولكن الطعوم مختلفة، فأهل الجنة يأتيهم الملك أو الملائكة أو الغلمان بهذا الطعام فيقولون: هذا أكلنا مثله من قبل، فيقولون لهم: الذي أكلتموه من قبل، شيء آخر فيأكلون ويجعل الله عز وجل لهم مقدرة على أن يأكلوا من كل ما يشتهون.

    والإنسان في الدنيا إذا وضع له طعام مهما كان الطعام فاخراً فإنه يأكل منه ما يكفيه، وقد يملأ معدته بما يتخمه ولكن لا يقدر على أكثر من ذلك، فإذا أوتي بشيء أفضل منه لا يقدر على أن يأكل منه لأنه امتلأت معدته.

    أما أهل الجنة فإن الله عز وجل يجعلهم يأكلون مما يشاءون، ومما تشتهيه أنفسهم ولا يتخمون أبداً، وإنما يخرج منهم هذا الذي دخل فيهم عرقاً على هيئة رائحة طيبة أفضل وأحسن من المسك.

    قال تعالى: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ [الزخرف:71]، وذكرنا أن الصحاف: جمع صحف، والصحفة: الطبق الكبير الواسع الذي يكفي العدد من الناس، وقد يكفي عشرة فما فوقهم وما دونهم أيضاً، قال تعالى: يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ [الزخرف:71] والأكواب: الكيزان التي قدرت تقديراً، وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الزخرف:71]، أهل الجنة يخلدون في الجنة، والإنسان حين يرى شيئاً جميلاً طيباً يحب أن يطيل المكث فيه خوفاً من أن يضيع منه، ولكن أهل الجنة يقال لهم: هذا الشيء لن يضيع منكم ولن تخرجوا منه، فتنعموا في الجنة بما شئتم من طعام وشراب ولهو وذكر لله سبحانه تبارك وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون)

    يقول الله سبحانه تبارك وتعالى: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ [الزخرف:72]، إذا دخل أهل الجنة الجنة يقال لهم: تلك الجنة، و(تلك) اسم إشارة للبعيد، والجنة عظيمة يشار إليها باسم الإشارة البعيد للدلالة على عظمتها، وإن كانت هي قريبة وأهلها فيها.

    قال تعالى: (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعلمون) ورثهم الله عز وجل الجنة، وكانوا في الدنيا يعملون لها، فلما عملوا استحقوا الجزاء، فورثوا هذه الجنة فكأنهم هم الذين يرثون غيرهم ممن ضاعت منهم هذه الجنة بكفرهم وجحودهم لربهم سبحانه تبارك وتعالى.

    وكل إنسان كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم له موضعان: موضع في الجنة، وموضع في النار، فإذا أنعم الله عز وجل عليه بالجنة، يقال له: انظر هذا موضعك من النار لو كنت عصيت الله، ادخل موضعك في الجنة، فيدخل الجنة ويفرح أشد الفرح حين يرى مكان العذاب وأنه أفلت منه! وأهل النار يقال لهم: هذا موضعكم في الجنة لو كنتم أطعتم الله سبحانه، ادخلوا النار، فيدخلون النار.

    وأماكن أهل الجنة التي كانت في النار يأخذها الكفار الذين دخلوا النار والعياذ بالله، والعكس، أماكن هؤلاء لو كانوا أطاعوا ودخلوا الجنة حرموا منها بكفرهم، فيأخذها ويرثها المؤمنون، فيقال لهم: وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [الزخرف:72]، هذه قراءة الجمهور، وقرأها بالإدغام أبو عمرو وابن عامر وخلف وابن ذكوان أورثتّموها وكذلك حمزة والكسائي يقرءونها بإدغام الثاء في التاء أورثتّموها بما كنتم تعملون .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون)

    يقول تعالى: لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ [الزخرف:73] (لَكُمْ) أي: يا أهل الجنة! فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ ، الإنسان في الدنيا عندما يأكل ويعرف أن هناك فاكهة بعد الطعام يفرح، فالفاكهة تفكه الإنسان وتفرحه، والإنسان الفكه: هو الذي يفرح ويضحك، فكأن الفاكهة تدخل السرور على قلب الإنسان، وقوت الإنسان ضروري لحياته، وأهل الجنة يعيشون في الجنة فيعطيهم الله عز وجل ما يشاءون، وتأكل في الدنيا حتى لا تمرض، وحتى تقدر على العمل، أما أهل الجنة فقد أعطاهم الله عز وجل الصحة والعافية والخلود، فلا يحتاجون إلى قوت، وإنما هم يريدون الفرح والسرور، فيقال لهم: هذه الجنة التي أورثتموها، وهذه الفاكهة التي تتفكهون بها في الجنة وتأكلون وتشربون، فإذا أعطوا الفاكهة فلا شك أنهم يعطون ما هو غير ذلك من طعام ولحم ونحوه.

    لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ [الزخرف:73] فلا تعد أصناف الفاكهة وأجناسها وأنواعها، وقوله: (منها تأكلون)، فهي لكثرتها لا تستطيعون أن تنفدوها، فهي لا تنتهي، فمن بعضها (تأكلون) تأكل ما تشتهي ولا تنفد هذه الفاكهة التي في الجنة.

    فهذا حال أهل الجنة يأكلون وينعمون ويفرحون ويكرمون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون)

    والقسم الآخر: أهل النار والعياذ بالله نسأل الله العفو والعافية، قال تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [الزخرف:74]، وهذه عادة القرآن العظيم، إذا ذكر أهل الجنة ذكر أهل النار، حتى يكون الإنسان بين الرغبة والرهبة، بين الخوف مما عند الله وبين الأمل والرجاء فيما عند الله سبحانه تبارك وتعالى، وهكذا المؤمن دائماً يسير بين الخوف والرجاء، وبين الرغبة والرهبة، وبين الطمع وبين الخوف والخشية.

    أما المجرمون الذين أجرموا وأساءوا إلى أنفسهم وإلى دينهم وإلى رسل الله عليهم الصلاة والسلام فيقول الله عنهم: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [الزخرف:74]، وهي نار الآخرة والعياذ بالله، نار مستعرة، أسماؤها في القرآن أسماء شديدة تدل على قبح ما فيها، وعلى شدتها وسعيرها، وجنهم بمعنى: البعيدة الغور، والبعيدة القاع، فيقال: بئر جِهنّام، بمعنى: بئر عظيمة القعر، ونار جهنم التي يلقى فيها صخرة من فوقها فلا تصل إلى قاعها إلا بعد سبعين عاماً، هذه هي النار الفظيعة العظيمة قال تعالى: إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [الزخرف:74]، أي: لا يخرجون منها، فهؤلاء هم الكفار والعياذ بالله الذين أجرموا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون)

    يقول تعالى: لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف:75] (لا يُفَتَّرُ) أي: لا يخفف عنهم، والفتور: شيء يستشعره الإنسان من الخذلان والتعب وفتر بمعنى: سكن قليلاً، كأن العذاب هنا مستعر عليهم فيتمنون لو أنه خفف قليلاً، (لا يفتر عنهم) أي: هو عذاب مستعر عليهم والعياذ بالله، لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ [الزخرف:75]، أبلس بمعنى: قنط وأيس، أي: انقطع طمعه ورجاؤه، فهم فيها منقطع رجاؤهم وطمعهم، وقد كانوا يطمعون في الجنة فضاعت الجنة عليهم، ويقال لهم: هذه النار التي كنتم توعدون أنتم فيها خالدون، ويذبح الموت بين الجنة والنار فييأسون من الخروج منها، لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ أي: في هذا العذاب مُبْلِسُونَ [الزخرف:75].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين)

    يقول تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف:76]، أي: هم الذين ظلموا أنفسهم، قال تعالى: وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49]، وحاشا لله سبحانه تبارك وتعالى، وقوله: وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف:76]، يؤكد الله عز وجل بذلك أنهم هم الذين ظلموا أنفسهم بشركهم بالله، وبإيذائهم رسل الله، وتكذيبهم وبابتعادهم عن دين الله سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون)

    قال تعالى: وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77] أخبر الله عز وجل أنهم في العذاب مبلسون يائسون من الخروج، وكأنهم قبل أن ييئسوا من الخروج من النار (نادوا يا مالك)، ومالك خازن جهنم والعياذ بالله، خلقه الله عز وجل لها يوقدها ويزجرها، فإذا زجرها اشتعلت والتهبت وأكل بعضها بعضاً، فيزجر النار لتزداد قسوة على ما فيها، فينادي هؤلاء مالكاً، وليس مالك هو وحده الذي في النار، ولكن معه خزنة جهنم، فهم ملائكة كثيرون على جسور جهنم، وفيها أبواب مؤصدة على أهلها، والملائكة موكلون بتعذيب أهل النار والعياذ بالله.

    قال تعالى: عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] ورئيس خزنة جهنم هو مالك، فيجأر أهل النار إلى مالك يقولون: (يا مالك ليقض علينا ربك) طالما أنه لا يوجد خروج من هذه النار فليجعلنا تراباً وليقض علينا ربك، أي: ليمتنا ربك، قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77]، فهذه آية قصيرة وفيها كلمات يسيرة، ولكن الفرق بين النداء وبين الجواب أعوام كثيرة جداً، ينادون مالكاً، قيل مدة أربعين سنة، ومالك ساكت عنهم، فينادونه وهم يجأرون ويصرخون ويستغيثون: (يا مالك ليقض علينا ربك) ليمتنا ربنا، لما رأوا البهائم صارت تراباً قال: الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا [النبأ:40] فنادوا: يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77] فسكت عنهم مالك ما شاء الله عز وجل أن يسكت، وفي النهاية جاءهم الجواب: قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77]، وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ [الحج:47] فيسكت عنهم مالك أربعين سنة وهم يصرخون، وحين يلتفت إليهم يظنون أنه أتاهم بشيء فيقول: أنتم ماكثون.

    وجاء عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: ذكر لي أن أهل النار استغاثوا بالخزنة، فقال الله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ [غافر:49].

    واليوم كثير على أهل النار، فهو بألف سنة مما نعد، فقالوا: (ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب) سألوا أن يخفف الله عنهم يوماً واحداً، فأجابت الملائكة: أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى [غافر:50] اعترفوا، قَالُوا فَادْعُوا [غافر:50]، أي: قالت لهم الملائكة: ادعوا ما شئتم، فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ [غافر:50]، فدعاؤهم في تيه لا يُسمع ولا يستجاب لهؤلاء، فلما يئسوا من الخزنة نادوا مالكاً وهو رئيس الخزنة، وله مجلس في وسط النار فهو يرى أقصاها كما يرى أدناها، فقالوا: يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [الزخرف:77] سألوا الموت وطلبوه، قيل: فسكت عنهم لا يجيبهم ثمانين سنة، قال محمد بن كعب : والسنة ستون وثلاثمائة يوم، والشهر ثلاثون يوماً، يعني: يريد أن يقول: واليوم بألف سنة مما تعدون، فإذا مكث هؤلاء ثمانين سنة ستكون كم من سنين هذه الدنيا؟ قال: واليوم كألف سنة مما تعدون، ثم لحظ إليهم مالك -خازن النار- بشيء من الضيق مما يفعلونه، ومعنى أن يلحظ الإنسان الآخر: أي: أن يبصره بطرف عينه، فلا ينظر نظرة المقبل عليه المحب له، وهكذا يضع خزنة النار مع أهل النار، والعياذ بالله.

    قال: إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ [الزخرف:77]، بعدما طال سكوته عنهم، فلم ييئسوا وسألوا الله عز وجل: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107]، رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا [المؤمنون:106] أي: نحن نعتذر إنما هو القضاء والقدر رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ [المؤمنون:107]، وسكت عنهم ربهم ثم أجابهم فقال: قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون:108]، و(اخسئوا) كلمة تقال للكلب حين يزجر، فقيل لأهل النار ذلك والعياذ بالله قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ [المؤمنون:108-110]، نسيتم في الدنيا عندما كان الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والأولياء والدعاة إلى الله يدعونكم إلى الله فكنتم تسخرون منهم، وتضحكون، وتستهزئون، وهم يدعون: رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ [المؤمنون:109]، قال الله: إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ [المؤمنون:111].

    فيقال لأهل النار: قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ [المؤمنون:112]، لما رأوا يوم القيامة ومدته وهوله، وأيام النار التي هم فيها اليوم يعد بألف سنة قالوا: قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ [المؤمنون:113]، أي: اسأل الذين يعدون ويعرفون العدد فنحن عشنا في الدنيا يوماً أو بعض يوم.

    فالإنسان المؤمن يتفكر في أن عمره كله إذا قارنه بيوم القيامة، لا يأتي إلا بعض يوم، فلو عشت مائة سنة، وأيام القيامة اليوم بألف سنة، فتكون عشت عُشر يوم من أيام القيامة ألا تصبر في هذه السنين التي أنت فيها في الدنيا حتى تنعم النعيم الأبدي يوم القيامة، أم أنك تشقي نفسك وترديها بعمل المعاصي والكفر بالله حتى تقع في النار أبد الآبدين؟!

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.