إسلام ويب

تفسير سورة الروم [39 - 41]للشيخ : أحمد حطيبة

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يحث الله المؤمنين على الصدقة والإنفاق في سبيله، والمتصدق مآل ماله إلى الزيادة والنماء، بخلاف المرابي فإن الله يتلف أمواله ويمحقها، والله هو الذي خلق الخلق وأعطاهم الرزق والأموال، ولا يستطيع أحد من المعبودات من دون الله أن يفعل شيئاً من ذلك، ومع هذا فأكثر الناس يجحد نعم الله سبحانه ويفسد في الأرض بالمعاصي والذنوب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما آتيتم من رباً ليربو في أموال الناس ..)

    الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

    اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبته أجمعين.

    قال الله عز وجل في سورة الروم: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ * اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:39-41].

    يخبرنا الله سبحانه تبارك وتعالى في هذه الآيات أن الإنسان مهما أتى من مال يبتغي به الدنيا فالله عز وجل قد يعطيه وقد لا يعطيه، فمن كان يريد الحياة الدنيا يعجل الله عز وجل له فيها ما يشاء لمن يريد سبحانه تبارك وتعالى كما قال تعالى: عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء:18].

    فليس كل من طلب الدنيا نالها وأخذها: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء:18] وكأن طالب الدنيا قد يطلبها ويعطيه الله عز وجل وليس له في الآخرة نصيب، وقد يطلبها ولا يعطاها ولا يأخذ شيئاً من الدنيا، وكذلك ليس له في الآخرة من نصيب.

    أما طالب الآخرة فلا يحرم أبداً، لا يحرم من ابتغى وجه الله سبحانه، ومن أراد بعمله الصالح الثواب والدار الآخرة فهذا لا يحرم أبداً، ويعطيه الله رحمة في الآخرة من فضله ورحمته سبحانه.

    قوله: (وما آتيتم من رباً) ذكرنا أن الربا قسمان: ربا نزلت الآيات في تحريمه، قال الله سبحانه في سورة البقرة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ [البقرة:278-279]، وقال: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة:276] إلى غير ذلك مما ذكر الله عز وجل في أمر الربا، فآكل الربا يستحق حرباً من الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، ويستحق أن يمحق الله عز وجل عنه البركة في الدنيا، وأن يكون من أصحاب الكبائر في الآخرة، فهذا آكل الربا، والإنسان الذي يعطي الصدقة له الفضل عند الله سبحانه والأجر العظيم، وانظر كيف قرن بين الربا وبين الصدقات؛ لأن الناظر إلى الربا بنظرة دنيوية يرى أن الربا يزيد المال، فيقول: سندينك ألفاً فتقضينا ألفين، وسندينك عشرة فتعطينا خمس عشرة، فينظر بهذه النظرة أن هذا الربا سيزيد المال، وربنا سبحانه تبارك وتعالى يقول: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا [البقرة:276]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الربا عاقبته إلى قلة) وإن كثر فعاقبته إلى قلة، إلى النقصان، فمال الربا مال ضائع في النهاية على صاحبه، فيبتدئ الله عز وجل صاحبه إما بمحق ماله وإما بتحسيره على هذا المال، فيتحسر عليه وهو يضيع منه، أو لا يستطيع أن ينتفع به، أو تنزع منه بركته، أو ينظر في حسرته وما يكون من أمره يوم القيامة.

    أما الصدقة وإن كان الناظر إليها في الدنيا يظن أن فلاناً يضيع ماله، كل وقت وهو يخرج صدقة وراء صدقة، وسينتهي ماله، ولكن الله عز وجل يذكر لنا أنه يمحق الربا ويربي الصدقات، والربا: أصله الزيادة والنماء، فلما أراد الإنسان الزيادة والنماء بالحرام محقه الله سبحانه، ولما أراد أن ينفق ماله ويصرف هذا المال في طاعة الله نماه الله وبارك له فيه، وزاد له هذا المال، لذلك قرن الله بين الاثنين: الربا والصدقة فذكرهما في هذا الموضع من سورة البقرة قال تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ [البقرة:276].

    وهنا صورة أخرى من صور الربا، ولكنها ليست بالصورة المحرمة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ذكرناها في الحديث السابق، وهو نوع من أنواع الزيادة في المال، وهي الهدية، أن أعطيك هدية تساوي كذا فتعطيني أحسن منها، فهذه جائزة بين الناس، ولكنها ليست محمودة، ولذلك نهي عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وقال له ربه: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6]يعني: لا تمن بالعطاء لتطلب استكثارًا من أموال الناس.

    يقول الله سبحانه: (وما آتيتم) وهذه فيها قراءتان، وما (آتيتم) هذه قراءة الجمهور بالمد، وقراءة ابن كثير (وما أتيتم)، فإذا وصل ابن كثير يقول (وما أتيتمو من ربا) بمعنى: جئتم، كأنه هذا الشيء يؤتى فذهبتم إليه، هذا على قراءة ابن كثير، وقراءة الجمهور بمعنى: ما أعطيتم من هدية تطلبون عليها هدية أحسن منها في الدنيا، فعلى ذلك هذا من الربا غير المحرم، وإنما هو صورة من الصور، وهذا مكروه وليس محرماً، إذا فعله إنسان لا يأثم، وكثير من الناس يفعلون هذا، يعطي أحدهم هدية إلى إنسان وينتظر أن يعطيه أحسن منها.

    قوله: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ [الروم:39] (ليربو) هذه قراءة الجمهور، و(لتربوا في أموال الناس) قراءة نافع وأبي جعفر ويعقوب ، يعني: لتزيدوا، وهنا فيها معنيان: المعنى الأول: ليربوا في أموال الناس يعني: أنت أعطيت من مالك لأجل أن يزيد عند فلان، حيث يرد لك أحسن منه، وهذا يسمى الإثابة على الهدية، والإثابة: هي أن يعطيه الإنسان ثواب هذه الهدية، وهذا مثلما تذهب إلى شخص في العيد، فتعطي كل واحد من عياله خمسة جنيه، وتنتظر أن يأتي فيعطي عيالك عشرة جنيه لكل واحد منهم، فهذا ليس حراماً، ولكن يكره هذا الشيء.

    وبعض العلماء كـابن عباس وغيره يقول: هذه آية نزلت في هبة الثواب، ويذكر بعضهم مثل الشعبي يقول: معنى الآية ما خدم الإنسان به أحداً وخف له لينتفع به في دنياه.

    ويقول ابن عباس أيضاً: نزلت في قوم يعطون قرابتهم وإخوانهم لأجل نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم ليزيدوا في أموالهم، وكأنها هنا صورتان: الأولى: يعطي الشخص لأجل أن يعطيه أكثر، والصورة الثانية يعطي أقرباءه من المال لأجل أن يظهروا أنهم أغنياء، فيفتخر بأن أقاربه أغنياء، فهذا عطاء للدنيا ليس فيه ثواب؛ لأنهم طلبوا هنا المظهر، وهنا فرق بين أن يعطي الأقارب ويريد أنه يبقى عندهم مال، ليس للمظهر وإنما لأجل أن ينفق القريب على عياله، حتى لا يبقى عالة يمد يده للناس، فهذا له أجر عظيم عند الله سبحانه، الفعل واحد، والنية تخالف بين عمل وعمل آخر، فقد تعطي أقرباءك تبتغي النفع لنفسك، فتقول في نفسك: إما أن أعطيهم لأجل أن يعطوني بعد ذلك، وإما أن أعطيهم حتى يكونوا تبعاً لي، فأكون أمشي وهم يمشون ورائي، وأتكلم فيسمعون لي، لأنني أعطيهم مالاً، فهذا كله لا أجر فيه في الآخرة، إنما الأجر في الآخرة أن تعطي دون مقابل، ولذلك كانت الصدقة على ذي الرحم الكاشح أفضل من الصدقة على ذي الرحم المواصل؛ لأنك أعطيت شخصاً تستجلب فيه المودة، وليبقى بينك وبينه إحسان، فإذا أعطيت الرحم الكاشح كان خيراً لك من إعطاء غيره.

    وهذه الآية: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ [الروم:39] تمهيد لتحريم الربا، فإن ربنا سبحانه وتعالى يحذر في هذه الآية المكية من الربا، وكأنه يقول: إننا سنحرمه بعد ذلك، فالربا لا يربو عند الله سبحانه، والربا معناه: أن تعطي إنساناً نقداً، ثم تطلب منه أكثر من ذلك قضاءً، كإنسان يقرض قرضاً فيطلب عليه فائدة، فهذا هو الربا.

    معنى قوله تعالى: (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله ...)

    قوله: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ [الروم:39] في سورة البقرة قرن الربا بالصدقة، وهنا قرن الربا بالزكاة، والحكمة هناك وهنا قريبة من المعنى، فالزكاة إيتاء وإعطاء وإنفاق، ولا تنتظر مقابلة رداً ولا زيادة، فتخرج زكاة مالك وتعطيها للفقير، ولا تنتظر من الفقير أن يعطيك عليها شيئاً، ولكن انتظر من الله سبحانه تبارك وتعالى، والربا: أن تعطي ليرد إليك الأصل وزيادة، فالربا في نظر المعطي سيزيد المال، وعند الله عز وجل يمحق المال، والزكاة في نظر المعطي تنقص من ماله، ولكن عند الله عز وجل يضاعف لك هذا المال، فيقرن بين الربا وبين الزكاة ليريك الفضل من الله سبحانه، ولتنفق من أجله، قال تعالى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ [الروم:39] بشرط: تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ [الروم:39]فقد يعطي الإنسان الزكاة يبتغي بها وجه الله، وقد يعطيها وهو مكره على ذلك، فيأتي الحاكم يأخذها منه غصباً عنه، فتسقط عنه الزكاة ولا أجر له!

    قد نقول: إن العبادة صحيحة، ولكن قد لا يؤجر عليها صاحبها، ومعنى صحيحة: أنه لا يلزمه أن يعيدها مرة ثانية، فإذا أخذت منه زكاة ماله قهراً فقد برئت ذمته، ولكن هل له فيها أجر؟ لا يكون الأجر إلا لما يبتغي به وجه الله عز وجل.

    قال تعالى: وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ [الروم:39] (المضعفون) أي: كأنهم أصحاب الأضعاف المضاعفة عند الله سبحانه تبارك وتعالى، فيقال: رجلٌ مضعِّف يعني: له أجر مضاعف عند الله سبحانه، ويقال: رجل مسمن يعني: عنده إبل مسمنة، ورجل معطش يعني: عنده إبل عطاش أو عنده أناس عطاش، فكأن هذا الذي هو مضعف يضاعف له الخير عند الله عز وجل، ويضاعف له الثواب عنده، كما قال الله سبحانه: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً [البقرة:245] فإذا أقرضت الله وأعطيت لله فإن الله يضاعف لك الأجر عنده.

    وكذلك قال: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ [البقرة:265] آتت أكلها ضعفين هذا من رحمة الله وفضله، أن يضاعف الثواب لمن يبتغي وجه الله سبحانه، وفي الحديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم ..)

    لما ذكر الله أمر الربا والزكاة قال بعد ذلك: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [الروم:40].

    وانظر إلى ارتباط الآيات قبلها، فذكر أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وأن المال مال الله سبحانه، يعطيه من يشاء، ويمنعه من يشاء سبحانه، ويوسع ويبسط على من يشاء، ويقدر ويضيق على من يشاء، فالمال مال الله، ثم ذكر آية الربا والزكاة، ثم ذكر بعدها أن المال مال الله، والخلق خلق الله سبحانه تبارك وتعالى، فانظر إلى هذا الترتيب البديع الجميل!

    قال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [الروم:40].

    فتنظر بدء الخلق كيف كنت في بطن أمك، من الذي يطعمك ويسقيك وأنت بداخل أحشاء أمك؟! الله سبحانه تبارك وتعالى الذي قال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [الروم:54].

    الله المعبود سبحانه تبارك وتعالى، والخلق من أفعال الربوبية، فكونه رباً يخلق سبحانه، وكأنه أشار هنا إلى إلهية الله سبحانه، وأنه الإله الذي يستحق العبادة، فهو الله العظيم سبحانه المعبود الذي خلق فاستحق أن يعبد سبحانه، فهو لم يخلقكم ويترككم سبحانه، وإنما رزقكم وأنتم في بطون أمهاتكم أطفالاً صغاراً، ورزقكم وأنتم كبار، ورزقكم حتى تموتوا، قال: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ [الروم:40].

    فذكر بعد الخلق الرزق، ثم يميت الله عز وجل العباد، ثم يبعثهم ويحييهم للجزاء سبحانه، الذي فعل ذلك هل غيره سبحانه يفعل ذلك؟! هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ [الروم:40].

    فالله هو المعبود وحده سبحانه، وهؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله من أصنام وأوثان وإنسان أو جان هل يفعلون كما يفعل الله؟ حاشا لله سبحانه تبارك وتعالى.

    قال الله تعالى: سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الروم:40] تنزيهاً لله وتقديساً له سبحانه أن يقال عنه ذلك، وتمجد سبحانه عما يشركون ويقولون عنه الكذب.

    (الله الذي خلقكم) هذه قراءة الجمهور، وقرأها أبو عمرو: (الله الذي خلقْكُّم) بالإدغام فيها، ويقرؤها ابن كثير وقالون وأبو جعفر: (الله الذي خلقكموا ثم رزقكموا ثم يميتكموا ثم يحييكموا).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ..)

    يقول سبحانه: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41].

    الله خلقكم وتكفل لكم برزقكم، ولم يترككم كل شخص يرزق الثاني، لا، وإنما الله هو الذي يرزقكم، فإذا بالإنسان لطمعه وجشعه يقطع عن نفسه رزقاً حلالاً، ليأخذ من الشيء الحرام، فيعاقبه الله عز وجل بالتقتير والتقدير عليه: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41].

    ظهور الفساد في البر والبحر بسبب العباد، فظهرت المعاصي، وأعظم وأفظع المعاصي الشرك بالله سبحانه، وما دون ذلك من كبائر وصغائر، فلما ظهرت هذه الأشياء ظهرت نتائجها، فظهور الفساد له سبب وراءه، فالعباد عندما يعصون الله سبحانه سلط عليهم غيرهم وأنفسهم، بدءوا بالفساد فكانت النتيجة فساداً أشد، أفسد العباد فصاروا يشركون بالله، ويرجون غير الله سبحانه، ويعصون الله سبحانه، ويأكلون الربا والمحرمات، ويواقعون الفواحش، وتتبرج النساء، ويقعون فيما يغضب الله سبحانه تبارك وتعالى، فهذا فساد في البر وفي البحر.

    يفسد العباد بقطع الطريق في البر والبحر، وبالظلم لبعضهم بعضاً، ويضيق بعضهم على بعض، ويحارب بعضهم بعضاً، فإذا بالله يعاقبهم على ذلك، فيقلل عنهم المطر، وتأتي الرياح الشديدة، وتأتي الأمطار وتنزل في الصحراء فلا ينتفعون بها!

    فيمنع عنهم شيئاً من رحمته سبحانه تبارك وتعالى، ويضيق عليهم في رزقهم، ويذهبون للبحار ليصيدوا فبعدما كانت البحار تطلع أسماكاً كثيرة لا يجدون إلا القليل، فالذي ضيق عليهم أرزاقهم هو معاصيهم وما كسبت أيديهم، فضيق الله عليهم فأقحطهم ومنع عنهم المطر، وضيق عليهم في أرزاقهم فكسدت تجارتهم.

    يقول الله: بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ [الروم:41] هذه قراءة الجمهور، وقراءة قنبل بخلفه وقراءة روح (لنذيقهم) بنون التعظيم لله عز وجل فهو يقول: نذيق هؤلاء عذاباً في الدنيا دون عذاب الآخرة.

    قوله: لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا [الروم:41] سبحان الله! هذا من رحمة رب العالمين سبحانه، لعل العباد يتوبون ويرجعون إلى الله، قال: لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم:41].

    فلو أصابهم بكل ما عملوا لأفناهم سبحانه تبارك وتعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر:45]، ما ترك على ظهر هذه الأرض من دابة، ولكن يؤاخذهم ببعض ذنوبهم لعلهم يرجعون إلى الله، فإذا لم يرجعوا إلى الله بقيت المؤاخذة ببعض الذنوب في الدنيا، والمؤاخذة الحقيقة والجزاء والعذاب عند الله يوم القيامة.

    نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.

    أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.

    وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.