إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف [23 - 32]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ذكر المولى سبحانه قصة إمام الموحدين إبراهيم عليه السلام حين تبرأ من عبادة غير الله تعالى، وأعلن براءته أمام أبيه وقومه دون خوف أو خجل، وذكر لهم أنه لن يعبد إلا من فطر خلقه وابتدأه على غير مثال سابق، فهو الذي سيهديه ويرشده، ومن تمام نعمة الله تعالى عليه أن جعل هذه الكلمة والبراءة في عقبه وأهل بيته فكثر منهم الأنبياء والصالحون، أما مشركو قريش فقد متعهم الله وأنعم عليهم، فبدلاً من أن يصدقوا رسوله تعنتوا وتكبروا واقترحوا أن يكون غيره هو الرسول، وذلك هو الجحود والطغيان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون )

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الزخرف: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ * وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ * أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:26-32].

    لما أخبر الله سبحانه تبارك وتعالى في الآيات السابقة عن حال الكفار وأنهم مقلدون لآبائهم الذين ضلوا وعبدوا غير الله سبحانه وتعالى قالوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22].

    قال الله سبحانه: وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23].

    أي: أن عادة الكفار في كل زمان إذا أرسل الله عز وجل إليهم من يدعوهم إلى توحيد الله، ويأمرهم بأن يطيعوا الله وينهاهم عن الشرك بالله كانت المقالة التي قالها الأولون، وتبعهم عليها الآخرون: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23].

    ثم يقول: كل نبي وكل رسول لقومه: أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ [الزخرف:24] .

    أو قال الله عز وجل آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم: قل أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ [الزخرف:24].

    فسيجيبون: إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف:24] .

    كأنهم يقولون: مثلما أنت على دين نحن كذلك على دين.

    فإن سئلوا من أين هذا الدين الذي عندكم؟

    يقولون: وجدنا آباءنا على أمة.

    فإن قيل: ما الدليل على أن آباءكم كانوا على هدى وكانوا على أمة؟ هل عندكم كتاب من عند الله؟ هل عندكم أثارة من علم بما تقولون؟

    فيبهتون ولا يستطيعون الرد ويكون جوابهم التقليد إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23] .

    ويقولون لرسولهم عليه الصلاة والسلام: إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف:24] .

    قال الله عز وجل: فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ [الأعراف:136] إذاً استحق هؤلاء أن ينتقم الله عز وجل منهم وأن ينتصر لدينه ولرسله عليهم الصلاة والسلام فانظر كيف كان عاقبة المكذبين؟

    إن عاقبتهم في الدنيا الهلاك، وفي الآخرة النار.

    ولكن من هؤلاء الآباء الذين قلدوهم؟

    الكفار من قريش كانوا يفتخرون بأن أباهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأنهم من ذرية إسماعيل عليه السلام.

    فيقال: ما الذي كان يفعله إبراهيم؟ وكيف كان يعبد الله سبحانه؟ وهل أشرك بالله سبحانه أم أنه جاء بالتوحيد الخالص؟ فإذا أردتم التقليد فليكن اتباعكم لإبراهيم عليه الصلاة والسلام، فلذلك ذكره سبحانه وتعالى بعدما ذكر قولهم السابق، وكأنه يقول: هذا إبراهيم عليه السلام من آبائكم لم تركتم اتباعه واتبعتم غيره؟!

    قال تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف:26] وإذ هنا ظرفية زمانية بمعنى: حين، فكأنه قال: واذكر حين قال إبراهيم ذلك وتبرأ عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من قومه بقوله: إنني براء، أي: أنا بريء، وبراء مصدر، والمصدر إذا وصف به لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث ولكن يكون على صيغة المصدر.

    فالواحد يقول: براء وكذلك الإثنان، والجمع وإنما يتغير الضمير فيقول الواحد: أنا والجمع: إننا.

    وبراء بمعنى: أتبرأ أعظم البراءة إلى الله سبحانه وتعالى مما تقعون فيه من الشرك بالله سبحانه.

    وقد قال إبراهيم عليه السلام البراءة لأبيه ولم يجامله ولقومه ولم يخش أحداً إلا الله.

    ثم قال: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف:27] وهذا استثناء قد يكون متصلاً وقد يكون منقطعاً، وعلى كلتا الحالتين فالمعنى صحيح.

    فإذا جعلنا الاستثناء متصلاً صار المعنى: أنتم تعبدون الله وتشركون به فأنا بريء من كل هذه الآلهة إلا الله.

    وإذا جعلناه منقطعاً فيكون المعنى أو التقدير: أنا بريء من كل ما تعبدونه، ولكن أعبد الله وحده لا شريك له، فتضمن (إلا) معنى (لكن).

    وعلى كلا الحالين فإبراهيم عليه السلام يقول: أنا أعبد الله فقط، سواء عبدتم الله وغيره، أو عبدتم غير الله فأنا متبرئ مما تفعلون، فالله لا يقبل أن يعبد مع غيره وإنما يعبد وحده ويقول: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه).

    ولا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً له وحده لا شريك له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( إلا الذي فطرني فإنه سيهدين )

    قال تعالى: إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي [الزخرف:27] أي: أنشأني وخلقني وابتدعني، ويقال: فطر الشيء إذا أنشأه لأول مرة، فالله عز وجل خلق الإنسان ليس على مثال سابق، ولكن أوجد الله سبحانه آدم عليه السلام على هذه الخلقة التي كانت من تراب ثم سواه بعد ذلك، وقد خلق السماوات، والأرض، وفطر ذلك كله وخلقه على نحوٍ بديع ولم يكن قبل ذلك إلا عدماً.

    قال: فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ [الزخرف:27] أي: أن الذي يهديه هو الله وحده لا شريك له.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون )

    قال تعالى: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:28] اختلف هنا في الجاعل هل هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام؟ فيكون المعنى: أنه سنها لذريته من بعده.

    أم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي جعلها ماضية في ذرية إبراهيم عليه السلام.

    والصواب أن يقال: إنما قالها إبراهيم عليه السلام مرة ثم جعلها الله عز وجل في عقبه ومن خلفه بعد ذلك إكراماً لإبراهيم عليه السلام، فأدام الله بذلك دينه.

    قال تعالى: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً [الزخرف:28] هذه الكلمة هي كلمة التوحيد، والبراءة من الشرك بالله سبحانه.

    فكل إنسان مؤمن يوحد الله سبحانه، لا بد أن يتبرأ من الشرك والكفر؛ ولذلك يقول الله سبحانه: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا [البقرة:256].

    ولا يصح أن يكون الإنسان مؤمناً بالله وبغير الله بل لا بد أن يكفر بالطاغوت وكل ما عبد من دون الله سبحانه، ويكفر بالأصنام، وبعبادة البشر، والملائكة، والجن، ولا يعبد إلا الله وحده لا شريك له.

    وقوله تعالى: فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا [البقرة:256] هو معنى قول لا إله إلا الله، ومعنى قوله سبحانه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [الأعراف:59].

    قال تعالى: وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ [الزخرف:28] العقب: النسل والذرية.

    قال سبحانه: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الزخرف:28] أي: لعل الناس يرجعون إلى ما قاله إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو لا إله إلا الله، ويرجعون إلى الله تائبين إليه، ويرجعون إلى دين الإسلام فيعبدون الله ولا يشركون به شيئاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( بل متعت هؤلاء وآباءهم ...)

    قال تعالى: بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ [الزخرف:29] الله سبحانه وتعالى متع هؤلاء، فأعطاهم المال، والبنين، وأعطاهم من الدنيا ومن قبلهم متع آباءهم.

    فالله عز وجل يعطي العبد المؤمن إكراماً منه، ويعطي الكافر إمهالاً له، قال: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ [الأعراف:183].

    فليس العطاء من الله عز وجل للإنسان دليلاً على أنه يحبه، ولكن يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الآخرة إلا من أحب سبحانه وتعالى.

    قال: مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ [الزخرف:29] أي: أعطيتهم ما يستمتعون به، ويعيشون، ويتنعمون به، وكذلك أعطيت آباءهم من قبل.

    قال تعالى: حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ [الزخرف:29] أي: إلى أن جاءهم من عند الله سبحانه وتعالى الحق وهو هذا القرآن العظيم، مع رسول مبين صلوات الله وسلامه عليه.

    فوصف القرآن بأنه الحق، ووصف الرسول بأنه مبين عليه الصلاة والسلام، ورسول يعني: صاحب رسالة فقد آتاه الله عز وجل هذا القرآن رسالة منه؛ ليبلغها إلى الخلق جميعهم.

    وقوله تعالى: مُبِينٌ [الزخرف:29] إما أن يكون، من بان، أو من أبان.

    فبان بمعنى: ظهر، فهو رسول ظاهر جلي من نظر إليه عرف أنه الرسول؛ لأنه لم يكذب قبل ذلك قط، فمن المستحيل أن يترك الكذب على البشر ثم يكذب على رب البشر.

    وكذلك قد جاء بمعجزات وبينات تدل على رسالته.

    وإذا قلنا: من أبان، فالمعنى: أنه أفصح وبين، فهو مبين لنا هذه الشريعة وقد آتاه الله عز وجل جوامع الكلم، فينطق بالحق، وينطق بالكلام الذي يفهم والذي لا إشكال فيه، فهو مبين عن الله سبحانه، وموضح لكلام رب العالمين، ولذلك جاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم تفصل القرآن العظيم وتبينه، فنحتاج إلى القرآن ومعه سنة النبي صلى الله عليه وسلم التي تقيد ما يطلق فيه، وتبين ما أجمل، وتخصص ما عمم فيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون ...)

    قال تعالى: وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ [الزخرف:30] قال كفار قريش ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وهم مستيقنون أنه لم يتعلم سحراً أبداً، وأن هذا القرآن مستحيل أن يكون سحراً، ولكن لما لم يجدوا رداً على النبي صلى الله عليه وسلم، اجتمعوا وتشاوروا هل يقولون عنه كاهن؟ لكن الكاهن يعرف فلن يصدقوا.

    أم يقولون: عراف؟ والعراف كذلك معلوم.

    أم يقولون: كذاب؟ وقد علم الناس صدقه.

    أم يقولون: مجنون؟ ولكنه أعقل الخلق.

    فلما لم يجدوا شيئاً قالوا: إنه ساحر؛ لأنه يفرق بين الرجل وابنه، والمرأة وزوجها، فالمرأة تدخل في الإسلام وزوجها كافر ويفرق بينهما، ويعادي الابن أباه، لأن أحدهما مسلم والآخر كافر.

    فقالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ساحر، كما قال قبل ذلك الكفار عن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وجعلوا ما جاء به من القرآن سحراً فكفروا به.

    وقال الذين كفروا بعضهم لبعض: لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [سبأ:31].

    وقالوا: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26] فلو كان معهم حجة تقال لقالوها ولما أخذوا في هذا الكلام الباطل الذي لا يكون دليلاً ولا حجة على عدم أيمانهم فليس لهم حجة إلا العناد وتقليد آبائهم قال تعالى عنهم: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22] فرفضوا ما أتى به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأعرضوا عنهم وكذبوهم ورموهم بالسحر والكذب.

    1.   

    علة كفار قريش في عدم إيمانهم

    لقد تعللوا بكلام بارد، وسخيف وقالوا: لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف:31] لماذا أنت نزل عليك القرآن؟ أما وجد غيرك حتى يرسله؟! فهم نظروا للرجل الذي نزل عليه القرآن ولم ينظروا لهذا القرآن نفسه، كمن يأتيه ساعي البريد برسالة فبدلاً من أن يفتحها ليطلع على مضمونها يقول: أما وجد غيرك حتى يرسلها معه؟ فهذا الكلام في غاية السفاهة وصاحبه خفيف العقل.

    ثم على فرض أنه نزل القرآن على رجل من القريتين عظيم، يعني: ذا مال وذا جاه وبنين فغناه لنفسه، وليس لك أنت، وماذا تعمل بغنى غيرك؟! إنما الذي يغنيك هو الله سبحانه وتعالى، إذا أخذت رسالته أنزل عليك البركات من السماء، وأخرج لك البركات من الأرض، ولكن لجهلهم وحماقتهم وتفاهة تفكيرهم قالوا ذلك.

    ويقصدون بالقريتين مكة والطائف، وبالرجلين الوليد بن المغيرة صاحب المال وعم أبي جهل الذي كان من أكفر خلق الله.

    والذي من الطائف، عروة بن مسعود الثقفي .

    والسؤال: هل إذا نزل القرآن على أحد هذين الرجلين كانوا سيؤمنون؟ والجواب: لا، وإنما سيتعللون بأشياء تافهة لا معنى لها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: ( أهم يقسمون رحمة ربك ...)

    قال تعالى: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32] يعني هل هم يتحكمون فيها؟

    فانظر لجهلهم وتعجب من حماقتهم وغبائهم.

    قال تعالى: نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [الزخرف:32] فالمعيشة نحن الذين قسمناها بينهم، وقسمنا الأرزاق.

    وانظر لإنسان تجده يتكلم كلاماً جميلاً وفيه قوة وصحة وهو فقير بينما تجد آخر بطيء الكلام قليل الحيلة قد فتح الله له في التجارة وفي الرزق شيئاً كبيراً، فالله الذي قسم هذه المعيشة في الدنيا.

    فإذا كان اللبق في الدنيا لا يقدر أن يغني نفسه فكذلك في الآخرة لا يستطيع أن ينفع نفسه إلا أن تداركه رحمة من ربه تعالى.

    قال تعالى: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا [الزخرف:32] أي: ليسخر بعضهم بعضاً فيعمل من لا مال له عند صاحب المال؛ ليعطيه منه.

    فالله تعالى هو الذي جعل فلاناً يعمل عند فلان، وجعل الناس يحتاج بعضهم لبعض، ولا يوجد أحد يقدر أن يعمل كل شيء، بل كل في تخصصه؛ ليحتاج الجميع بعضهم لبعض.

    فكأن الله تعالى يقول: فإذا كنا نحن الذي فعلنا بكم ذلك وقسمنا بينكم معيشتكم في الحياة الدنيا فهل ستقسمون أنتم رحمتنا؟!

    قال تعالى: وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [الزخرف:32] يعني: في الدنيا، جعل هذا وزيراً، وهذا رئيساً وهكذا.

    قال تعالى: وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [الزخرف:32] فالرحمة التي عند الله سبحانه من إنزال الكتب، وإرسال الرسل والجنة خير من حطام الدنيا الذي يزول، فاسألوها من الله تعالى؛ فإنه لا يملكها إلا هو.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.