إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف [57 - 67]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر الله تعالى عن تعنت قريش في كفرهم وتعمدهم العناد والجدل، فقد جادلوا الرسول صلى الله عليه وسلم في شأن المسيح وأن النصارى عبدته، وبذلك يكون معهم في النار، فرد الله عليهم بأن المسيح ومن كان مثله ممن عبد من دون الله دون رضاه مبعدون عن النار؛ لأنهم لم يرضوا بتلك العبادة ولم يأمروا بها، بل كان عيسى عليه السلام يدعو قومه إلى عبادة الله وحده، وكان يؤكد لهم أنه عبد الله لا غيره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً ... وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل)

    الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الزخرف: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف:57-59].

    يخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات عن شأن عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وأنه عبد من عباد الله جعله الله نبياً ورسولاً، وأرسله إلى بني إسرائيل وجعل معه معجزات، فجعله مثلاً لهؤلاء، وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ أي: أن قريشاً جادلوا النبي صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم لبعض: ما يريده محمد إلا أن نجعله كالمسيح بن مريم، يريد منا أن نعبده، فافتروا عليه صلوات الله وسلامه عليه حسداً له؛ لما آتاه الله عز وجل من نبوة وحكمة وآتاه هذا القرآن العظيم.

    وحسدوه ونفسوا عليه ما هو فيه، وقال بعضهم لبعض: زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا هذه حصب جهنم، فقال ابن الزبعري : لو كنت عنده لناظرته ولخصمته في ذلك، قالوا: ما كنت تقول؟ قال: كنت أقول: إننا نعبد هذه الآلهة والنصارى تعبد المسيح عليه الصلاة والسلام، فإذا كنا نحن وما نعبد من دون الله حصب جهنم فالمسيح في نار جهنم فلما قال لهم ذلك فرحوا وهللوا وظنوا أنهم قد غلبوا النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الكلام الباطل الذي يقولونه، فإذا بالله سبحانه وتعالى يجيب هؤلاء ويقول: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ [الأنبياء:101] أي: ليس المسيح عليه الصلاة والسلام ممن ارتضى أن يعبد من دون الله سبحانه وتعالى، ولا ذنب له في ذلك، بل الذين عبدوه هم الذين يستحقون هذا العذاب، أما هو فهو بريء من ذلك.

    فأخبر الله سبحانه وتعالى هنا عن المسيح عليه الصلاة والسلام بقوله: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف:59] يعني: شهد الله عز وجل له بهذا المقام العظيم، مقام العبودية لرب العالمين، أي: ما هو إلا عبد، كما قال عن النبي صلى الله عليه وسلم: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا [الإسراء:1] وقال تعالى عنه صلى الله عليه وسلم: لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19] فالنبي صلى الله عليه وسلم عبد ورسول لرب العالمين سبحانه وتعالى، والمسيح كذلك عبد ورسول لرب العالمين سبحانه.

    قال هنا: إِنْ هُوَ أي: ما المسيح إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ أي: أنعم الله عز وجل عليه بهذا المقام أنه عبد آتاه الله الكتاب وآتاه الله الحكمة، وجعله رسولاً من أولي العزم من الرسل، وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أي: جعله الله عز وجل لهم آية من الآيات، فقد كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، ويخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وببعض الغيوب التي لا يعرفونها، فالله عز وجل جعله عبداً وجعله آية وعبرة لبني إسرائيل، هذا معنى المثل في هذه الآية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة ... إنه لكم عدو مبين)

    قال الله تعالى: وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ [الزخرف:60] لما قال مشركوا قريش عن النبي صلوات الله وسلامه عليه: هذا رجل من البشر مثلنا فلم بعثه الله رسولاً؟ قال الله عز وجل: لو نشاء لجعلنا ملكاً رسولاً، ولكن شئنا أن يكون بشراً من البشر، وليس لأحد أن يعترض على مشيئة الله.

    ثم قال تعالى: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [الزخرف:61] قوله: (وإنه) أي: المسيح عليه الصلاة والسلام، لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ يعني: أن به تُعْلَمُ الساعة وقرب قيامها، وذكرنا قبل ذلك: أن من العلامات الكبرى للساعة أن يخرج المسيح الدجال وينزل المسيح عيسى بن مريم فيقتل الدجال ، ثم تتابع علامات الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، وتقوم القيامة بإذن رب العالمين.

    قال سبحانه: وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ أي: لا تشكن في قيام الساعة، وَاتَّبِعُونِ أي: واتبعوا كلام رب العالمين، واتبعوا صراط الله المستقيم، واتبعوا دين الله سبحانه، هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ أي: هذا الدين الذي جاء من عند رب العالمين هو صراط قويم مستقيم من عند رب العالمين، يدل الناس على طريق الله، التي بها يصل العبد إلى جنة الله سبحانه.

    ثم قال تعالى بعد ذلك: وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ [الزخرف:62] أي: أن ربنا سبحانه يحذرنا من الضلال عن طريق الله، الذي دعا إليه المسيح ومن قبله من الرسل، ودعا إليه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو الصراط المستقيم والدين القويم.

    فقوله: وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ أي: احذروا من الشيطان أن يصدكم عن اتباع الحق، إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ أي: هو مفصح ومظهر للعداوة لكم، وقد سمعتم ما في كتاب الله عز وجل من آيات يخبركم الله كيف تسبب الشيطان في إخراج أبيكم آدم من الجنة، فهو عدو عداوته ظاهرة، وهو قد أبان لكم وأظهر ووضحت عداوته لكم حين أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما، فلا تغتر بوساوس الشيطان وبشبهاته، وبجدال المجادلين في كلام رب العالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما جاء عيسى بالبينات ..)

    قال الله تعالى: وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ [الزخرف:63] أعاد سبحانه ذكر المسيح عليه الصلاة والسلام، وقد ذكر أن المسيح عبد، وأنه من أشراط الساعة، وهنا ذكر أن المسيح جاء إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى رب العالمين سبحانه، وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، فالمسيح من ضمن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين لم يرسلوا إلى جميع الخلق، لكن نبينا صلى الله عليه وسلم ميز على جميع الرسل بأن دعوته للعالمين للإنس وللجن، قال تعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [الجن:1-2] وذكر الله سبحانه وتعالى الجن حين سمعوا للنبي صلى الله عليه وسلم فرجعوا إلى قومهم منذرين: قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ [الأحقاف:30] يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [الأحقاف:31] فأخذوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجعوا إلى قومهم ليدعوهم إلى أن يستجيبوا لرب العالمين سبحانه.

    أما باقي الأنبياء فكانوا يرسلون إلى قومهم خاصة، فالمسيح أرسل إلى بني إسرائيل، فقد قال: أرسلت إلى خراف بني إسرائيل الضالة، فهنا قال تعالى: وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ أي: جئتكم بالنبوة وجئتكم بالشريعة وبالكلام الفصل ليس بالهزل، وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ جاء المسيح عليه الصلاة والسلام وبنو إسرائيل مختلفون في أمور دينهم مختلفون في التوراة، ومختلفون في أمور دنياهم أيضاً، فقال: وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ أي: لم آت لأبين كل ما تختلفون فيه، فأمر دنياكم لا دخل لي به، ولكن جئت لأبين لكم أمر دينكم، هذا بعض الذي تختلفون فيه، فكان اختلافهم في أمر الدنيا واختلافهم في أمر الدين، فقال: أنا أبين لكم أمر الدين هذا الذي أرسلت به، فقال: (بعض) ولم يقل: كل الذي تختلفون فيه، وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ أي: اتقوا الله ولا تغضبوه سبحانه وتعالى، واجعلوا بينكم وبين غضبه وقاية من طاعته سبحانه وحسن عبادته والإخلاص له.

    وكذا كل الخلق يلزمهم أن يتقوا الله سبحانه، وأن يطيعوا المرسلين، قال: (وأطيعون) لم يقل المسيح: واتقوني أنا، لا؛ لأنه ليس إلهاً ولكنه عبد من عباد الله أنعم الله عز وجل عليه بالنبوة، فقال: اتقوا الله واعبدوه ووحده واحذروا غضبه بشرككم وأطيعوني فيما جئتكم به من عند رب العالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله هو ربي وربكم ..)

    قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [الزخرف:64] أكد هنا أن الله هو وحده لا شريك له، وأنا عبد مثلي مثلكم، جئتكم أدعوكم إلى الله سبحانه، فالله هو وحده الرب الذي يخلق والذي يرزق، ويؤكد لهم هذا المعنى؛ لأن المسيح جاء بآيات نظر إليها من أتاهم بها فقال بعضهم: إنه ساحر، وقال بعضهم: إنه عبد نبي، وبعد ذلك بعضهم اختلفوا وقالوا: إنه إله؛ لأنه أحيا الموتى وفعل كذا، فجاء ليبين لهم دين رب العالمين، وأنه الصراط المستقيم، قال: إن الله وحده لا شريك له هو ربي وربكم، وهو الذي خلقني وخلقكم، (فاعبدوه) أي: اعبدوه وحده لا شريك له، إذا عرفت أنه ربك خالقك ورازقك فهو وحده الذي يستحق أن يعبد، وهذا الذي جئتكم به صراط مستقيم، هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ أي: طريق قويم وطريق معتدل إلى رب العالمين وإلى جنته وإلى طاعته.

    وكلمة (صراط) فيها ثلاث قراءات، تقرأ بالصاد وتقرأ بالسين وتقرأ بإشمام الصاد مشوبة بالزاي، فقراءة الجمهور هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [الزخرف:64] وقراءة قنبل عن ابن كثير وقراءة رويس عن يعقوب . هَذَا سِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ بالسين، ويشمها صاداً مشوبة بالزاي خلف عن حمزة هَذَا زراط مُسْتَقِيمٌ .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاختلف الأحزاب من بينهم ..)

    قال الله تعالى: فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ [الزخرف:65] أي: الذين تحزبوا وصاروا فرقاً منهم من يردون ما جاء به المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهم اليهود، ومنهم من دخل في دينه فأسلموا ثم بعد ذلك حدث بينهم خلاف بعد أن دخل الشيطان فوسوس لهم وقال لبعضهم: إن المسيح عليه الصلاة والسلام ما جاء بهذه الآيات إلا لكونه إلهاً فعبدوه من دون الله وهم النصارى، فاختلفت النصارى على فرق، فمنهم من عرفوا أنه عبد ورسول، ومنهم من أنكروا ذلك وزعموا أنه إله، فاختلفوا إلى نسطورية وملكية ويعقوبية وغير ذلك من فرق كثيرة جداً، وكل هذه الفرق يدعون في المسيح الألوهية، ويدعون فيه أشياء ما أنزل الله بها من سلطان.

    قال سبحانه: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ ويل عذاب شديد، وهو واد في قعر جهنم للذين ظلموا أنفسهم؛ لأنهم عبدوا غير الله سبحانه، وظلموا نبيهم حيث أعطوه ما لم يأذن به الله سبحانه وتعالى، فبدلاً من أن يتابعوه فيفرح بهم يوم القيامة ويفتخر بهم؛ لأنهم آمنوا بالله، إذا بهم يسودون وجوههم بما صنعوا حيث عبدوه من دون الله سبحانه وتعالى، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ أي: من عذاب يوم القيامة العذاب الموجع عذاب النار.

    وقوله: (فويل للذين ظلموا) عام لكل من ظلم نفسه وظلم غيره، ظلم نفسه بالكفر بالله عز وجل والشرك به، ومن هؤلاء الذين ألهوا المسيح عليه الصلاة والسلام، ومن هؤلاء أهل مكة الذين عبدوا الأصنام من دون الله، فكأنه يقول: قل للظلمة: ويل لهم من عذاب يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم ..)

    قال الله تعالى: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [الزخرف:66] أي: إذا جاءت الساعة فإنها لا تأتي إلا بغتة وفجأة ليس لها وقت يعلمه الإنسان، فالساعة ستقوم والناس يكونون في آمالهم وفي أحلامهم، في بيوعهم وشرائهم، الرجل يمد الثوب للآخر وهذا يقيس بالمتر، وهذا يدفع المال، ويأتي عليهم النفخ في الصور فإذا بهم يسقطون موتى، هذا يموت وذاك يموت قبل أن يطوي البائع أو المشتري الثوب، والرجل يلوط حوض إبله لأجل أن يسقي الإبل منه، فتأتيه الساعة قبل أن يصلح الحوض ويخر ميتاً.

    والإنسان يستمع صوتاً يأتي من بعيد يصيخ ليتاً ويرفع ليتاً، يميل بجانب ويرفع جانب لكي يسمع ما الذي سيأتي، وهو لا يدري أنها النفخة في البوق، فإذا بهذا الإنسان يخر ميتاً.

    تأتي الساعة فجأة على الجميع فلا يتمكن أحدهم أن يذكر الشهادة أو أن يتوب إلى الله عز وجل، وحين تأتي الساعة يموت الخلق.

    قال: هَلْ يَنظُرُونَ أي: هل ينتظرون إلا أن تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون إلا وقد فجأتهم، فمات الجميع وبعثوا للعذاب والحساب يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين)

    قال الله تعالى: الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67] أي: إذا قامت القيامة صار الناس بعضهم لبعض أعداءً، يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه، فالإنسان الذي كان حبيباً للآخر في الدنيا فإنه في الآخرة يفر من خليله الذي كان في الدنيا، ولا ينتفع إلا المتقون حين يؤذن لهم في أن يشفع بعضهم لبعض.

    فالأخلاء الذين كانوا متحابين على أمر الدنيا لا تنفعهم هذه المحبة يوم القيامة، بل يصيرون أعداء؛ لأنهم كانوا في الدنيا أخلاء وأصدقاء وأصحاباً على السوء وعلى الفتن وعلى الشرك بالله، فإذا قامت القيامة عادى بعضهم بعضاً، وكل إنسان يتبرأ من الآخر ويقول: أنت السبب أنت السبب، إلا أهل التقوى فهم في نعيم وهم في نعمه عظيمة.

    نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من المتقين.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.