إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف [57 - 61]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يخبر سبحانه عن حال كفار قريش حين ضرب ابن مريم مثلاً، وكيف أنهم فرحوا وظنوا أنهم قد وجدوا التناقض من رسول الله حيث إنهم قد سمعوا منه أن الكفار ومعبوداتهم سيدخلهم الله نار جهنم، فقالوا: هذا عيسى رسول الله عبد من دون الله فهل سيدخل النار؟ وما فعلوا ذلك إلا ليصدوا عن سبيل الله وليجادلوا بالباطل؛ لأنهم يعلمون أن عيسى آية لبني إسرائيل، وقد أعطاه الله من الآيات والمعجزات ما يدل على أنه رسول من عند الله، ولو شاء الله لأرسل إلى الناس ملائكة لكن حكمته اقتضت أن يرسل إليهم رسلاً من أنفسهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون ...)

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون ...)

    ذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات أن المشركين من قريش لما ضرب ابن مريم مثلاً وقد كانوا سمعوا قول الله سبحانه وتعالى إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ * لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ [الأنبياء:98-99] رفعوا أصواتهم وضجوا وقالوا: ابن مريم عبد من دون الله سبحانه وتعالى، فأخذوا يعرضون عن النبي صلوات الله وسلامه عليه ويصدون الناس عن دينه بهذا الهراء الذي يقولونه، ويصدون بمعنى يردون، ويرفعون أصواتهم فرحين بما قادهم إليه بعضهم من قوله إن عيسى النبي عليه الصلاة والسلام قد عبد من دون الله ونحن نعبد هذه الآلهة من دون الله، فإذا كان كل ما يعبد من دون الله في النار فقد رضينا أن تكون آلهتنا مع المسيح في النار، فلما قالوا ذلك ظنوا أنهم قد غلبوا النبي صلى الله عليه وسلم وأنه قد تناقض في قوله، فهو يقول: كل ما يعبد من دون الله فهو في النار، والمسيح عيسى ابن مريم رسول الله وقد عبد من دون الله فسيكون في النار، وقد رضينا أن تكون آلهتنا معه في النار.

    وقد قالوا ذلك ليصدوا عن سبيل الله عز جل ويصدوا عن دين الله سبحانه وتعالى، فأنزل الله سبحانه وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ وأنزل في سورة الأنبياء على النبي عليه الصلاة والسلام إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [الأنبياء:101-103].

    فالله عز وجل جعل للمسيح عليه الصلاة والسلام سابقة حسنى عنده، فهو عبده ونبيه ورسوله وأحد أولي العزم من الرسل وهؤلاء سبقت لهم من الله الحسنى، وهو لم يرض عما فعله هؤلاء وقد رفعه الله سبحانه إليه وسينزله مرة ثانية ليتوفى على الأرض كما توفي غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا أآلهتنا خير أم هو ...)

    قال سبحانه: وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ [الزخرف:58] أي: هل الآلهة التي نعبدها خير أم هو؟ أي: أنت تقول أن كل من عبد من دون الله سيدخل النار والمسيح على ذلك سيدخل النار، وقد رضينا أن تكون آلهتنا مع المسيح، وغرضهم من هذا التكذيب، وهم يفهمون أن ما يقولونه باطل، ولكن يصدون عن سبيل الله بهذا الكلام ويفرحون في أنفسهم بأنهم قالوا شيئاً وردوا على النبي صلى الله عليه وسلم.

    وهذه قراءة بعض القراء والبعض الآخر يقرؤها بالتسهيل وممن قرأها بالتسهيل المدني نافع وابن جعفر والمكي ابن كثير وكذلك أبو عمرو ورويس عن يعقوب ، وابن عامر يقرءونها بتسهيل الهمزة الثانية، مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا أي: يعني هم يجادلونك فقط بهذا الجدال الباطل وهم يعرفون كذب أنفسهم بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ أي: شديدوا المخاصمة والجدال والتمحل بالباطل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه ...)

    إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [الزخرف:59] أي: فهو عبد من عباد الله سبحانه وتعالى، ورسول أرسله الله عز وجل إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى عبادة الله وليس إلى عبادة نفسه، ولذلك يقول في المشهد يوم القيامة ما يخبر الله عز وجل عنه في سورة المائدة وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ [المائدة:116-117] فالأمر الذي أمر به المسيح عليه الصلاة والسلام قومه هو أن اعبدوا الله وحده لا شريك له، ولم يقل لهم اعبدوني من دون الله سبحانه.

    وهو شهيد كغيره من الرسل على قومه قال: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ[المائدة:117] أي: لما قبضتني كنت أنت الذي تشاهدهم، وتحكم عليهم وتحفظ عليهم ما يقولون وما يفعلون، فالمسيح ما هو إلا عبد من عباد الله سبحانه.

    وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث: (من شهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأن المسيح عيسى ابن مريم عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) ، فالذي يشهد بأن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله وأنه رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذلك يشهد أن المسيح عليه الصلاة والسلام عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه ويشهد أن الجنة حق وأن النار حق يدخله الله عز وجل الجنة على ما كان من عمله.

    وهو أي المسيح معجزة من معجزات الله سبحانه وتعالى، فقد جعله الله يحيي الموتى، ويبرئ الأكمة والأبرص والأكمة هو الأعمى خلقة ولعل الإنسان إذا عمي بسبب مرض من الأمراض يعالج، أما الذي ولد أعمى فلا سبيل إلى علاجه، فالمسيح عليه الصلاة والسلام كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى ويخبر أن ذلك بإذن الله وليس من عند نفسه هو، وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ[آل عمران:49] وهذا من أعماله العظيمة التي جعلها الله عز وجل آيات لقومه ليؤمنوا به عليه الصلاة والسلام وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ[الزخرف:59].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة ...)

    وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ [الزخرف:60] أي: لو شاء الله عز وجل لجعل الرسول ملكاً من ملائكته، والرسول الذي بين السماء والأرض هو ملك من الملائكة، ولكن لا يراه إلا الرسول عليه الصلاة والسلام، أما غيره من الخلق فلا يطيقون ذلك، وقد عود النبي صلوات الله وسلامه عليه حتى طاق ذلك فقد قال له ربه إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا [المزمل:5] فكان القرآن ينزل من السماء على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي تغشاه ما شاء الله أن يتغشاه حتى إنه يفيض عرقاً في الليلة الشديدة البرد من شدة ما ينزل عليه من السماء، ثم يفيق صلوات الله وسلامه عليه وقد حفظ ما قاله له جبريل فيبلغ عليه الصلاة والسلام ما جاءه من ربه.

    ولقد ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى غار حراء يتعبد لله سبحانه وتعالى، ليالي كثيرة العدد يتحنث فيها ولمثلها يتزود صلوات الله وسلامه عليه حتى فجأه جبريل فرآه بين السماء والأرض، ففزع النبي صلوات الله وسلامه عليه وهرب من هذا المكان، ثم مرة أخرى يراه يعوده ربه سبحانه حتى يطيق ذلك، ثم يأتيه جبريل وهو في الغار فيأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ويحتضنه ويضمه ضماً شديداً حتى أصاب النبي صلوات الله وسلامه عليه الجهد والمشقة، ثم يترك النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: (اقرأ، فيقول: ما أنا بقارئ) عليه الصلاة والسلام، فيأخذه الثانية والثالثة ثم نبئ صلى الله عليه وسلم بسورة اقرأ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ [العلق:1-5].

    وحين أوحي إليه بذلك كان في رعب شديد صلوات الله وسلامه عليه، فأخذ ما قيل له ورجع إلى بيته يقول: (زملوني زملوني دثروني دثروني) أما لو نزل هذا الملك وقال أنا رسول من عند رب العالمين هل يستطيع أحد أن يكذبه كما كذبوا النبي صلوات الله وسلامه عليه؟ لن يستطيعوا ولن يطيقوا بل سيؤمنون قهراً وقسراً، ولذلك لم ينزل الله سبحانه ملكاً من الملائكة يمشي بين الناس كهيئته؛ لأن الناس لا تطيق ذلك بل لن يستطيعوا أن ينظروا إليه.

    فالنبي ما طاق ذلك حتى طوقه الله سبحانه، فإما أن ينزل الملك على ذلك فيؤمن الناس قهراً وإما أن يكون الملك على هيئة بشرية فإذا كذبوه كذبوا بشراً فاختار الله الطريقة العظيمة الحكيمة وهي أن يكون الرسول إلى الخلق بشراً من البشر فيكون من جنسهم ومثلهم مشفق عليهم، ومهتم لأمرهم فيدعوهم إلى الله سبحانه وتعالى ليطيعوه ويوحدوه.

    وعدم جعل الرسل ملائكة ليس بسبب العجز ولكن رحمة بكم، ومعنى: يخلفون أي: يخلف بعضهم بعضاً في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها ...)

    وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ [الزخرف:61] رجع في الكلام إلى المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقد أنعم الله عز وجل عليه وسيذكره بنعمته عليه، إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا [المائدة:110] فهذه نعم من الله عز وجل أنعم بها على المسيح عليه الصلاة والسلام وعلى والدته، فقد جعله يكلم الناس وهو صبي صغير، لماذا؟ ليدعوهم إلى الله عز وجل ويمنعهم من أن يسيئوا الظن بأمه؛ لأنها ولدت طفلاً من غير أن تتزوج؟ فإما أن يقولوا عنها أنها بغي، وإما أن يجعل الله عز وجل لها آية من الآيات تصدقها، فكانت الآية أن يتكلم وهو في المهد صبيا، فهذه نعم من الله عز وجل على المسيح وعلى أمه عليهما السلام.

    وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ [الزخرف:61] أي: علم من الله عز وجل لكم يعلمكم به أن خروجه دلالة وإشارة وعلامة على قرب القيامة، فمن أشراط الساعة نزول المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

    فقد رفعه الله عز وجل إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ [آل عمران:55] أي قابضك وافياً، وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ [آل عمران:55] فمن يتبع المسيح عليه الصلاة والسلام على توحيد الله عز وجل فوق الذين كفروا فإذا نزل المسيح يوم القيامة كان أتباعه هم المؤمنون أهل دين النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهؤلاء هم الذين يتبعونه فيكونون فوق الكفار إلى أن تقوم الساعة.

    إذاً: نزول المسيح من السماء من أشراط الساعة ومن علامات الساعة الكبرى.

    فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا [الزخرف:61] أي: فلا تشكن في هذه الأشراط فإذا جاء أشراط الساعة انفرطت هذه الأشراط كعقد انفرطت جواهره يتوالى ظهورها علامة وراء علامة.

    وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث في هذا المعنى منها ما رواه ابن ماجة ورواه الإمام أحمد أيضاً بإسناد رجاله ثقات وفيه رجل وهو جبلة بن سحيم يروي عن مؤثر بن عفازة ومؤثر بن عفازة وثقه ابن حبان وقال الذهبي: وثق، في الحديث عن ابن مسعود (لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم لقي إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا الساعة فبدأوا بإبراهيم عليه الصلاة والسلام)، فالنبي صلى الله عليه وسلم أسري به إلى بيت المقدس فلقي الأنبياء وذكرنا في هذه السورة أن الله عز وجل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف:45].

    فالنبي صلى الله عليه وسلم لقي الأنبياء في بيت المقدس، وصلى بهم صلوات الله وسلامه عليه وتكلم معهم هنالك ثم لقيهم بعد ذلك في السماوات في السماء الأولى وفي الثانية والثالثة على ما ذكرنا قبل ذلك في الحديث.

    والغرض أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسري به لقي إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا الساعة (فبدأوا بإبراهيم فسألوه عنها فلم يكن عنده منها علماً، ثم سألوا موسى فلم يكن عنده منها علماً، فرد الحديث إلى عيسى ابن مريم فقال: قد عهد إلي فيما دون وقتها، فأما وقتها فلا يعلمه إلا الله) أي: الوقت الذي تقوم فيه الساعة وقت النفخ في الصور الذي سيهلك الله عز وجل به جميع من في الأرض هذا الوقت لا يعلمه إلا الله، لكن أشراطها قد أعلم الله عز وجل المسيح لأنه أحد أشراط هذه الساعة.

    قال عليه الصلاة والسلام: (وذكر خروج الدجال قال: فأنزل فأقتله) فسيخرج المسيح الدجال ويزعم للناس أنه إله، ويطلب منهم أن يعبدوه، فمن تبعه وأكثر أتباعه هم اليهود والمنافقون، أعطاهم من الأموال وسيفتح الله عز وجل عليه من كنوز الأرض فتنة لهم، ومن كفر به وكذبه سيضيق عليه هذا في الظاهر حتى ينزل المسيح على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، (قال: فأنزل فأقتله، فيرجع الناس إلى بلادهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون) .

    والدجال وعيسى كل واحد منهم اسمه المسيح والفرق بين الاثنين، أن المسيح عيسى ابن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام طهره الله سبحانه وتعالى وذاك المسيح الدجال الذي جعل الله عز وجل عينه كالعنبة الطافئة فهو أعور العين، وقد جعله الله عز وجل آية من الآيات، وجعل قبحه علامة على ما يفعله وما يقوله وعلامة للناس ليحذروه، وكتب على جبينه ثلاثة أحرف كفر، هذه الأحرف الثلاثة يقرأها كل إنسان مؤمن يعبد الله سبحانه وتعالى حتى وإن كان لا يقرأ ولا يكتب.

    وبعد أن يقتل المسيح ابن مريم المسيح الدجال قال: (يرجع الناس إلى بلادهم فيستقبلهم يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فلا يمرون بماء إلا شربوه) ويأجوج ومأجوج قبيلتان عظيمتان، من أسوأ خلق الله عز وجل، يخرجون على الناس قد حبسهم الله سبحانه وتعالى لما طلب من ذي القرنين أن يبعدهم عن الناس فأعانه الله عز وجل فجعل بين الناس وبينهم سداً وسيخرجون عند قيام الساعة.

    قال: (فلا يمرون بماء إلا شربوه ولا بشيء إلا أفسدوه فيجأرون) أي: يصيح الناس بالدعاء إلى الله، قال المسيح عليه الصلاة والسلام (فادعو الله أن يميتهم قال: فتنتن الأرض من ريحهم)، ومعناه أن عددهم ضخم جداً مما سيجعل رائحة الأرض كلها منتنة، قال: (فيجأرون) يعني الناس إلى الله قال المسيح: (فأدعو الله فيرسل السماء بالماء فيحملهم فيلقيهم في البحر ثم تنسف الجبال وتمد الأرض مد الأديم فعهد إلي، متى كان ذلك كانت الساعة من الناس كالحامل التي لا يدري أهلها متى تفجأهم بولادتها)، أي: أنه بعدما يزيل الله عز وجل آثار يأجوج ومأجوج، ينزل من السماء مطراً فيذهب بهؤلاء، ويلقي بهم في البحر، وتصير الأرض نظيفة طاهرة، وإذا بالله عز وجل يأمر فتفتت الجبال وبعد أن كانت الأرض منها الأمت ومنها العوج تصير الأرض قطعة واحدة، وتمد الأرض مد الأديم، أي: أنها تصير كالسجادة مستوية جميعها، قال (فعهد إلي) يعني المسيح عليه الصلاة والسلام (متى كان ذلك كانت الساعة من الناس كالحامل التي لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها).

    أي: فإذا جاء هذا الأمر انتظر الناس قيام الساعة كأهل الحامل الذين ينتظرون متى تولد وفي رواية الإمام أحمد قال: (لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها ليلاً أو نهاراً) .

    وفي حديث آخر رواه أبو داود بإسناد صحيح ورواه الإمام أحمد أيضاً وهذا لفظ أحمد عن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الأنبياء إخوة لعلات دينهم واحد وأمهاتهم شتى)، إخوة علات أي: ضرائر فالأنبياء إخوة لأب وليس هذا هو المقصود ولكن المقصود أن الدين واحد، أي: أن دين الأنبياء كلهم وإن اختلفت أحكام شرائعهم في تحليل أشياء، والتشديد على الناس بأشياء، ولكن الدين في النهاية الذي يدعون إليه هو توحيد الله سبحانه.

    قال صلى الله عليه وسلم: (وأنا أولى الناس بعيسى ابن مريم لإنه لم يكن بيني وبينه نبي وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه فإنه رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، سبط كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل) فهيئة المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام أنه رجل ربعه من الرجال، أي: وسط من الرجال، لا طويل بائن، ولا قصير شائن، إلى الحمرة والبياض: يعني منظره أبيض مشرب بحمرة، سبط: يعني شعره ناعم وهو غزير العرق كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل، قال (بين ممصرتين) ، وذكر في حديث آخر (بين ممشقتين وبين مهروجتين) معناه: أنه لابس ثوبين مصبوغين أقرب إلى الحمرة، قال: (فيكسر الصليب) هذا فعل المسيح عليه الصلاة والسلام. (فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية)، أي: أنه لا يقبل الجزية من أحد بل لا يقبل إلا الإسلام، قال: (ويعطل الملل حتى يهلك الله في زمانه الملل كلها)، فلا يكون هناك نصرانية ولا يهودية ولا مجوسية ولا بوذية ولا يبقى إلا الإسلام فقط؛ لأنه الدين الذي ارتضاه الله عز وجل لعباده، قال: (غير الإسلام) ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال الكذاب.

    وتقع الأمنة في الأرض، أي: الأمان في الأرض (حتى ترتع الإبل مع الأسد) أي: أن الجمال ترتعي مع الأسود، قال: (جميعاً والنمور مع البقر والذئاب مع الغنم ويلعب الصبيان والغلمان بالحيات لا يضر بعضهم بعضاً فيمكث ما شاء الله أن يمكث ثم يتوفى)، أي: يموت الموتة التي كتبها الله عز وجل عليه، قال: (فيصلي عليه المسلمون ويدفنونه).

    إذاً: سينزل المسيح؛ لأنه رفع ولم يمت عليه الصلاة والسلام، فينزل ليموت على الأرض ويصلي عليه المسلمون ويدفنونه، هذه بعض الآثار الواردة في هذا المعنى.

    نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد.