إسلام ويب

تفسير سورة الروم [52 - 54]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الموتى لا يسمعون، ومثلهم الصم إذا ولوا مدبرين، وعمي البصائر لا يبصرون الحق، ولا يرى الحق ويتبعه إلا المؤمنون بآيات الله الكونية والشرعية، المستسلمون لأوامره وشريعته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء ...)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الروم: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ * اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [الروم:52-54].

    في هذه الآيات يخبر الله سبحانه وتعالى نبيه صلوات الله وسلامه عليه بأنه لا يقدر على إسماع الموتى إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى.

    وإسماع الموتى يأتي على معنيين: إما الأموات غير الأحياء، وإما أموات القلوب أحياء الأبدان.

    والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقدر أن يحول الناس من الكفر إلى الإيمان، وإنما الذي يقدر على ذلك هو الله سبحانه وتعالى.

    فإذا ماتت قلوب الناس لا يقدر النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره على إحياء هذه القلوب، إنما الذي يقدر على ذلك الله سبحانه وتعالى.

    وهذا هو معنى: لا حول ولا قوة إلا بالله، إذ المعنى لا حيلة لأحد ولا تحول لأحد عن أمر إلى أمر إلا بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وقد يشكل على البعض قوله تعالى: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [الروم:52] وكون النبي صلى الله عليه وسلم خاطب قتلى المشركين في بدر وأخبر أنهم يسمعون كلامه! والصحيح أن الموتى على الحقيقة لا يقدر أن يسمعهم لا النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره إلا ما يشاء الله سبحانه، وأن إسماع النبي صلى الله عليه وسلم في يوم بدر لقتلى الكفار وقد ألقوا في قليب بدر ونداءه لهم وهو على رأس القليب: يا فلان، يا فلان، يا فلان، (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ وتنبيه عمر للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ما تسمع من جيف لا تسمع)، وتأكيد النبي صلى الله عليه وسلم سماعهم بقوله: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) يعني: كما أنكم تسمعونني كذلك هم يسمعون النبي صلى الله عليه وسلم في تأنيبه لهم، وفي تذكيره لهم؛ فهذا كان خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، إذ العادة ألا يسمع الموتى كما أخبرت الآية إلا أن يشاء الله عز وجل؛ فأسمع الموتى نداء النبي صلى الله عليه وسلم بما يشاء الله سبحانه، وبذلك علم أن الأصل أن الأموات لا يسمعون نداء الأحياء، ولا يخاطبهم الأحياء فيفهمون أو يسمعون ما يقولون، ولكن إذا شاء الله عز وجل كان هذا الأمر.

    وعلى المعنى الثاني أنهم أموات القلوب، ويكون المعنى أن الكفار الذين ماتت قلوبهم، لم يذكروا الله سبحانه، ولم تنفعهم الموعظة، ولم ينفعهم شيء، وأنه مهما حاول النبي صلوات الله وسلامه عليه إسماعهم وهدايتهم ولم يشأ الله عز وجل لهم الهدى، فإنهم لن يسمعوا ولن يهتدوا.

    وفي قوله تعالى: فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى [الروم:52] إخبار أن هؤلاء ماتت قلوبهم فإذا بهم صم بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون وهم لا يعقلون، لا يرجعون قولاً ولا يفهمون ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم، ولعلهم يضحكون ويلعبون ويستهزئون بأشياء ليست محلاً لذلك، ولكن لجهلهم ولغباوة عقولهم، وللطبع والطمس على قلوبهم فإنهم لا يفهمون ما يقوله صلوات الله وسلامه عليه.

    وكالموتى الصم قال تعالى: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ [الروم:52] أي: من كان أصم لا يسمع فكيف تسمعه نداءك؟! والمراد هنا الصمم عن سماع الحق، فالمعنى: آذانهم قد صمت عن نداء الحق، فلا يسمعون الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يعقلون ما آتاهم به من حجج، ويريهم الله الآيات ومع ذلك لا يحاولون أن يعقلوا ما فيها!

    وأي آية أكبر مما رأوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في إحكام هذا القرآن العظيم وإعجازه؟! وفي قوله سبحانه في هذه السورة الكريمة: غُلِبَتِ الرُّوم * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ [الروم:2-3] تحقق ما ظنوه مستحيلاً فوجدوه كما أخبر الله سبحانه ومع ذلك لم يؤمن كبار الكفار!

    ومن الآيات: ما سألوه من النبي صلى الله عليه وسلم: أن يشق لهم القمر، ووعدوه إن هو فعل ذلك فسوف يؤمنون، (فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه في ليلة من الليالي، ثم يشير إلى القمر بيده صلى الله عليه وسلم فينشق القمر) يقول الله سبحانه عن تلك الآية: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]، فيرون القمر فلقتين، فلقة أمام الجبل وفلقة خلف الجبل، ومع ذلك لا يؤمنون، ماتت قلوبهم فلا حياة لهذه القلوب، وصمت آذانهم فلا يعقلون ما يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم!

    وبمعنى قوله تعالى: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ [الروم:52] قوله سبحانه عن هؤلاء: صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [البقرة:18].

    الإنسان الأصم هو: الأطرش الذي لا يسمع، قوله: (بكمٌ)، أي: لا ينطقون، وقوله: (عُميٌ)، أي: لا ينظرون، فلو أن إنساناً أصم لا يسمع، وأبكم لا ينطق بما يريد، وأعمى لا يبصر، قد اجتمعت فيه هذه الآفات كلها فهو كما قال الله سبحانه: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [الأنفال:22]، فإنه ولا شك يتعذر التواصل معه، فلا ينتفع بشيء، وهؤلاء قد صمت آذانهم فلا يسمعون نداء الحق.

    وعميت أبصارهم فلا ينظرون إلى الحجج، وذهبت عقولهم فلا يعقلون ولا يفهمون ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه، وبكمت ألسنتهم فلا ينطقون بحجة سليمة ولا برأي سديد.

    وفي قوله تعالى: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ [الروم:52] قراءتان، الأولى: قراءة الجمهور وهي المتقدمة، وقرأ ابن كثير : ( ولا يسمع الصم الدعاء ) أي: أن الإنسان الأصم لا يسمع نداء من يناديه، وكيف يسمع وقد صمت أذناه؟!

    وما يؤكد أن الصمم في قوله تعالى: وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [الروم:52] ليس الصمم في خلقة الأذن، قوله تعالى: إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ [الروم:52] يدبرون عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهم لا يحاولون أن يفهموا أو يسمعوا ما يقوله عليه الصلاة والسلام إذا ناداهم، وليس ذلك فحسب، بل هم كذلك يستغشون ثيابهم، ويجعلون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا منه ما يقول.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم...)

    قال سبحانه: وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ [الروم:53] أي: إذا كان العمى الذي هم فيه عمى الضلال فلا تستطيع أن تهديهم، وكيف ستهديهم وقد عميت أبصارهم؟! فكلما أشرت لهم: الطريق هنا وقد أغمضوا أعينهم فأنى يفقهون ما تقول؟ أو يدركوا إشارتك؟ بل قد ولوا مدبرين فطبع الله على قلوبهم.

    وقوله: وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ هذه قراءة الجمهور وقرأها حمزة : (وما أنت تهدي العميَ عن ضلالتهم).

    ثم أخبر الله أن المؤمنين هم الذين يستفيدون من الآيات فقال سبحانه: إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ [الروم:53] (إن وإلا) أسلوب قصر، والمعنى: لا تسمع إلا هؤلاء فقط، فالمؤمنون المتقون هم الذين يسمعون منه صلى الله عليه وسلم فيستجيبون، فقوله: إِنْ تُسْمِعُ [الروم:53] إن هي النافية والمعنى: ما تسمع، إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ [الروم:53] فالذين آمنوا، وصدقوا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، واستيقنوا أنه الحق من عند الله، قد سلموا أنفسهم لله سبحانه وتعالى، واستسلموا له، فهو يحكم فيهم بما يشاء ويقضي فيهم بما يريد سبحانه وتعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلقكم من ضعف...)

    ذكر الله مننه على خلقه ونعمه عليهم، وبين مدى حاجتهم إليه فقال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [الروم:54].

    قوله: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ يدل لفظ الجلالة والفعل الذي يليه على توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، ويؤكد أن الله الإله المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنه هو وحده ، إذ الخلق مقتضى أنه رب سبحانه وتعالى، ولكونه رباً فهو وحده الذي يخلق، وهو وحده الذي يرزق، وهو وحده الذي ينفع ويضر، ويعطي ويمنع سبحانه وتعالى.

    وفي الآية إشارة إلى توحيد الرب سبحانه في العبادة، إذ إنه ما دام أن الخالق واحد لا شريك له، فهو وحده الذي يستحق أن يعبد.

    كما أن قوله سبحانه: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم:54] يبين المنحنى الذي يعيش فيه الإنسان، فهو في هذا المنحنى بدأ من الصفر، ثم أخذ يكبر شيئاً فشيئاً إلى أن يصل إلى أوج القوة والكمال، ثم بعد ذلك ينحني إلى الأسفل إلى أن يصل إلى الصفر مرة أخرى ويموت الإنسان!

    فالله خلق الإنسان من ضعف، ثم أوصله إلى القوة، ثم عاد به إلى الضعف مرة أخرى، ولذلك لا ينبغي أن يغتر الإنسان بما أعطاه سبحانه وتعالى في هذه الدنيا، بل لابد أن يستعين بما أعطاه الله سبحانه على طاعته، وما ينفعه في الدنيا وفي الآخرة.

    أما الإنسان الذي يغتر بما أعطاه الله من قوة، فهو جاهل مغرور لم ينظر إلى غيره، كيف كان في يوم من الأيام صغيراً، ثم صار شاباً، ثم صار شيخاً، وتتابعت مراحل عمر الإنسان لتؤذن برحيله؛ لذا لابد أن يدرك أن الذي فعل بغيره ما فعل الذي يفعل بك ما يفعل بالغير، وقد قالوا: السعيد من وعظ بغيره.

    وفي قوله تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ [الروم:54] قراءتان فقراءة الدوري عن أبي عمرو وخلف بالإدغام: (الله الذي خلقكُّم).

    وقوله: مِنْ ضَعْفٍ [الروم:54] الضعف الأول هي المرحلة التي كان عليها الإنسان في بطن أمه من نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم صار حملاً، وتتبعها مرحلة الطفولة التي تبدأ من نزول الإنسان من بطن أمه صبياً صغيراً إلى أن يكبر ويشب.

    قوله سبحانه: ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [الروم:54] أي: بعد مرحلتي الجنين والطفولة تأتي مرحلة الشباب والفتوة والاكتمال.

    ثم قال سبحانه: ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً [الروم:54] والضعف الأخير بسبب الشيخوخة والهرم كما بينت الآية.

    وتنقل الإنسان بين هذه المراحل بدون اختياره يدل أن هناك قدرة مدبرة ذات مشيئة وإرادة، قال تعالى: يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [الروم:54] سبحانه وتعالى، كما أن ضعف الإنسان ملازم له لا ينفك عنه، فإن كان ضعيفاً فالذي يرزقه هو الله سبحانه وتعالى، وإن كان قوياً فالذي يرزقه هو الله سبحانه وتعالى، ولذا ينبغي على الإنسان أن يكون دائماً وأبداً متوكلاً على ربه سبحانه، وليثق بالرب الذي أطعمه وهو في بطن أمه، وأطعمه وهو صبي صغير، فهو الذي يعطيه حتى يتوفاه سبحانه وتعالى.

    وقرئت الآية على هذا النحو: ( الله الذي خلقكم من ضُعْفٍ ثم جعل من بعد ضُعْفٍ قوة ثم جعل من بعد قوةٍ ضُعْفَاً وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ) وهذه قراءة عاصم ، وقراءة عاصم في هذا الموطن بخلاف قراءة حفص ، وإن كانت القراءة بالضم هي اختيار حفص عن عاصم ، وذكر عن حفص أنه ما خالف عاصماً في شيء إلا في هذه الكلمة لحديث عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم فيها، فكان الأشهر من قراءة حفص عن عاصم : ( الله الذي خلقكم من ضُعْفٍ ثم جعل من بعد ضُعْفٍ قوة ثم جعل من بعد قوة ضُعْفَاً وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير )، كما أنها أيضاً قراءة حمزة ، وسبب اختيار حفص لهذه القراءة ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن عطية العوفي قال: قرأت على عبد الله بن عمر : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: ( الله الذي خلقكم من ضُعْفٍ ثم جعل من بعد ضُعْفٍ قوة ثم جعل من بعد قوة ضُعْفاً وشيبة ) ثم قال له: قرأتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قرأتها عليّ فأخذ عليّ كما أخذت عليه.

    فـعبد الله بن عمر قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم: ( الله الذي خلقكم من ضَعْف ) فأقرأه النبي صلى الله عليه وسلم: ( من ضُعْفٍ ) وإن كانت هذه قراءة صحيحة وهذه قراءة صحيحة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بعض أصحابه بقراءة والبعض الآخر بقراءة، والكل كلام رب العالمين سبحانه، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف)، فكلا القراءتين جائز، ولكن الغرض بيان: سبب اختيار حفص لهذه القراءة على القراءة الأخرى؟ فعلمنا أن اختيارها كان بسبب الحديث المتقدم، والحديث حسنه الترمذي وأيضاً حسنه الألباني .

    قال العلماء: الضعف يكون بالضم: الضُعف، ويكون بالفتح: الضَعف، على الخلاف الذي بين القراءتين، فالضعف بالفتح يكون في الرأي، وبالضم يكون في الجسد، وهذا صحيح، وإن كان كلٌ منهما يعطي المعنى الآخر، فالمعنى على القراءة بالفتح: كنتم في ضَعف، أي: في العقول وفي الآراء، إذ المعلوم أن الصبي الصغير لا عقل عنده، وإن كان فيه عقل يميز ولكنه لا يكلف بهذا العقل قطعاً؛ لأنه غير سوي وغير مكتمل، وهو ما نعني بالضعف، وعلى ذلك ستخُصَ القوة في قوله تعالى: ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً [الروم:54] بالقوة في الرأي، والمعنى: صار بالغاً عاقلاً مكلفاً يفهم الأشياء، ذا خبرة في الحياة.

    ثم بعد ذلك يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً، أي: يصل إلى مرحلة الهرم والشيخوخة ويبدأ عقل الإنسان بالضعف، فما كان يحفظه ينساه، والأشياء التي كان يتذكرها إذا به ينسى الكثير منها، وكان واسعاً في مداركه وتفكيره فإذا به ضيق الأفق، وهو معنى الضعف الثاني على القراءة بالفتح ضعف.

    وعندما يتأمل المرء في هذه المراحل العجيبة يدرك أنه ينبغي عليه أن يحاول قدر المستطاع أن يستفيد من قوته وشبابه، عملاً بوصية ابن عمر حيث يقول: خذ من قوتك لضعفك، وخذ من صحتك لسقمك، وخذ من حياتك لموتك، ولذا ينبغي على الإنسان أن يستغل فرصة قوته وصحته في عبادة الله سبحانه وتعالى، فإذا كنت في صحة بحيث تقدر على الصلاة قائماً، فأكثر من الصلاة قبل أن يأتي عليك الضعف والمرض فتصلي وأنت قاعد.

    ومن الفروق بين مرحلتي الضعفين اللذين ذكرهما الله سبحانه، أن الإنسان إذا كان في الضعف الأول وهو صغير يحبه أبوه وتحبه أمه، أما في الضعف الثاني الذي يأتي وهو كبير يضيق به من حوله، لذلك ينبغي على الإنسان أن يكون ودوداً إلفاً مألوفاً، فإذا وصل إلى هذه المرحلة؛ إذا بالناس كلهم يحبونه، ففرق بين إنسان في شبابه مغرور، فهو يغتر على الناس، ويتقوى عليهم بقوته، ويستعرض عليهم بعضلاته، فإذا كبر وشاخ ضاق به الناس وتمنوا موته، وآخر كان ودوداً للناس، خيراً مع الناس، إلفاً مألوفاً؛ فإنه إذا كبر في السن لقي كل من حوله يحبه، والكل يحاولون أن يخدموه، وكذلك الآباء مع أبنائهم فالأب الذي مع أولاده يخدمهم، ويعطف عليهم، ويرحمهم، وملئ بالحنان والشفقة، ويؤدبهم ويعلمهم دين الله سبحانه؛ يطيعه أبناءه في الشيخوخة أتم الطاعة، ويبذلون قصارى جهدهم في خدمته.

    أما الأب القاسي على أولاده، الذي لا يحبهم، ولا ينفق عليهم، ويؤذيهم ويؤذي أمهم، فإنه إذا وصل إلى الشيخوخة تجدهم كلهم تاركين له، لا أحد يسمع له، وقد يتمنون موته، فالذي قدمه في يوم من الأيام جناه بعد سنين من عمره، أو بعد ما وصل إلى أرذل العمر؛ لذلك قدم لنفسك، ولا تنظر إلى اليوم وانظر إلى الغد ما الذي يكون فيه؟ فالله سبحانه يخلق ما يشاء وهو العليم بخلقه سبحانه، القدير على تغيير أحوالهم وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ [الروم:54].