إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف [15 - 23]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ادعى الكفار أن الملائكة بنات الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! وليس لهم أثارة من علم، فقد كانوا يأنفون إذا رزق الواحد منهم أنثى ووصلت بهم الجاهلية إلى أن يدفنوها حية! وما ذاك إلا لنقص عقولهم وبعدهم عن خالقهم ومولاهم سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى:(أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين ... على آثارهم مهتدون)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الزخرف: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ * وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ * وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ * أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:16-22].

    يذكر الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات وما قبلها أمر الكفار، وكيف أنهم جعلوا وسموا لله عز وجل من عباده جزءا، فقالوا: لنا البنون، وله البنات.

    وادعوا أن الملائكة بنات الله، وافتروا عليه الكذب، وليس معهم أثارة من علم، على ما يدعونه، فوبخهم جل في علاه وحاشا له أن يتخذ الصاحبة أو الولد.

    قال: وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ [الزخرف:15] أي: جحود لنعم الله عز وجل عليه، فإذا تكلم عن ربه، تكلم بالكذب والافتراء مثل الذي يخرج من هؤلاء الكفار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين)

    أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ [الزخرف:16] أي: هل فعل الله عز وجل ذلك؟ ومن أين لكم هذا العلم؟ وهل رأيتم الله سبحانه حين خلق الذكر والأنثى اصطفى لنفسه البنات وجعل لكم البنين؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً...)

    وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ [الزخرف:17] أي: هذا حالهم، فقد كانوا لا يحبون أن ينجبوا البنات، فإذا جاءت البنت لأحدهم، أمر الداية التي ولدتها أن تذهب فتئدها وهي حية، وهذا الفعل يصوره الله عز وجل هنا، وقد صوره في سورة النحل، وذكر كيف يصنعون، فقال: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا [النحل:58] أي: اربد وجهه، وعبس، وتغير.

    وَهُوَ كَظِيمٌ [الزخرف:17] أي: كاظم للغيظ، ساكت عليه، وعلى نية سوء بهذه الفتاة.

    يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [النحل:59] أي: ساء حكماً هذا الحكم الذي يحكمون به، أن يأخذوا البنين ويفرحوا بهم، ويكون مصير البنات القتل، والوأد، ويدعون على ذلك أشياء هم فيها كاذبون، فقد يكون حدث من امرأة شيء مكروه لكن لا تعمم جناية امرأة على جميع النساء.

    أول من وأد البنات من العرب وسبب ذلك

    أول رجل عربي وأد البنات هو قيس بن عاصم التميمي والسبب: أن ناساً أغاروا عليه وأخذوا حريمه، وماله، ثم إن الذي أغار عليه، أخذ بنته لنفسه، فلما تصالحوا أراد قيس أن يأخذ ابنته، فخيرها الذي أخذها، بين أن ترجع إلى أبيها أو تكون زوجة له، فاختارت أن تكون زوجة له، فأقسم أبوها أنه لن ينجب بنتاً بعد ذلك إلا ووأدها، بسبب هذا الذي حدث، وليس من حقه أن يصنع ذلك، ولا ينبغي أن نجعل جريمة امرأة جريمة جميع النساء.

    ولذلك الكفار أخذوا هذه الحجة وتلقفوها منه، وصاروا يقولون ويزعمون أن البنات مصدر شر لهم، فهن لا عمل لهن، ولا يدافعن عن القبيلة، وإنما يكن عاراً على القبيلة، إذاً: فلا داعي للبنات.

    يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ [النحل:59] أي: يختفي من الناس؛ كأنما صنع عملاً منكراً حتى لا يسألوه ماذا أنجبت مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ [النحل:59] بزعمه، أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ [النحل:59] أي: على هوان عظيم وذل جسيم، أم يدسها إما هو بنفسه، وإما أن يأمر غيره أن يصنع ذلك.

    يصور الله عز وجل في هذه الآيات حالة الجاهلية الجهلاء، كيف يصنعون ببناتهم، هذه البنت التي كانت لا قيمة لها عند أهل الجاهلية، وعند أهل الأديان الأخرى، فقد كانوا لا ينظرون إليها إلا أردأ النظرات، ثم جاء الإسلام فعززها، وكرمها، وجعل لها وظيفة كبيرة، هي تربية أبنائها، بحيث يخرج وهو يعرف كيف يتعامل مع الناس، ومع العمل، ومع الآلات، وكما قيل:

    الأم مدرسة إذا أعددتها أعدد شعباً طيب الأعراق

    فالأم مدرسة تعلم أبناءها، في بيتها الرجولة والأدب، فإذا بالناس يتركون ما جعل الإسلام للمرأة من مكانة عظيمة في بيتها، ويخرجونها إلى الطريق سافرة، حاسرة عن حجابها، متبرجة تبرج الجاهلية الأولى، بل أشد من تبرج الجاهلية الأولى، فتنسى ربها سبحانه، وتنسى ما أمرها به في كتابه، وما أمرها به النبي صلى الله عليه وسلم في سنته، لقد نسيت نفسها، فتركها الله عز وجل منسية لا قيمة لها، مهما علت في الدنيا؛ لأنها في النهاية سترجع إلى ربها سبحانه فيسألها، لما فرطت؟ لما ضيعت؟ كنت راعية على أهلك، وعلى مال زوجك، وعلى بيتك، ثم ضيعت هذا كله لتخرجي للناس في الطرقات متبرجة، سافرة، تتركين الدين وتفعلين المعصية.

    لقد عاب الله سبحانه على أهل الجاهلية، ووبخهم على ما كانوا فيه من وأد بناتهم، وهم في أنفسهم كانوا يعرفون أن هذا الفعل لا يجوز لهم أن يفعلوه، ولكنه الطمع في الدنيا فقد فضحهم الله عز وجل فقال: وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام:151] أي: لئن كانوا يقتلون بناتهم خشية العار كما زعموا، فإن أكثرهم يقتلونهن خشية الفقر، ففضحهم الله عز وجل بهذه الآية.

    فكان الإنسان يقتل ابنته إما لأنه فقير، أو لأنه يخاف من الفقر، فالله عز وجل يقول لهم: نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ [الإسراء:31] أي: ثقوا فإن الرزق من عند الله، وليس من عندكم أنتم.

    وقد روي أن رجلاً من هؤلاء كانت امرأته تلد الإناث، فولدت أنثى فهجر البيت، وكانت أحكم منه وأعلم فقالت في أبيات شعر لزوجها الذي اعتزل البيت غضباناً منها؛ لأنها ولدت أنثى:

    ما لأبي حمزة لا يأتينا يبيت في البيت الذي يلينا

    غضبان أن لا نلد البنين وهل سنأخذ غير ما أعطينا

    أي: أن الله سبحانه هو الذي يعطي ابنا أو بنتاً وسنأخذ ما أعطينا، فلماذا تصنع هذا الشيء؟ والأمر بيد الله سبحانه، يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [الشورى:49-50] فالله عز وجل جعل لإنسان الذكور، وجعل لآخر الإناث، وجعل لثالث الذكور والإناث، وجعل الرابع عقيماً لا يلد والله عليم حكيم سبحانه وتعالى، وهذه هبة من الله، فإذا أعطاك الله شيئاً فاحمده سبحانه وتعالى، وافرح بقضائه وقدره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أومن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين)

    يقول سبحانه: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ [الزخرف:18].

    يُنَشَّأُ[الزخرف:18] أي: يربى في الحلية، فهم يقولون: لا نريد البنت؛ لأننا سنعطيها ونحليها، فإذا أتى وقت الجد لن تقف تخاصم وتجادل عنا، إذاً: لا تصلح هذه.

    1.   

    قول الكفار أن الملائكة إناث قول بلا علم

    قال سبحانه: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ [الزخرف:19]ت

    أي: هم يأنفون أن تكون لهم بنات، لكنهم لا يأنفون أن ينسبوا لله البنات سبحانه وتعالى عما يصفون.

    فقد قسموا بينهم وبين ربهم في الأموال وفي الأولاد، قال الله عنهم: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا [الأنعام:136].

    أي: عندما يريدون أن يتصدقوا، يقولون: هذا لله أي: صدقة لله، وهذه لآلهتهم أي: لأصنامهم، ثم يأخذون التي جعلوها لله خالصة ويجعلونها لأصنامهم، ويقولون: الله غني عن ذلك، فهو لا يحتاج، لكن الأصنام محتاجة إليها، فهم يعرفون أن الأصنام فقيرة، لا تأكل ولا تشرب، لا تنفع ولا تضر، والله سبحانه أغنى الشركاء عن الشرك.

    وفي الأولاد. نظروا إلى البنات نظرة نقص فقالوا: البنات لله، ولنا الذكور، الذي يأنفون منه يجعلونه لربهم سبحانه فالملائكة الذين هم عباد، ولم يقل عابدات، فذكرهم بصيغة الذكور، هؤلاء يؤنثونهم ويقولون: الملائكة إناث، فالذي خلقهم هو أعلم بهم وليس هؤلاء الجهال الضلال.

    قال: وَجَعَلُوا [الزخرف:19] أي: ادعوا، وزعموا، ووصفوا، وسموا، الملائكة الذين هم عباد الرحمن هذه قراءة الجمهور، أبو عمرو والكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي وخلف ، وقراءة الباقين: الذين هم عند الرحمن فالملائكة عند الرحمن، وليسوا عندكم أنتم، ولا ترونهم، إنما الذي يراهم هو الله سبحانه وتعالى، وشرفهم بالعندية، وأخبر أن هذا غيب، الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ [الزخرف:19] يفعلون ما يأمرهم الله سبحانه وتعالى، ويجتنبون ما ينهى عنه، ولا يعصون الله أبداً.

    أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ [الزخرف:19] أي: يقول مبكتاً لهم هل حضروا خلق الملائكة حتى يقولوا ذلك؟! أم أنهم يفترون على الله الكذب؟ وهذه قراءة الجمهور.

    وقرأها المدنيان: نافع وأبو جعفر ، أأشهدوا خلقهم أي: هل أشهدهم الله عز وجل خلق الملائكة؟ فإذا قالوا: شهدنا، كتب عليهم ذلك، ويسألهم يوم القيامة، والسؤال هنا للتبكيت، وللتعذيب؛ لأنهم لم يشهدوا شيئاً، ولم يشاهدوا شيئاً، فإذا افتروا وقالوا: نعم رأينا الملائكة، إذاً سنكتب هذه الشهادة، ونعذبكم عليها يوم القيامة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ...)

    وقالوا أي: هؤلاء الكفار: وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [الزخرف:20] يحتجون بالقضاء والقدر، على وجه التهكم، والسخرية، يقول هؤلاء الكفار: نحن عبدنا الأصنام، وربنا يريد ذلك، من أجل ذلك تركنا، لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ [الزخرف:20] فأرجعوا الأمر لمشيئة الله عز وجل، وهذا كلام حق، أريد به باطل، فالإنسان قد يتكلم بالباطل، وهو يعرف أنه باطل، وقد يتكلم بالحق في غير موطنه وغير موضعه.

    مثل الإنسان الذي يسرق، ثم يقول: لو شاء الله ما سرقت، نعم لو شاء الله لمنعك من ذلك، ولكن الله سبحانه وتعالى قدر أشياء في الغيب عنده سبحانه وتعالى، ومما قدره أن تكون لك مشيئة، واختيار، قال تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [الإنسان:30] فأنت في الوقت الذي تمد يدك على مال الغير، أنت مريد لذلك، وأنت الذي اكتسبت ذلك، والله يحاسبك على كسبك، وعلى اختيارك، فلا تحتج بالقدر، ولا تقل: قدر الله على ذلك، لكن أعد السرقة لصاحبها، وانظر هل سيمنعك الله من ردها أو لن يمنعك؟ فأنت حين تمد يدك على كوب الماء لترفعه، تعرف أنك أنت الذي تفعل ذلك، وتعلم أن الله قدرك عليه، وحين تضعه تعلم أنك أنت الذي تفعل، وأن الله قدرك عليه، لماذا احتججت عندما وضعته على فمك أن الله هو الذي فعل وعندما تركته أنك أنت الذي فعلت، لماذا احتججت في واحد احتجاجين.

    والله شاء أن تكون لك مشيئة، فبمشيئتك واختيارك تكسب الخير، والشر، وهذا الذي يجزيك الله عز وجل عليه، فالكفار عندما يقولون: لو شاء الله ما عبدناهم، هذا كلام صحيح فالله عز وجل: خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن:2] ولكن حين تعبد الأصنام، ألست مختاراً لذلك، وحين تترك ذلك، ألست مختاراً لذلك، هذا الاختيار الذي عندك هو من مشيئة الله عز وجل، وأن تكون مختاراً، شاء أن تكون مريداً، فالله عز وجل هو الذي مكنك من أن تفكر، وأن تعقل، وأن تمشي شمالاً أو يميناً، فعلى ذلك لا تحتج بالقضاء والقدر على المصيبة وعلى الذنب الذي تفعله.

    فالإنسان متى يحتج بالقضاء والقدر؟ حين يتوب إلى الله عز وجل، يقول: قدر الله وما شاء فعل، ولكن وهو يفعل المعصية، يمد يده إلى الشر، ويقول الله يريد هذا الشيء، اترك الشر وابتعد عنه، وانظر هل تمنع أو لا تمنع؟ فأنت الذي اخترت، وأنت الذي فعلت، وأنت الذي تجزى على فعلك وكسبك.

    فكأنهم يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم عبادة الأصنام صحيحة، ولو لم تكن صحيحة لما تركنا الله، ولأنزل علينا عذاباً من السماء، قال الله عز وجل: مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ [الزخرف:20] أي: هؤلاء جهلة، إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ [الزخرف:20] أي: هم يكذبون على الله سبحانه وتعالى، فإذا فعلوا الشر قالوا: ربنا الذي أمرنا بهذا، وإذا فعلوا الخير، قالوا: نحن الذي فعلنا هذا الشيء.

    فالله سبحانه وتعالى يقدر الأقدار، ويدل العباد على الخير، والشر، وأنت باختيارك تختار وتكسب فيجزيك الله عز وجل على اختيارك، وعلى ما اكتسبته لنفسك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم آتيناهم كتاباً من قبله فهم به مستمسكون)

    قال الله سبحانه: أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ [الزخرف:21] بل، أي: هل أتيناهم كتاباً من قبله، فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ [الزخرف:21] أي: هل عندهم أثارة من علم، فليخرجوا هذا الكتاب الذي عندهم، الذي يدعون أنهم يشرعون لأنفسهم بناء عليه، إنهم، ليس لديهم كتاب، ولا متمسكين بشيء، بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:22-23] أي: قالوا: سنتبع الآباء ونسير على هديهم؛ لأنهم أفضل منا.

    والدين الإسلامي العظيم يقول للإنسان، اعمل عقلك الذي خلقه الله عز وجل فيك، وانظر فيما ينفعك وما يضرك، فهل هذا الصنم الذي عبدته وإن كان كل آبائك قد عبدوه، هل ينفعك أو يضرك، فإذا قال: لا ينفعني ولا يضرني، قيل له: إذاً لماذا تعبده؟ فيقول: من أجل أنه يقربني إلى الله عز وجل، فقيل له: إن الله سبحانه يقول لك: لا تعبده، لا تشرك بي، فلماذا تصنع ذلك؟ فيقول: لأن أبي كان كذلك.

    ولذلك ذكر الله عز وجل قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ [الزخرف:26] لماذا ذكر هذه القصة؟ لهذا السبب؛ لأنهم يقولون وجدنا آباءنا إذاً: أعظم آبائهم إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وإسماعيل الذي يفتخرون به، ويحجون البيت كل عام، ويقولون: ملة أبينا إبراهيم، فلماذا اتبعتم آباءكم الأقربين، وتركتم من تتشرفون به الذي وحد الله سبحانه، ولم يشرك به شيئاً.

    فأبوكم إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، تبرأ من هذه الآلهة والأنداد إلا الله سبحانه وتعالى.