إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف [1 - 8]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • سورة الزخرف سورة مكية، أقسم الله عز وجل في مطلعها بالقرآن العظيم، وأنه كتاب عربي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، كما بين الله في هذه الآيات أنه لا يهلك قوماً أو يعذبهم حتى يقيم عليهم الحجة، فكم أرسل الله من أنبياء إلى الأمم السابقة، وكم من أمم أهلكها الله عز وجل بسبب تكذيبهم، فكان في ذلك عظة وعبرة وتهديد لكفار قريش وغيرهم من المشركين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (حم)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد:

    بسم الله الرحمن الرحيم

    حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ * أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ * وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ [الزخرف:1-8].

    إعجاز القرآن الكريم

    سورة الزخرف هي الثالثة والأربعون من كتاب الله عز وجل، وهي سورة من سور آل حاميم، وهي من السور المكية كغيرها من سور الحواميم، وفيها خصائص السور المكية كما عرفنا قبل ذلك في خصائص هذه السورة.

    وقد ذكرنا: أن سور آل حاميم، أو الحواميم التي بدأت بسورة: (غافر) وانتهت بسورة: (الأحقاف) نزلت متناسقة، أي: نسقاً، سورة وراء سورة على ترتيب وجودها في المصحف، فهذه السورة في ترتيب النزول هي الثانية والستون، فنزلت بعد سورة الشورى، وبعدها سورة الدخان.

    والحواميم قلنا أنها: سورة (غافر)، وسورة (فصلت)، وسورة (الشورى)، وسورة (الزخرف)، وسورة (الدخان)، وسورة (الجاثية)، وسورة (الأحقاف)، وكلها تبدأ بالحرفين: (ح) و(م).

    والله سبحانه وتعالى قد تحدى خلقه بهذا القرآن العظيم، فقال: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:13]، وقوله: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، وهذا بعد أن تحداهم أن يأتوا بكتاب مثل هذا القرآن العظيم، وأنه لو اجتمع له الإنس والجن ليفعلوا ذلك، فقال: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، أي: لو أن بعضهم ظاهر بعضاً، وعاون بعضهم بعضاً على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فلما لم يقبلوا التحدي ولم يفعلوا، تحداهم بعشر سور كما في سورة هود، فلم يقدروا، فتحداهم بسورة واحدة كما في سورة يونس، ولم يقبلوا هذا التحدي، ولم يفعل أحد منهم شيئاً، ولم يأتوا بشيء، حتى أن من أراد منهم أن يأتي بشيء ألف أشياء يسجعها على وزن سورة من سور كتاب الله، فإذا بأصحابه يسخرون ويضحكون منه، ويعلمون أنه كاذب فيما يقول.

    وهذه السورة العظيمة آياتها تسع وثمانون آية على عد بعض القراء، وعلى عد آخر ثمان وثمانون آية، وهذا عند قراء الشام، وبقية القراء على تسع وثمانين آية، والخلاف في: (حم) هل هي آية متصلة بما بعدها، أو أنها ليست آية متصلة؟ عند الكوفيين أن: (حم) آية، وما بعدها آية، وأما عند غيرهم: حم والكتاب المبين آية واحدة.

    أيضاً اختلفوا في: مهين عند الوقف عليها، هل هي جزء من آية أم لا؟ وكما ذكرنا مراراً نقول: إن اختلاف العد في الآيات ليس معناه أن هناك آية زائدة، أو آية ناقصة، لا، وإنما الخلاف في أين نقف؟ فإذا قرأ: حم ووقف عندها فهو يقف عند رأس آية، وإذا قرأ: حم والكتاب المبين الاثنين معاً فهي آية واحدة، فعلى ذلك هي نفس الآيات، ولكن الخلاف في أين يقف القارئ؟

    الحروف المقطعة وتأويلها

    سورة الزخرف بدأها سبحانه وتعالى بقوله: حم [الزخرف:1]، (حم) حرفان اختارهما الله عز وجل لهذه السورة، وللست السور الأخرى، وآل حاميم تبدأ بهذين الحرفين في كل سورة من هذه السور، لحكمة من الله سبحانه وتعالى، إذاً: ما معنى هذين الحرفين؟ حكمة من الله عز وجل.

    وافتتح الله بعض سور القرآن بهذه الحروف إشارة إلى تحدي الخلق بأن هذا القرآن من جنس هذه الحروف التي تقرءونها، فأتوا بقرآن مثله، فالقرآن مركب من هذه الحروف، أي: حروف اللغة العربية، فألفوا منها كتاباً مثل هذا الكتاب إن استطعتم إليه سبيلاً.

    وهذه الحروف إذا ذكرت في أوائل السور فالغالب أنه يذكر بعدها إشارة إلى هذا القرآن العظيم، فقال في سورة غافر: حم [غافر:1] ثم قال: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [غافر:2] وقال في سورة فصلت: حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [فصلت:1-2]، وفي سورة الشورى قال: حم * عسق [الشورى:1-2]، ثم ذكر الإشارة إلى كتاب الله سبحانه وتعالى.

    كذلك هنا وفيما بعدها من سور آل حاميم الغالب فيها أنه يشير، إما مباشرة إلى هذا القرآن، وإما بعدها بآيات إلى ذكر القرآن والتحدي للخلق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والكتاب المبين)

    قال تعالى: حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الزخرف:1-2]، أقسم الله عز وجل بالكتاب المبين، والكتاب هو: القرآن العظيم الذي نعرفه، فيقسم الله عز وجل به، ويصفه بأنه كتاب مبين، سواء هنا أو في مواضع أخرى من القرآن، و(مبين) إما من: بان، وإما من: أبان، وهما معنيان صحيحان، من: (بان) بمعنى: ظهر، فهو كتاب ظاهر واضح جلي لا شك فيه، ومن: (أبان) بمعنى: أظهر وأوضح وبين، فهو يبين لكل ذي عقل، ولكل ذي لبٍ، ولكل من يفهم، الأحكام حتى يعقلوا عن ربهم سبحانه وتعالى ما يأمرهم به، وما يريده منهم سبحانه وتعالى، فهو كتاب واضح جلي لا غموض فيه، ولا إشكال فيه، بل يفهمه من يعرف العربية معرفة العلماء، ومن يعرفها معرفة العامة، فيسمع القرآن فيعقل عن الله سبحانه وتعالى ما يقول، وما يأمر به سبحانه وتعالى، وما ينذرهم به، وما يبشرهم به، وما يخبر عن الإيمان به، كآمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، ويبين لهم القرآن ما يشكل عليهم في حياتهم، فهو البيان والشفاء والموعظة، وقد ذكر الله في موضع آخر فقال: تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ [القصص:2] وهنا قال: وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ [الزخرف:2].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون)

    قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:3].

    قوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ [الزخرف:3]، هذا جواب القسم، فأقسم ربنا سبحانه وتعالى بالكتاب المبين: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:3]، أي: جعلنا هذا القرآن العظيم بلسانكم: بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:195]، واللغة العربية أعظم اللغات، وأفصح اللغات، وأبلغ اللغات، وأجمل اللغات، فنزل القرآن بهذه اللغة العربية، نزل من السماء من عند رب العالمين، نزل بسفارة أعظم الرسل من الملائكة وهو جبريل، على أفضل رسل الله في الأرض محمد صلوات الله وسلامه عليه، في أشرف البقاع وهي مكة، وفي أفضل الزمان وهو رمضان، فكان القرآن أعظم ما نزل من السماء، في أعظم البقاع، على أعظم وأفضل الرسل صلوات الله وسلامه عليه، في أفضل الشهور وهو شهر رمضان: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ [الدخان:3].

    قال: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف:3]، و(جعل) لها معانٍ كثيرة، فهي هنا بمعنى: سماه ووصفه وقاله وبينه سبحانه وتعالى، فالله جعله قرآناً عربياً، ولو شاء لجعله قرآنا أعجمياً، فهو سبحانه الذي خلق العباد، وخلق اللغات، وخلق ألسنة العباد، وخلق عقول العباد، فيفهمون ما يريد الله عز وجل منهم، فلو شاء لجعله قرآناً أعجمياً، ولكن أنزله بلسان عربي مبين على النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    ومثل (جعل) بمعنى: سمى ووصف قوله تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ [المائدة:103] أي: ما وصف ولا سمى هذه الأشياء، ولكن أنتم الذين افتريتم ذلك، وأنتم الذين سميتم ذلك.

    وكذلك قوله تعالى: الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ [الحجر:91]، ليس معناه: الذين خلقوا القرآن عضين، لا، وإنما معناه: الذين اختلفوا وتشاكلوا في القرآن، فكل منهم يقول فيه بشيء، فهذا يقول: سحر. وذاك يقول: كهانة. وغيرها من الأكاذيب والأوصاف التي يصفون بها القرآن، فهذا من معاني جعل، وهو سبحانه الذي أراد أن يبين لنا أن هذا القرآن عربي، تكلم به ربنا سبحانه وتعالى، فأوحاه إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل عليه السلام، فنزل به بهذا اللسان العربي على النبي صلوات الله وسلامه عليه.

    وكلمة: (قرآن) من القرء، وهو الجمع، فسوره مجموعة، وهو الذي يقرأ ويتلى، فالقرآن يتلى، ويجمع في صحيفة، ويجمع في الصدور.

    قوله: قُرْآنًا عَرَبِيًّا [الزخرف:3] هي قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير : (قراناً عربياً) يعني: يقرأ بالألف بدل الهمزة، وإذا وقف عليها حمزة قرأ كـابن كثير : (قراناً).

    قوله: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:3] أي: عن ربكم سبحانه وتعالى ما يقوله لكم، وتفهمون هذا القرآن الذي هو بلسانكم، وكما ذكر الله عز وجل: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4]، فكل رسول أرسله الله عز وجل إلى قوم أرسله بلسانهم، حتى يبين لهم، وهذا القرآن العظيم نزل بلسان عربي، نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في مكة حتى ينتشر إلى العالم كله بهذا اللسان العربي المبين.

    قوله: فإذا عقلتم عن الله سبحانه ما أراد منكم، وما أراد بكم عملتم بما فهمتم، ولذلك السور المكية يخاطب الله عز وجل بها عقول العباد، وكأنه يقول لهم: أين عقولكم حين تعبدون هذه الأصنام من دون الله؟ فمن خصائص هذه السورة كغيرها من السور المكية، تقرير أمر العقيدة في قلوب الناس: عقيدة الإيمان بالله وحده، ونفي الشرك عن الله سبحانه، عقيدة الإيمان برسل الله وملائكة الله، والإيمان بما أنزل الله عز وجل من السماء، وإعمال العقول فيما يحدثونه من بدع، وفيما يقعون فيه من كفر وشرك، ولذلك يخاطب الله عقولهم حين يقول لهم سبحانه: أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ [الزخرف:5]، أي: أنترككم وأنتم في إسرافكم وكفركم وشرككم، على ذلك حتى نهلككم بالعذاب من غير ما نقيم عليكم الحجة؟ لا، حاشا لله عز وجل، فهو القائل: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، فأنزل الكتاب وأرسل الرسول صلى الله عليه وسلم، ليهدي الخلق إلى دين الله، حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم)

    قال تعالى: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف:4] أي: أن هذا القرآن محفوظ عند الله عز وجل في اللوح المحفوظ، وأم الكتاب أي: أصل الكتاب، وأصل الكتاب عند الله سبحانه وتعالى وهو اللوح المحفوظ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:78-79]، أي: لا يمسه إلا ملائكة الله عز وجل، فلا يمسه إنس ولا جان، ولكن ملائكة الله الذين طهرهم واختارهم، هم الذين يمسونه، فشرف الله عز وجل هذا القرآن، وأخبر أنه في لوح محفوظ عند رب العالمين سبحانه، فمهما حاول الناس تبديله لا يقدرون ولا يجدون إلى ذلك سبيلاً، فالله حفظه عنده، وحفظه في صدور عباده المؤمنين، وأخبر أنه فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:78-79]، فهذا عند الله عز وجل، فأولى أن يكون كذلك عند المؤمنين، فلا يمس القرآن إلا الإنسان الطاهر، تشبهاً بملائكة الله المطهرين الذين يمسون اللوح المحفوظ: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [الواقعة:79].

    وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا يمس القرآن إلا طاهر)، ويبقى هنا: القياس على ما عند الله عز وجل، والنص من النبي صلى الله عليه وسلم أنك لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر، أي: طاهر من الحدث الأصغر أو الأكبر.

    قوله: وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا [الزخرف:4] أي: عند الله عز وجل، وقد عبر بنون العظمة وقوله: لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ [الزخرف:4] أي: عالٍ رفيع، لا يقدر أحد أن يناله إلا من اختاره الله وشرفه الله سبحانه وتعالى، ولا يقدر أحد على أن يبدله، فقد قال الله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [الحجر:9] فهو عليّ الشأن، مهيمن على غيره من الكتب، عليّ عن أن يناله أحد بتغيير أو تحريف أو تبديل.

    قوله: حَكِيمٌ [الزخرف:4]، أي: محكم أحكمه الله سبحانه، فهو مشتمل على الحكم، ليس فيه تناقض، وليس فيه إشكال، حفظه الله عز وجل من النقص، وحفظه من التغيير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفنضرب عنكم الذكر صفحاً ...)

    قال تعالى: أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ [الزخرف:5].

    ثم قال لعباده: أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ [الزخرف:5] أي: هل يعقل؟ أننا نخلقكم ثم نترككم سدى وعبثاً، ونهملكم من غير ما ننزل عليكم كتاباً نبين لكم فيه: اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ [هود:50].

    والذكر هنا: التذكير، والضرب بمعنى: الإعراض، أي: أفنعرض عنكم؟ قوله: (صفحاً) تقول: أعرض عن فلان صفحاً. أي: أعطاه جنبه ولم يعطه وجهه.

    وكأن المعنى هنا: أفنعرض عنكم ونترككم فيما أنتم فيه حتى نأخذكم ونعذبكم، فيكون لكم علينا حجة، فتقولون: لم تبعث إلينا رسولاً، لم تنزل علينا كتاباً؟ لا، وإنما لابد أن نبين لكم، وكذلك هل نخلقكم ونترككم هكذا، تعيشون وتموتون من غير حساب؟ لا، وإنما لابد من الحساب، فلن يضرب عنهم الذكر صفحاً، بل يذكرهم ويعظهم، ثم يقبضهم ويحاسبهم، فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء قال: أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ [الزخرف:5]، ومعنى: (أن) بسبب، أي: بسبب أنكم قوم مسرفون، أنترككم في إسرافكم؟ لا، فرحمة الله عز وجل عظيمة وواسعة، والعباد كفروا بالله، والخالق سبحانه مقت العباد فيما هم فيه، لذا جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن عياض بن حمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله نظر إلى أهل الأرض جميعهم فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب).

    فإذا كان العباد على شركهم بالله سبحانه، وهو يمقتهم على ما هم فيه من كفر وإشراك به، فهل يعرض عنهم، ويتركهم حتى يعذبهم؟ لو فعل ذلك سيكون قد ظلمهم، ولكن لأن رحمته وسعت كل شيء، أبى إلا أن ينزل عليهم كتاباً يبين لهم، ويرسل لهم رسولاً يبين لهم حتى لا يكون لهم على الله حجة.

    قوله: أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ [الزخرف:5]، فيها قراءتان: الأولى: قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم ويعقوب بفتح الهمز: أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ [الزخرف:5]، والخمسة الباقون يقرءون بكسر الهمز: إِن كنتم قوماً مسرفين .

    فهل إن كنتم كذلك نعرض عنكم ونترككم على ذلك؟ لا، فرحمتنا أبت إلا أن نخبركم ونعظكم ونعلمكم، فإذا أبيتم فلكم العذاب عند الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكم أرسلنا من نبي في الأولين)

    قال تعالى: وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ [الزخرف:6]، أي: أن هذه ليست أول مرة نرسل فيها إلى العباد رسولاً، بل قد أرسلنا كثيراً من الرسل، جاء في حديث في إسناده ضعف: أنهم تجاوزوا الثلاثمائة من رسل الله عز وجل، وأنبياء الله كثيرون تجاوزوا الأربعة والعشرين ألفاً عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، و(كم) في الآية: للتكثير.

    فالله أرسل رسلاً، وأنزل كتباً، وجعل أنبياء يدعون الناس، ويسوسون الناس حتى يهدوهم إلى رب الناس سبحانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون)

    قال سبحانه: وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون [الزخرف:7]، أي: أن كل مجموعة، وكل قوم، وكل أمة يبعث الله عز وجل إليهم رسولاً، فالعادة فيهم أن يكذبوا، وأن يعرضوا، وأن يسخروا، وسيذكر لنا في هذه السورة، قصة فرعون مع قومه، سخر منهم، وكيف استخفهم، وكيف أطاعوه، وكيف أهلك الله عز وجل الجميع، قال: وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ [الزخرف:6]، أي: في الأقوام السابقين وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا [الزخرف:7-8] يعني: هؤلاء الذين استهزئوا بك، كان من قبلهم فيمن هو أشد منهم قوة، قوم عاد وثمود وأصحاب الأيكة وقوم فرعون، فأهلكنا هؤلاء، فهل نترك هؤلاء هكذا بغير أن نحاسبهم؟ قال: وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ [الزخرف:8]، أي: مضى مثلهم، فقد ضرب لكم الأمثال، وذكركم بما جرى لهم، فاحذروا أن تصابوا بمثل ما أصيب به السابقون.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.