إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف [29 - 38]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • مما يدل على هوان الدنيا على الله أنه يعطيها من كفر به، فإن الدنيا مهما بلغت من العظم في عيون الخلق حقيرة دنيئة، ويكفي في حقارتها أنها زائلة، أما الآخرة الباقية فهي منحة الله لعباده المتقين، والمتقين فحسب، أما الغافلون فليس لهم في الدنيا إلا قرناء السوء، وفي الآخرة إلا العذاب المهين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ... بعد المشرقين فبئس القرين)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الزخرف: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ * وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف:33-38].

    النبوة رحمة الله يمنحها من يشاء

    يخبرنا الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات وما قبلها كيف أنه سبحانه متع الكفار في الحياة الدنيا، وأعطاهم فيها المال، والبنين، وإن كان لم يعط جميعهم، بل فتح على البعض وضيق على الآخرين، ولله سبحانه وتعالى الحكمة العظيمة في أن يعطي هذا ويمنع هذا سبحانه وتعالى.

    فالكافر يريد الحياة الدنيا للدنيا، ولا ينظر إلى حساب ولا عذاب ولا آخرة، ولا ينظر إلا إلى ما يشتهيه فيها، والله عز وجل يقول: بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ [الزخرف:29]، أي: جاءهم القرآن من عند الله، وجاءهم الرسول المبين الذي يبين لهم ما جاء من عند الله سبحانه وتعالى، وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ [الزخرف:30]، من عند الله قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف:30].

    لقد غرتهم الدنيا، وما هم فيه من نعيم، وغرهم الأمل، وغرتهم المناصب التي كانوا فيها فأنفوا أن يكونوا أتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم، ولغرورهم وزعمهم بأنهم أصحاب رئاسة، فكيف يكونون أتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم؟ فكفروا برفض فكرة مجيء رسالة من السماء، وأخذوا يتشككون كيف جاءت على النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولماذا لم تأت على أحد آخر؟ فاعترضوا بغبائهم، قال تعالى: وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31]، فهم لغبائهم يريدون أن يختاروا من ينزل عليه القرآن! ويتساءلون لم لم ينزل على الوليد بن المغيرة؟ أو على ابن أخيه أبي جهل أو على رجل من الطائف كـعروة بن مسعود أو غيره؟ لماذا نزل على النبي صلى الله عليه وسلم؟ فاعترضوا على ربهم سبحانه وتعالى، وكذبوا نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، قال الله موبخاً لهؤلاء: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ [الزخرف:32]، أي: ليسوا هم الذين يوزعون النبوة على من يشاءون، بل النبوة رحمة من الله عز وجل، وكذا الدين رحمة من الله سبحانه، وكذا الجنة رحمة الله سبحانه، أفبعد ذلك يعترضون؟ فليس لهم أن يقسموا الدين والنبوة والجنة على من يشاءون، بل الله هو الذي يقدر معيشتهم قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:32]، فإذا كانوا لا يملكون أن يقسموا حياتهم، ومعيشتهم، وأرزاقهم، أفيملكون أن يقسموا رحمة الله سبحانه وتعالى؟ بل نحن نتصرف في كل شئونهم وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف:32]، أي: جعلنا بعضهم رئيساً، وجعلنا بعضهم مرءوساً، ورفع بعضهم على بعض درجات؛ ليسخر بعضهم لبعض في الخدمة والعمل والصناعة وغير ذلك.

    وهذا كله في الحياة الدنيا، لكن رحمة الله سبحانه خير مما يجمع الإنسان، ومن رحمة الله التمسك بدين الله، وهدى الله، وجنة الله، وكل ذلك خير من حطام الدنيا وما يجمع لها، إن الدنيا حقيرة كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة؛ ما سقى كافراً منها شربة ماء)، وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى بهذا المعنى العظيم فقال: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف:33].

    تقدير الأرزاق على العباد رحمة بهم

    قال تعالى: وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [الزخرف:33]، أي: على الكفر، والمعنى: لولا أن يصير الناس كلهم كفاراً لأعطى الله الكافر كل شيء في هذه الدنيا، وهذا لبيان حقارة الدنيا، فإنه إذا أعطاها لمن لا وزن له ولا قيمة له عنده، فهي لا وزن لها أيضاً فمن رحمة الله سبحانه وتعالى، أنه لم يفتن عباده بذلك فيعذبهم، إذ أن الله إذا أراد أن يعذب الجميع؛ فتح عليهم الدنيا، حتى إذا أخذوها وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ [يونس:24]، ولكن رحمة الله عظيمة واسعة، فقد أراد أن يكون من العباد مؤمنون فيدخلهم الجنة سبحانه وتعالى، وأراد أن يكون فيهم الكفار الذين يستحقون عدل الله وعذاب الله سبحانه وتعالى.

    قوله: لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ [الزخرف:33]، أي: لأعطيناهم غنىً عظيماً، حتى يجعلون سقوف بيوتهم من فضة وفي قوله تعالى: لِبُيُوتِهِمْ [الزخرف:33]، قراءتان: فتقرأ البيوت بالضمة وبالكسر .... فيقرؤها أبو عمرو ، وحفص عن عاصم ، وأبو جعفر ، ويعقوب بالضم: لِبُيُوتِهِمْ [الزخرف:33]، وباقي القراء كـابن كثير ، وشعبة عن عاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف يقرءونها بالكسر لِبيوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ [الزخرف:33].

    وكذا قوله تعالى: سُقُفًا [الزخرف:33] فيه قراءتان: الأولى: قراءة نافع ، وابن عامر ، والكوفيين، على الجمع: سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ [الزخرف:33]، والثانية: لباقي القراء سَقفًا مِنْ فَضَّةٍ [الزخرف:33]، على الإفراد، والمعنى: سقفاً واحداً على جميع البيوت، وعلى قراءة الجمع سُقُفاً أي: لكل بيت سقفاً من فضة.

    قوله: وَمَعَارِجَ [الزخرف:33]، المعارج الدرجات والمعنى: درجات يرقون ويصعدون عليها، ويشمل المعنى كذلك أن نجعلهم أصحاب مبانٍ عالية ومنابر مرتفعة.

    قوله: عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ [الزخرف:33]، أي: يرتفعون إلى سطوحها مستمتعين بما يملكون من ذهب وفضة.

    قوله: وَلِبُيُوتِهِمْ [الزخرف:34]، أي: ولجعلنا أيضاً: لِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ [الزخرف:34]، أي: أبواباً من هذه الزخارف من الفضة ومن الذهب، ولجعلنا الأسرة التي يتكئون عليها من ذهب ومن فضة أيضاً.

    ويدل إعطاء الله الكافر هذه المتع على أن هذه المتع حقيرة، ولولا أنها حقيرة لما أعطاها للكافر وحرم المؤمن، أما جزاء المؤمن فقد وصفه الله فقال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ [محمد:15]، وزد على ذلك أن لهم المغفرة والفضل والرضوان من الله، قال تعالى: وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ [محمد:15] فهم ليسوا كمن متعه الله عز وجل متاع الحياة الدنيا ثم يكون يوم القيامة من المحضرين إلى عذاب الجحيم، فلا يستوي الإيمان مع الكفر.

    قوله تعالى: وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ [الزخرف:34]، أي: يجلسون متكئين على الأسرة، وسرير الإنسان ما يجلس عليه، أو ما ينام عليه، وكأن هؤلاء غاية في الترفيه، فالله يرفعهم ويعطيهم أسرة عليها يجلسون ويتكئون، ويفتخرون وهم جالسون عليها.

    وفي قوله تعالى: وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ [الزخرف:34]، قراءتان: الأولى قراءة الجمهور يَتَّكِئُونَ ، والثانية: قراءة أبي جعفر (يتكون).

    قوله تعالى: وَزُخْرُفًا [الزخرف:35]، الزخرف: الذهب، والمعنى يعطيهم الله ذهباً وزينة وزخارف ونقوشاً يستمتعون بها في الدنيا.

    قوله: وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ [الزخرف:35]، أي: كل هذا الذي نعطيه مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:35]، والحياة الدنيا لا قيمة لها، إذ هي أشياء حقيرة زائلة وهم كذلك زائلون، فلولا أن يفتن المؤمنون، ويقتدوا بهؤلاء الكافرين لجعلنا ذلك لهؤلاء.

    قوله تعالى: وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:35]، هذه قراءة عاصم ، وقراءة هشام عن ابن عامر ، وقراءة حمزة أيضاً، وقراءة ابن وردان عن أبي جعفر ، وقراءة باقي القراء: وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:35]، والمعنى: ما هذا إلا متاع في الحياة الدنيا، أسلوب قصر معناه: مهما استمتعوا فهو في الدنيا فقط، ثم يصيرون إلى العذاب بعد ذلك.

    قوله تعالى: وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ [الزخرف:35]، العندية هنا ليست عند الناس، بل عند الله، فالعاقبة للمتقين، أي: لأهل التقوى، ولأهل الإيمان، والإحسان، والآخرة يحتفظ بها سبحانه ويعدها لهم سبحانه وتعالى، وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:35]، أي: أن الجزاء الحسن والعاقبة الجميلة لمن اتقوا ربهم سبحانه وتعالى وخافوا من عذابه.

    ولأن الدنيا ليس لها قيمة، فقد وبخ الله عز وجل من يحرص عليها، ومن يطمع فيها، وبمعنى ما ذكره الله سبحانه وتعالى في ذم الدنيا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر).

    الغفلة سبب لتسلط أقران السوء على المرء

    قال سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36]، قوله: العشى: ضعف البصر، والمعنى: أنه لا يستطيع الرؤية بالليل، فينظر في النهار ولا يرى بالليل، والذي يعشوا عن ذكر الرحمن، كأنه يتعامى ويتغافل عن ذكر الله تعالى ويغمض عينيه عن نور رب العالمين سبحانه وتعالى؛ لأنه لا يريد أن ينظر في كتاب الله عز وجل، ولا أن يسمع لما يذكره به النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا يريد أن يستجيب، فغشى تغافل وتعامى عن ربه سبحانه وتعالى.

    ومن يفعل ذلك يسلط الله عز وجل عليه الشياطين قال سبحانه: نُقَيِّضْ [الزخرف:36]، أي: نسلط عليه وهذه قراءة الجمهور، وقراءة شعبة بخلفه، وقرءها أيضاً يعقوب يقيض بالياء، أي: الله عز وجل يقيض له، نُقَيِّضْ لَهُ [الزخرف:36]، بنون الجمع التي تدل على العظمة والمعنى: الله عز وجل يفعل به ذلك، قال: نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36]، أي: يسلط عليه، ويجمع عليه الشياطين، ويجعلهم مسلطين على هذا الإنسان الذي يريد الحياة الدنيا ويتعامى ويتغافل عن ذكر الله سبحانه، قوله تعالى: نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ [الزخرف:36]، أي: صاحب له مقترن به لا يفارقه أبداً، فكل من يتغافل عن الله، ويترك ربه سبحانه وتعالى، يتركه الله عز وجل ويسلط عليه هواه، ويسلط عليه الشياطين لأنه غافل عن الله عز وجل.

    وقوله: وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ [الزخرف:37] أي: يصدون أولياءهم من المشركين والكفار والفجار، قوله: عَنِ السَّبِيلِ [الزخرف:37]، أي: عن سبيل الحق، وعن طريق الله رب العالمين، قوله: وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:37]، إن أعظم عقوبة من الله للإنسان في الدنيا، أن يسلط عليه نفسه وشيطانه، فيجعلانه يحسب أنه على الحق.

    لأن الإنسان إذا فعل المعصية وهو يعرف أنها معصية، قد يتوب منها لشعوره بالذنب والإثم، أما الذي يفعل المعصية، وقد يقع في الكفر بالله، وهو يظن أنه على خير، وعلى الحق والصواب، فإنه قد عوقب بأعظم العقوبة ويبعد أن ينتهي عما هو فيه، ولذلك كان المشركون أيام النبي صلى الله عليه وسلم يقولون عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وعن هذا الذي نزل عليه من السماء ما قاله تعالى مخبراً عنهم أنهم قالوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [الأنفال:32]، أي: أنهم كانوا في غاية الغفلة عما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أنهم يظنون أنهم على الصواب، بل لشدة اعتقادهم بذلك يدعون على أنفسهم: يا رب أسقط علينا حجارة من السماء، إذا كنا نحن الكاذبين، مع أنهم لو تدبروا وتفكروا وأعملوا عقولهم؛ لعرفوا أنهم هم الكاذبون، وأنهم هم الكافرون، وأنهم مستكبرون عن دين الله رب العالمين، ومثل ذلك قولهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: لو كان ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم خيرا لأعطينا نحن إياه، قال تعالى مخبراً بقولهم: لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ [الأحقاف:11]، أي: طالما أننا لم نسبق إليه غيرنا، فهو ليس بخير، وهذا منطق مغلوط!؛ لأن صاحبه لا ينظر فيما جاء من عند رب العالمين، ولا ما هو عليه من باطل؛ ولو تأمل في ذلك لما وجد غضاضة في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم.

    قوله: يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:37]، قرئت يحسبون: بفتح السين، وهي قراءة عاصم وابن عامر ، وحمزة ، وأبي جعفر ، وباقي القراء يقرءونها بكسر السين، وَيَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:37].

    قال تعالى: حَتَّى إِذَا جَاءَنَا [الزخرف:38]، أي: هذا الذي عشى عن ذكر الرحمن، والعاشي هو الغافل المتعامي عن ذكر الله سبحانه، التارك لكتاب الله ولسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي قوله: حَتَّى إِذَا جَاءَنَا [الزخرف:38]، قرأتان: الأولى قراءة الجمهور وقراءة المدنيين نافع ، وأبي جعفر ، وابن كثير حيث يقرؤنها بالإفراد جَاءَنَا [الزخرف:38]، والثانية قراءة ابن عامر ، وشعبة عن عاصم ، بالتثنية: حَتَّى إِذَا جَاءَانَا [الزخرف:38]، والمعنى: العاشي والشيطان القرين، قوله: حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ [الزخرف:38]، القائل هو العاشي الذي غفل عن ذكر الله: يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ [الزخرف:38]، بعد أن جيء به موثقاً مغلاً مع شيطانه، ووضعا على النار، يظهر الحسرة والندامة ويتساءل: ما الذي قربني منك في الدنيا؟ ليتني بعدت عنك، قال تعالى: يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ [الزخرف:38]، أي: كما بين المشرق والمغرب، وهذا من باب التغليب، فإنهما إذا انفردا قيل: هنا المشرق وهنا المغرب، فإذا جمع الاثنين قيل: المشرقان، وقيل: المغربان أيضاً، على جهة التغليب كما يقال: العمران، على أبي بكر ، وعمر رضي الله عنهما، قوله: فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف:38]، أي: بئس من يقترن بالإنسان الشيطان في الدنيا؛ لأنه يغويه وفي النار يرديه يوم القيامة، لذلك المؤمن يحرص على ذكر الله عز وجل، ويحرص على أن ينتقي أصدقاء الخير، وإخوة الطاعة، وأن يجتنب رفقاء السوء، ويجتنب ما يدفعه إليه الشيطان من عمل.